كيف نميز داعي الحق من دعاة الباطل؟

شرائع الإسلام (الجزء الثاني)

حجم الخط

تحميل الكتاب بي دي اف

إصدارات أنصار الإمام المهدي (ع) / العدد (21- ب)

شرائع الإسلام
(الجزء الثاني)
(العبادات)

السيد أحمد الحسن
وصي ورسول ويماني الإمام المهدي (ع)
15 / شعبان / 1427هـ ق
الطبعة الثانية
1431 هـ - 2010 م

لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن (ع)
يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي :
www.almahdyoon.org

بسم الله الرحمن الرحيم
شرائع الإسلام
(الجزء الثاني)

كتاب الزكاة
كتاب الخمس
كتاب الحج
كتاب العمرة
كتاب الجهاد
كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


كتاب الزكاة
وفيه قسمان:
القسم الأول: في زكاة المال
والنظر في: من تجب عليه، وما تجب فيه، ومن تصرف إليه.
النظر الأول: من تجب عليه الزكاة
فتجب الزكاة على: البالغ، العاقل، الحر، المالك، المتمكن من التصرف. فالطفل لا تجب عليه الزكاة، ولكنها في ماله غير الذهب والفضة مما يجب فيه الزكاة، فيجب على الولي إخراجها وإلا فيخرجها إذا بلغ، وكذا المجنون.
والملك شرط في الأجناس كلها، ولابد أن يكون تاماً، فلو وهب له نصاب لم يجز في الحول إلا بعد القبض، وكذا إذا أوصى له اعتبر الحول بعد الوفاة والقبول. ولو اشترى نصاباً جرى في الحول من حين العقد لا بعد الثلاثة، وكذا لو شرط البائع أو هما خياراً زائداً على الثلاثة. ولو استقرض مالاً وعينه باقية جرى في الحول من حين قبضه، ولا يجري الغنيمة في الحول إلا بعد القسمة. ولو عزل الإمام قسطاً جرى في الحول إن كان صاحبه حاضراً، وإن كان غائباً فعند وصوله إليه.
ولو نذر في أثناء الحول الصدقة بعين النصاب انقطع الحول لتعينه للصدقة. والتمكن من التصرف معتبر في الأجناس كلها. وإمكان أداء الواجب إلى مستحقه معتبر في الضمان لا في الوجوب.
ولا تجب الزكاة في: المال المغصوب، ولا الغائب إذا لم يكن في يد وكيله أو وليه ولا الرهن، ولا الوقف، ولا الضال، ولا المال المفقود، فإن مضى عليه سنون وعاد زكاه لسنته استحباباً، ولا القرض حتى يرجع إلى صاحبه، ولا الدين حتى يقبضه، فإن كان تأخيره من جهة صاحبه تجب الزكاة على مالكه. والكافر تجب عليه الزكاة، لكن لا يصح منه أداؤها، فإذا تلفت لا يجب عليه ضمانها وإن أهمل. والمسلم إذا لم يتمكن من إخراجها وتلفت لم يضمن، ولو تمكن وفرط ضمن. والمجنون والطفل لا يضمنان إذا أهمل الولي.
النظر الثاني: في بيان ما تجب فيه وما تستحب
تجب الزكاة في الأنعام الثلاث: الإبل، والبقر، والغنم. وفي: الذهب، والفضة، والغلات الأربع: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب والحبوب. وتجب في مال التجارة، ولا تجب فيما عدا ذلك.
وتستحب: في كل ما تنبت من الأرض مما يكال أو يوزن، وفي الخيل الإناث. وتسقط عما عدا ذلك إلا ما سنذكره. ولا زكاة في البغال، والحمير، والرقيق. ولو تولد حيوان بين حيوانين أحدهما زكوي، روعي في إلحاقه بالزكوي إطلاق اسمه.
القول: في زكاة الأنعام
والكلام في: الشرائط، والفريضة، واللواحق.
أما الشرائط، فأربعة:
الأول: اعتبار النصب، وهي في الإبل إثنا عشر نصاباً خمسة كل واحد منهما خمس وفيه شاة، فإذا بلغت ستاً وعشرين صارت كلها نصاباً وفيه بنت مخاض داخلة في السنة الثانية، ثم ست وثلاثون وفيه بنت لبون داخلة في السنة الثالثة، ثم ست وأربعون وفيه حقة داخلة في السنة الرابعة، ثم إحدى وستون وفيه جذعة داخلة في السنة الخامسة، ثم ست وسبعون وفيه بنتا لبون، ثم إحدى وتسعون وفيه حقتان، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين فأربعون أو خمسون أو منهما، وفي الأربعين بنت لبون وفي الخمسين حقة.
وفي البقر نصابان: ثلاثون، وأربعون دائماً. وفي الثلاثين تبيعة داخلة في السنة الثانية، وفي الأربعين مسنة داخلة في السنة الثالثة.
وفي الغنم: أربعون وفيها شاة، ثم مائة وإحدى وعشرون وفيها شاتان، ثم مائتان وواحدة وفيها ثلاث شياه، ثم ثلاثمائة وواحدة فيها أربعة شياه، وهكذا كلما زادت مائة زادت شاة ففي أربع مائة وواحد خمس شياه. والفريضة تجب في كل نصاب من نصب هذه الأجناس، وما بين النصابين لا يجب فيه شئ.
وقد جرت العادة بتسمية ما لا يتعلق به الفريضة من الإبل شنقاً، ومن البقر وقصاً، ومن الغنم عفواً، ومعناه في الكل واحد. فالتسع من الإبل نصاب وشنق، فالنصاب خمس والشنق أربع بمعنى أنه لا يسقط من الفريضة شئ ولو تلفت الأربع. وكذا التسعة والثلاثون من البقر نصاب ووقص، فالفريضة في الثلاثين والزائد وقص حتى تبلغ أربعين. وكذا مائة وعشرون من الغنم نصابها أربعون، والفريضة فيه وعفوها ما زاد، حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين. وكذا ما بين النصب التي عددناها. ولا يضم مال إنسان إلى غيره وإن اجتمعت شرائط الخلط وكانا في مكان واحد، بل يعتبر في مال كل واحد منهما بلوغ النصاب. ولا يفرق بين مالي المالك الواحد ولو تباعد مكانهما.
الشرط الثاني: السوم، فلا تجب الزكاة في المعلوفة، وفي السخال إلا إذا استغنت عن الأمهات بالرعي. ولابد من استمرار السوم ثمانية أشهر في الحول، ويكفي إتمام السابع والدخول في الثامن، فلو علفها أكثر من أربعة أشهر استأنف الحول عند استئناف السوم. وكذا لو منع السائمة مانع كالثلج، فعلفها المالك أو غيره بإذنه أو بغير إذنه أكثر من أربعة أشهر خلال الحول.
الشرط الثالث: الحول، وهو معتبر في الحيوان، ومال التجارة، والذهب والفضة مما تجب فيه. والخيل مما يستحب فيه.
وحده أن يمضي له أحد عشر شهراً، ثم يهل الثاني عشر، فعند هلاله تجب ولو لم يكمل أيام الحول. ولو اختل أحد شروطها في أثناء الحول بطل الحول، مثل: إن نقصت عن النصاب فأتمها، أو عاوضها بمثلها أو بجنسها، وإذا فعل ذلك فراراً وجبت الزكاة. ولا تعد السخال مع الأمهات، بل لكل منهما حول على انفراده. ولو حال الحول فتلف من النصاب شئ، فإن فرط المالك ضمن، وإن لم يكن فرط سقط من الفريضة بنسبة التالف من النصاب. وإذا ارتد المسلم قبل الحول لم تجب الزكاة واستأنف ورثته الحول، وإن كان بعده وجبت، وإن لم يكن عن فطرة لم ينقطع الحول، ووجبت الزكاة عند تمام الحول ما دام باقياً.
الشرط الرابع: أن لا تكون عوامل، فإنه ليس في العوامل زكاة، ولو كانت سائمة.
وأما الفريضة، فيقف بيانها على مقاصد:
الأول: الفريضة في الإبل شاة في كل خمسة حتى تبلغ خمساً وعشرين، فإن زادت واحدة كانت فيها بنت مخاض، فإذا زادت عشراً كان فيها بنت لبون، فإذا زادت عشراً أخرى كان فيها حقة، فإذا زادت خمس عشرة كان فيها جذعة فإذا زادت خمس عشرة أخرى كان فيها بنتا لبون، فإذا زادت خمس عشرة أيضاً كان فيها حقتان، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين طرح ذلك، وكان في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون.
ولو أمكن في كل عدد فرض كل واحد من الأمرين كان المالك بالخيار في إخراج أيهما شاء، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.
الثاني: في الأبدال
من وجبت عليه بنت مخاض وليست عنده أجزأه ابن لبون ذكر، ولو لم يكونا عنده كان مخيراً في ابتياع أيهما شاء. ومن وجبت عليه سن وليست عنده وعنده أعلى منها بسن دفعها وأخذ شاتين أو عشرين درهماً أو الفرق بينهما، وإن كان ما عنده أخفض منها بسن دفع معها شاتين أو عشرين درهماً أو الفرق بينهما، والخيار في ذلك إليه لا إلى العامل، سواء كانت القيمة السوقية مساوية لذلك أو ناقصة عنه أو زائدة عليه. ولو تفاوتت الأسنان بأزيد من درجة واحدة لم يتضاعف التقدير الشرعي، ورجع في التقاص إلى القيمة السوقية، وكذا ما فوق الجذع من الأسنان، وكذا ما عدا أسنان الإبل.
الثالث: في أسنان الفرائض
بنت المخاض: هي التي لها سنة ودخلت في الثانية، أي أمها ماخض أي حامل.
وبنت اللبون: هي التي لها سنتان ودخلت في الثالثة، أي أمها ذات لبن.
والحقة: هي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة فاستحقت أن يطرقها الفحل أو يحمل عليها.
والجذعة: هي التي لها أربع ودخلت في الخامسة وهي أعلى الأسنان المأخوذة في الزكاة.
والتبيع: هو الذي تم له حول، وسمي بذلك لأنه يتبع أمه في الرعي.
والمسنة: هي الثنية التي كملت لها سنتان ودخلت في الثالثة.
ويجوز أن يخرج من غير جنس الفريضة بالقيمة السوقية، ومن العين أفضل، وكذا في سائر الأجناس.
والشاة التي تؤخذ في الزكاة أقله الجذع (أكمل ستة أشهر) من الضان، أو الثني (دخل في الثانية) من المعز، ولا تؤخذ المريضة ولا الهرمة ولا ذات العوار. وليس للساعي التخيير، فإن وقعت المشاحة يقرع حتى يبقى السن التي تجب عليه.
وأما اللواحق، فهي:
إن الزكاة تجب في العين لا في الذمة، فإذا تمكن من إيصالها إلى مستحقها فلم يفعل فقد فرط، فإن تلفت لزمه الضمان. وكذا إن تمكن من إيصالها إلى الساعي أو إلى الإمام.
ولو أمهر امرأة نصاباً وحال عليه الحول في يدها فطلقها قبل الدخول وبعد الحول كان له النصف موفراً، وعليها حق الفقراء.
ولو هلك النصف بتفريط، كان للساعي أن يأخذ حقه من العين ويرجع الزوج عليها به، لأنه مضمون عليها.
ولو كان عنده نصاب فحال عليه أحوال، فإن أخرج زكاته في كل سنة من غيره تكررت الزكاة فيه، وإن لم يخرج وجبت عليه زكاة حول واحد.
ولو كان عنده أكثر من نصاب كانت الفريضة في النصاب، ويجبر من الزائد. وكذا في كل سنة حتى ينقص المال عن النصاب، فلو كان عنده ست وعشرون من الإبل، ومضى عليها حولان وجب عليه بنت مخاض وخمس شياه، فإن مضى عليها ثلاثة أحوال وجب عليه بنت مخاض وتسع شياه.
والنصاب المجتمع من المعز والضان، وكذا من البقر والجاموس، وكذا من الإبل العراب والبخاتي تجب فيه الزكاة، والمالك بالخيار في إخراج الفريضة من أي الصنفين شاء.
ولو قال رب المال: لم يحل على مالي الحول، أو قد أخرجت ما وجب علي قبل منه ولم يكن عليه بينة ولا يمين، ولو شهد عليه شاهدان قبلا. وإذا كان للمالك أموال متفرقة كان له من أيها شاء إخراج الزكاة. ولو كانت السن الواجبة في النصاب مريضة لم يجز أخذها، وأخذ غيرها بالقيمة. ولو كان كله مراضاً لم يكلف شراء صحيحة.
ولا تؤخذ الربى: وهي الوالدة إلى خمسين يوماً، ولا الأكولة: وهي السمينة المعدة للأكل، ولا فحل الضراب. ويجوز أن يدفع من غير غنم البلد وإن كان دون قيمة، ويجزي الذكر والأنثى.
القول: في زكاة الذهب والفضة
ولا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين ديناراً (والدينار مثقال ذهب عيار 18)، ففيه عشرة قراريط (أي 2.5 %). ثم ليس في الزائد شئ حتى يبلغ أربعة دنانير ففيها قيراطان (أي 2.5 %). ولا زكاة فيما دون عشرين مثقالاً ولا فيما دون أربعة دنانير. ثم كلما زاد المال أربعة ففيها قيراطان (أي 2.5 %) بالغاً ما بلغ.
ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم، ففيها خمسة دراهم. ثم كلما زادت أربعين كان فيها درهم. وليس فيما نقص عن الأربعين زكاة، كما ليس فيما نقص عن المائتين شيء، والدرهم (2.5 غرام) فضة خالصة.
ولا يشترط وجوب الزكاة فيهما كونهما مضروبين دنانير ودراهم منقوشين بسكة المعاملة، أو ما كان يتعامل بهما، بل يكفي الاقتناء لهما للادخار وإن كانا سبائك أو نقار أو تبر. ويشرط حول الحول حتى يكون النصاب موجوداً فيه أجمع، فلو نقص في أثنائه، أو تبدلت أعيان النصاب بغير جنسه أو بجنسه لم تجب الزكاة. وكذا لو منع من التصرف فيه سواء كان المنع شرعياً كالوقف والرهن، أو قهرياً كالغصب.
ولا تجب الزكاة في حلي الزينة إن كان محللاً كالسوار للمرأة وحلية السيف للرجل، وتجب إن كان محرماً كالخلخال للرجل، وكالأواني المتخذة من الذهب والفضة، وآلات اللهو لو عملت منهما. وإن ادخر الفضة أو الذهب ولم يزكها كان من مصاديق هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ التوبة: 34.
وأما أحكامها، فمسائل:
الأولى: لا اعتبار باختلاف الرغبة مع تساوي الجوهرين، بل يضم بعضها إلى بعض. وفي الإخراج إن تطوع بالأرغب، وإلا كان له الإخراج من كل جنس بقسطه.
الثانية: الدراهم المغشوشة لا زكاة فيها حتى تبلغ خالصها نصباً، ثم لا يخرج المغشوشة عن الجياد.
الثالثة: إذا كان معه دراهم مغشوشة، فإن عرف قدر الفضة أخرج الزكاة عنها فضة خالصة، وعن الجملة منها. وإن جعل ذلك وأخرج عن جملتها من الجياد احتياطاً جاز أيضاً، وإن ماكس ألزم تصفيتها ليعرف قدر الواجب.
الرابعة: مال القرض إن تركه المقترض بحاله حولاً وجبت الزكاة عليه دون المقرض، ولو شرط المقترض الزكاة على المقرض لا يلزم.
الخامسة: من دفن مالاً وجهل موضعه، أو ورث مالاً ولم يصل إليه ومضى عليه أحوال ثم وصل إليه زكاه لسنته استحباباً.
السادسة: إذا ترك نفقة لأهله فهي معرضة للإتلاف تسقط الزكاة عنها مع غيبة المالك، وتجب لو كان حاضراً.
السابعة: لا تجب الزكاة حتى يبلغ كل جنس نصاباً، ولو قصر كل جنس أو بعضها لم يجبر بالجنس الآخر، كمن معه عشرة دنانير ومائة درهم، أو أربعة من الإبل وعشرون من البقر.
القول: في زكاة الغلات
والنظر في الجنس، والشروط، واللواحق.
أما الأول: فلا تجب الزكاة فيما يخرج من الأرض، إلا في الأجناس الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وباقي الحبوب مما يدخل المكيال والميزان كالذرة والأرز والعدس والماش والدخن والفاصوليا.
وأما الشروط: فالنصاب وهو (850 كيلو غرام)، وما نقص فلا زكاة فيه، وما زاد فيه الزكاة ولو قل. والحد الذي تتعلق به الزكاة من الأجناس عند نضجها. ووقت الإخراج في الغلة إذا صفت، وفي التمر بعد اخترافه، وفي الزبيب بعد اقتطافه.
ولا تجب الزكاة في الغلات إلا إذا ما ملكت بالزراعة، لا بغيرها من الأسباب كالابتياع والهبة والمسايحة، ويزكي حاصل الزرع، ثم لا تجب بعد ذلك فيه زكاة ولو بقي أحوالاً. ولا تجب الزكاة إلا بعد إخراج المؤن كلها.
وأما اللواحق، فمسائل:
الأولى: كل ما سقي سيحاً أو بعلاً (بعرقه) أو عذياً (بالمطر) ففيه العشر، وما سقي بالآلة ففيه نصف العشر. وإن اجتمع فيه الأمران كان الحكم للأكثر، فإن تساويا أخذ من نصفه العشر، ومن نصفه نصف العشر.
الثانية: إذا كان نخيل أو زروع في بلاد متباعدة يدرك بعضها قبل بعض، ضممنا الجميع وكان حكمها حكم الثمرة في الموضع الواحد، فما أدرك وبلغ نصاباً أخذ منه، ثم يؤخذ من الباقين قل أو كثر. وإن سبق مالاً يبلغ نصاباً تربصنا في وجوب الزكاة إدراك ما يكمل نصاباً سواء أطلع الجميع دفعة، أو أدرك دفعة، أو اختلف الأمران.
الثالثة: إذا كان له نخل تطلع مرة، وأخرى تطلع مرتين يضم الثاني إلى الأول.
الرابعة: لا يجزي أخذ الرطب عن التمر، ولا العنب عن الزبيب، ولو أخذه الساعي وجف ثم نقص رجع بالنقصان.
الخامسة: إذا مات المالك وعليه دين، فظهرت الثمرة وبلغت نصاباً لم يجب على الوارث زكاتها، ولو قضي الدين وفضل منها النصاب لم تجب الزكاة لأنها على حكم مال الميت، ولو صارت تمراً والمالك حي ثم مات وجبت الزكاة وإن كان دينه يستغرق تركته، ولو ضاقت التركة عن الدين تقدم الزكاة.
السادسة: إذا ملك نخلاً قبل أن تنضج ثمرته فالزكاة عليه، وكذا إذا اشترى ثمرة قبل أن تنضج، فإن ملك الثمرة بعد ذلك فالزكاة على المملك.
السابعة: حكم ما يخرج من الأرض مما يستحب فيه الزكاة حكم الأجناس الأربعة والحبوب في قدر النصاب، وكيفية ما يخرج منه، واعتبار السقي.
القول: في مال التجارة
والبحث فيه، وفي شروطه، وأحكامه.
أما الأول: فهو المال الذي ملك بعقد معاوضة، وقصد به الاكتساب عند التملك فلو انتقل إليه بميراث أو هبة لم يزكه، وكذا لو ملكه للقنية، وكذا لو اشتراه للتجارة ثم نوى القنية.
وأما الشروط، فثلاثة:
الأول: النصاب، ويعتبر وجوده في الحول كله، فلو نقص في أثناء الحول ولو يوماً سقط الوجوب، ولو مضى عليه مدة يطلب فيها برأس المال ثم زاد كان حول الأصل من حين الابتياع، وحول الزيادة من حين ظهورها.
الثاني: أن يطلب الاكتساب برأس المال أو زيادة، فلو كان رأس ماله مائة فيطلب بنقيصة ولو حبة لم يجب، وإذا مضى عليه وهو على النقيصة أحوال زكاه لسنة واحدة استحباباً.
الثالث: الحول، ولابد من وجود ما يعتبر في الزكاة من أول الحول إلى الآخر، فلو نقص رأس ماله أو نوى به القنية انقطع الحول. ولو كان بيده نصاب بعض الحول فاشترى به متاعاً للتجارة استأنف الحول، ولو كان رأس المال دون النصاب استأنف عند بلوغه نصاباً فصاعداً.
وأما أحكامه، فمسائل:
الأولى: زكاة التجارة تتعلق بقيمة المتاع لا بعينه، ويقوم بالدنانير أو الدراهم.
تفريع: إذا كانت السلعة تبلغ النصاب بأحد النقدين دون الآخر تعلقت بها الزكاة لحصول ما يسمى نصاباً.
الثانية: إذا ملك أحد النصب الزكاتية للتجارة، مثل أربعين شاة أو ثلاثين بقرة سقطت زكاة المال ووجبت زكاة التجارة، ولا تجتمع الزكاتان.
الثالثة: لو عاوض أربعين سائمة بأربعين سائمة للتجارة سقط وجوب المالية والتجارة، واستأنف الحول فيهما.
الرابعة: إذا ظهر في مال المضاربة الربح كانت زكاة الأصل على رب المال لانفراده بملكه، وزكاة الربح بينهما يضم حصة المالك إلى ماله ويخرج منه الزكاة لأن رأس ماله نصاب. ولا يجب في حصة الساعي الزكاة إلا أن يكون نصاباً، وتُخرج وإن لم ينضَّ المال أي تفرز حصة الساعي عن حصة المالك لإخراج الزكاة.
الخامسة: الدين لا يمنع من زكاة التجارة ، ولو لم يكن للمالك وفاء إلا منه ، وكذا القول في زكاة المال، لأنها تتعلق بالعين.
ثم يلحق بهذا الفصل مسألتان:
الأولى: العقار المتخذة للنماء، ويستحب الزكاة في حاصله، ولو بلغ نصاباً وحال عليه الحول وجبت الزكاة. ولا تستحب في المساكن ولا في الثياب ولا الآلات ولا الأمتعة المتخذة للقنية.
الثانية: الخيل إذا كانت إناثاً سائمة وحال عليها الحول، ففي العتاق عن كل فرس ديناران، وفي البراذين عن كل فرس دينار استحباباً.
النظر الثالث : في من تصرف إليه ووقت التسليم والنية
القول: في من تصرف إليه
ويحصره أقسام:
الأول: أصناف المستحقين للزكاة، ثمانية:
الفقراء والمساكين: والفقير هو الذي يملك مؤنة لا تكفيه، والمسكين الذي لا يملك مؤنة. ومن يقدر على اكتساب ما يمون به نفسه وعياله لا يحل له أخذها، لأنه كالغني، وكذا ذو الصنعة. ولو قصرت عن كفايته جاز أن يتناولها، ويعطى ما يتم به كفايته، وليس ذلك شرطاً. ومن هذا الباب تحل لصاحب الثلاثمائة، وتحرم على صاحب الخمسين، اعتباراً بعجز الأول عن تحصيل الكفاية وتمكن الثاني. ويعطى الفقير ولو كان له دار يسكنها، أو خادم يخدمه إذا كان لا غناء له عنهما، أي مضطر للخادم كالمعاق لا بعنوان الشأنية التي ابتدعها عبيد الشهوات.
ولو ادعى الفقر، فإن عرف صدقه أو كذبه عومل بما عرف منه، وإن جهل الأمران أعطي من غير يمين، سواء كان قوياً أو ضعيفاً، وكذا لو كان له أصل مال وادعى تلفه.
ولا يجب إعلام الفقير أن المدفوع إليه زكاة، ولو كان ممن يترفع عنها وهو مستحق جاز صرفها إليه على وجه الصلة. ولو دفعها إليه على أنه فقير فبان غنياً ارتجعت مع التمكن، وإن تعذر كانت ثابتة في ذمة الآخذ. ولا يلزم الدافع ضمانها سواء كان الدافع المالك، أو الإمام، أو الساعي. وكذا لو بان أن المدفوع إليه كافر أو فاسق، أو ممن تجب عليه نفقته، أو هاشمي وكان الدافع من غير قبيلة.
والعاملون: وهم عمال الصدقات، ويجب أن تستكمل فيهم أربع صفات: التكليف، والإيمان، والعدالة، والفقه. ولو اقتصر على ما يحتاج إليه منه - أي الفقه - جاز، وأن لا يكون هاشمياً وإلا اقتصر على إعطائه من زكاة الهاشمي. ولا اعتبار بالحرية. والإمام بالخيار بين أن يقرر له جعالة مقدرة، أو أجرة عن مدة مقررة.
والمؤلفة قلوبهم: وهم الكفار والمنافقون الذين يستمالون إلى الجهاد.
وفي الرقاب: وهم ثلاثة : المكاتبون، والعبيد الذين تحت الشدة، والعبد يشترى ويعتق وإن لم يكن في شدة، ولكن بشرط عدم المستحق.
وكذا من وجبت عليه كفارة ولم يجد فإنه يعتق عنه، والمكاتب إنما يعطى من هذا السهم إذا لم يكن معه ما يصرفه في كتابته. ولو صرفه في غيره والحال هذه جاز ارتجاعه. ولو دفع إليه من سهم الفقراء لم يرتجع. ولو ادعى أنه كوتب وصدقه مولاه قبل، ولا يحتاج بينة أو حلف.
والغارمون: وهم الذين عليهم الديون في غير معصية ولا يستطيعون قضاءها، فلو كان في معصية لم يقض عنه. نعم، لو تاب صرف إليه من سهم الفقراء، وجاز أن يقضي هو، ولو جهل في ماذا أنفقه لا يمنع.
ولو كان للمالك دين على الفقير جاز أن يقاصه، وكذا لو كان الغارم ميتاً جاز أن يقضي عنه وأن يقاص. وكذا لو كان الدين على من يجب نفقته جاز أن يقضي عنه حياً أو ميتاً وأن يقاص. ولو صرف الغارم ما دُفِعَ إليه من سهم الغارمين في غير القضاء أُرتجع منه، ولو أدعى أن عليه ديناً قُبِلَ منه إذا صدقه الغريم، وكذا لو تجردت دعواه عن التصديق والإنكار.
وفي سبيل الله: وهو الجهاد الهجومي والدفاعي، ويدخل فيه المصالح كبناء القناطر، والحج، ومساعدة الزائرين، وبناء المساجد. والغازي يعطى وإن كان غنياً قدر كفايته على حسب حاله، وإذا غزى لم يرتجع منه، وإن لم يغز استعيد.
وابن السبيل: وهو المنقطع به ولو كان غنياً في بلده، وكذا الضيف. ولابد أن يكون سفرهما مباحاً، فلو كان معصية لم يعط، ويدفع إليه قدر الكفاية إلى بلده، ولو فضل منه شئ أعاده.
القسم الثاني: في أوصاف المستحق
الوصف الأول: الإيمان. فلا يعطى كافراً، ولا معتقداً لغير الحق إلا ما ذكر حال كونهم يستمالون للجهاد، ومع عدم المؤمنين يجوز صرف الفطرة خاصة إلى المستضعف، وتعطى الزكاة
أطفال المؤمنين دون أطفال غيرهم. ولو أعطى مخالف زكاته لأهل نحلته ثم استبصر أعاد.
الوصف الثاني: مجانبة الكبائر، كالخمر والزنا وترك الصلاة، وإذا لم توجد بينة على ذلك فيكفي معرفته حدود الصلاة، وأن يغتسل غسل التوبة، وأن يقسم على أن يجتنب الكبائر.
الوصف الثالث: ألا يكون ممن تجب نفقته على المالك، كالأبوين وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا ، والزوجة، والمملوك. ويجوز دفعها إلى من عدا هؤلاء من الأنساب ولو قربوا كالأخ والعم.
ولو كان من تجب نفقته عاملاً جاز أن يأخذ من الزكاة، وكذا الغازي، والغارم والمكاتب، وابن السبيل، لكن يأخذ هذا ما زاد عن نفقته الأصلية مما يحتاج إليه في سفره كالحمولة.
الوصف الرابع: أن لا يكون هاشمياً. فلو كان كذلك لم تحل له زكاة غيره، ويحل له زكاة مثله في النسب. ولو لم يتمكن الهاشمي من كفايته من الخمس جاز له أن يأخذ من الزكاة ولو من غير هاشمي، ولا يتجاوز قدر الضرورة. ويجوز للهاشمي أن يتناول المندوبة من هاشمي وغيره.
والذين يحرم عليهم الصدقة الواجبة من ولد هاشم خاصة، وهم الآن: أولاد أبي طالب، والعباس، والحارث، وأبي لهب.
القسم الثالث: في المتولي للإخراج
وهم ثلاثة: المالك، والإمام، والعامل.
وللمالك أن يتولى تفريق ما وجب عليه بنفسه وبمن يوكله، والأولى حمل ذلك إلى الإمام. ويتأكد ذلك الاستحباب في الأموال الظاهرة كالمواشي والغلات.
ولو طلبها الإمام وجب صرفها إليه، ولو فرقها المالك والحال هذه لا يجزي. وولي الطفل كالمالك في ولاية الإخراج.
والإمام ينصب عاملاً لقبض الصدقات، ويجب دفعها إليه عند المطالبة، ومطالبته بمنـزلة مطالبة الإمام. ولو قال المالك: أخرجت ما وجب علي قبل قوله، ولا يكلف بينة ولا يميناً.
ولا يجوز للساعي تفريقها إلا بإذن الإمام، فإذا أذن له جاز أن يأخذ نصيبه، ثم يفرق الباقي. والأفضل قسمتها على الأصناف، واختصاص جماعة من كل صنف. ولو صرفها في صنف واحد جاز، ولو خص بها ولو شخصاً واحداً من بعض الأصناف جاز أيضاً.
ولا يجوز أن يعدل بها إلى غير الموجود، ولا إلى غير أهل البلد مع وجود المستحق في البلد، ولا أن يؤخر دفعها مع التمكن، فإن فعل شيئاً من ذلك أثم وضمن.
وكذا كل من كان في يده مال لغيره فطالبه فامتنع، أو أوصى إليه شئ فلم يصرفه فيه، أو دفع إليه ما يوصله إلى غيره. ولو لم يجد المستحق جاز نقلها إلى بلد آخر ولا ضمان عليه مع التلف، إلا أن يكون هناك تفريط. ولو كان ماله في غير بلده فالأفضل صرفها إلى بلد المال، ولو دفع العوض في بلده جاز ، ولو نقل الواجب إلى بلده ضمن إن تلف.
وفي زكاة الفطرة الأفضل أن يؤدي في بلده وإن كان ماله في غيره، لأنها تجب في الذمة، ولو عين زكاة الفطرة من مال غائب عنه ضمن بنقله عن ذلك البلد، مع وجود المستحق فيه.
القسم الرابع : في اللواحق
وفيه مسائل:
الأولى: إذا قبض الإمام أو الساعي الزكاة برئت ذمة المالك ولو تلفت بعد ذلك.
الثانية: إذا لم يجد المالك لها مستحقاً فالأفضل له عزلها، ولو أدركته الوفاة أوصى بها وجوباً.
الثالثة: المملوك الذي يشترى من الزكاة إذا مات ولا وارث له ورثه أرباب الزكاة.
الرابعة: إذا احتاجت الصدقة إلى كيل أو وزن كانت الأجرة على المالك.
الخامسة: إذا اجتمع للفقير سببان أو ما زاد يستحق بهما الزكاة، كالفقر والكتابة والغزو، جاز أن يعطى بحسب كل سبب نصيباً.
السادسة: إذا قبض الإمام الزكاة دعا لصاحبها استحباباً.
السابعة: يكره أن يملك ما أخرجه في الصدقة اختياراً واجبة كانت أو مندوبة، ولا بأس إذا عادت إليه بميراث وما شابهه.
الثامنة: يستحب أن يوسم نعم الصدقة، وفي أقوى موضع منها وأكشفه، كأصول الأذان في الغنم، وأفخاذ الإبل والبقر. ويكتب في الميسم ما أخذت له: زكاة، أو صدقة، أو جزية.
القول: في وقت التسليم
إذا أهل الثاني عشر وجب دفع الزكاة، ولا يجوز التأخير إلا لمانع أو لانتظار من له قبضها. وإذا عزلها جاز تأخيره إلى شهر أو شهرين. والتأخير إن كان لسبب مبيح دام بدوامه ولا يتحدد، وإن كان اقتراحاً لم يجز ويضمن إن تلفت.
ولا يجوز تقديمها قبل وقت الوجوب، فإن آثر ذلك دفع مثلها قرضاً، ولا يكون ذلك زكاة، ولا يصدق عليها اسم التعجيل، فإذا جاء وقت الوجوب احتسبها من الزكاة، كالدين على الفقير، بشرط بقاء القابض على صفة الاستحقاق، وبقاء الوجوب في المال.
ولو كان النصاب يتم بالقرض لم تجب الزكاة، سواء كانت عينه باقية أو تالفة. ولو خرج المستحق عن الوصف استعيدت، وله أن يمنع من إعادة العين ببذل القيمة عند القبض كالقرض. ولو تعذر استعادتها غرم المالك الزكاة من رأس.
ولو كان المستحق على الصفات وحصلت شرائط الوجوب جاز أن يستعيدها ويعطي عوضها لأنها لم تتعين، ويجوز أن يعدل بها عمن دفعت إليه أيضاً.
فروع ثلاثة:
الأول: لو دفع إليه شاة فزادت زيادة متصلة كالسمن لم يكن له استعادة العين مع ارتفاع الفقر، وللفقير بذل القيمة. وكذا لو كانت الزيادة منفصلة كالولد، لكن لو دفع الشاة لم يجب عليه دفع الولد.
الثاني: لو نقصت يردها ولا شئ على الفقير.
الثالث: إذا استغنى بعين المال ثم حال الحول جاز احتسابه عليه، ولا يكلف المالك أخذه وإعادته، وإن استغنى بغيره استعيد القرض.
القول: في النية
والمراعى نية الدافع إن كان مالكاً، وإن كان ساعياً أو الإمام أو وكيلاً جاز أن يتولى النية كل واحد من الدافع والمالك. والولي عن الطفل والمجنون يتولى النية، أو من له أن يقبض منه كالإمام والساعي. وتتعين عند الدفع، وحقيقتها: القصد إلى القربة، والوجوب أو الندب، وكونها زكاة مال أو فطرة. ولا يفتقر إلى نية الجنس الذي يخرج منه.
فروع:
لو كان له مالان متساويان حاضر وغائب فأخرج زكاة ونواها عن أحدهما أجزأته ، وكذا لو قال : إن كان مالي الغائب سالماً .
ولو أخرج عن ماله الغائب إن كان سالماً ، ثم بان تالفاً جاز نقلها إلى غيره .
ولو نوى على مال يرجو وصوله إليه لم يجز ولو وصل ، ولو لم ينو رب المال ونوى الساعي أو الإمام عند التسليم جاز وإن كان الساعي أخذها كرهاً أو طوعاً .
* * *

القسم الثاني : في زكاة الفطرة
وأركانها أربعة :
الأول: في من تجب عليه
تجب الفطرة بشروط ثلاثة:
الأول: التكليف، فلا تجب على الصبي، ولا على المجنون، ولا على من أهل شوال وهو مغمى عليه.
الثاني: الحرية، فلا يجب على المملوك، ولا على المدبر، ولا على أم الولد، ولا على المكاتب المشروط، ولا المطلق الذي لم يتحرر منه شئ. ولو تحرر منه شئ وجبت عليه بالنسبة، ولو عاله المولى وجبت عليه دون المملوك.
الثالث: الغنى، فلا تجب على الفقير وهو الذي لا يملك قوته وقوت عياله، ولا يقدر على توفير قوته وقوت عياله كله.
ويستحب للفقير إخراجها، وأقل ذلك أن يدير صاعاً على عياله ثم يتصدق به. ومع الشروط يخرجها عن نفسه وعن جميع من يعوله، فرضاً أو نفلاً، من زوجة وولد وما شاكلهما، وضيف وما شابهه، صغيراً كان أو كبيراً، حراً أو عبداً، مسلماً أو كافراً.
والنية معتبرة في أدائها، فلا يصح إخراجها من الكافر وإن وجبت عليه، ولو أسلم سقطت عنه.
مسائل ثلاث:
الأولى: من بلغ قبل الهلال، أو أسلم، أو زال جنونه، أو ملك ما يصير به غنياً وجبت عليه. ولو كان بعد ذلك ما لم يصل العيد استحبت، وكذا التفصيل لو ملك مملوكاً أو ولد له.
الثانية: الزوجة والمملوك تجب الزكاة عنهما ولو لم يكونا في عياله إذا لم يعلهما غيره.
الثالثة: كل من وجبت زكاته على غيره سقطت عن نفسه وإن كان لو انفرد وجبت عليه، كالضيف الغني والزوجة.
فروع:
الأول: إن كان له مملوك غائب يعرف حياته، فإن كان يعول نفسه، أو في عيال مولاه وجبت على المولى، وإن عاله غيره وجبت الزكاة على العائل.
الثاني: إذا كان العبد بين شريكين فالزكاة عليهما، فإن عاله أحدهما فالزكاة على العائل.
الثالث: لو مات المولى وعليه دين، فإن كان بعد الهلال وجبت زكاة مملوكه في ماله، وإن ضاقت التركة قسمت على الدين والفطرة بالحصص، وإن مات قبل الهلال لم تجب على أحد إلا بتقدير أن يعوله.
الرابع: إذا أوصي له بعبد ثم مات الموصي، فإن قبل الوصية قبل الهلال وجبت عليه، وإن قبل بعده سقطت ولا تجب على الورثة. ولو وهب له ولم يقبض لم تجب الزكاة على الموهوب له، ولو مات الواهب كانت على الورثة.
الثاني: في جنسها
والضابط: إخراج ما كان قوتاً غالباً كالحنطة والشعير ودقيقهما وخبزهما، والتمر والزبيب والأرز واللبن والأقط.
ومن غير ذلك يخرج بالقيمة السوقية، والأفضل إخراج التمر ثم الزبيب، ويليه أن يخرج كل إنسان ما يغلب على قوته.
والفطرة: من جميع الأقوات المذكورة صاع، والصاع أربعة أمداد، والمد ثلاثة أرباع الكيلو غرام، والصاع ثلاث كيلوغرامات.
الثالث: في وقتها
وتجب بهلال شوال، ولا يجوز تقديمها قبله إلا على سبيل القرض. ويجوز إخراجها بعده، وتأخيرها إلى قبل صلاة العيد أفضل. فإن خرج وقت الصلاة - ووقتها إلى الزوال - وقد عزلها أخرجها واجباً بنية الأداء، وإن لم يكن عزلها عصى ويأتي بها أداءً. وإذا أخر دفعها بعد العزل مع الإمكان كان ضامناً، وإن كان لا معه لم يضمن.
ولا يجوز حملها إلى بلد آخر مع وجود المستحق ويضمن، ويجوز مع عدمه ولا يضمن.
الرابع: في مصرفها
وهو مصرف زكاة المال، ويجوز أن يتولى المالك إخراجها، والأفضل دفعها إلى الإمام أو من نصبه. ولا يعطى غير المؤمن أو المستضعف مع عدمه، ويعطى أطفال المؤمنين ولو كان آباؤهم فساقاً. ولا يعطى الفقير أقل من صاع، إلا أن يجتمع جماعة لا يتسع لهم . ويجوز أن يعطي الواحد ما يغنيه دفعة.
ويستحب: اختصاص ذوي القرابة بها، ثم الجيران.
* * *
كتاب الخمس
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في ما يجب فيه
وهو سبعة:
الأول: غنائم دار الحرب مما حواه العسكر وما لم يحوه من أرض وغيرها، ما لم يكن غصباً من مسلم أو معاهد، قليلاً كان أو كثيراً.
الثاني: المعادن سواء كانت منطبعة كالذهب والفضة والرصاص، أو غير منطبعة كالياقوت والزبرجد والكحل، أو مائعة كالقير والنفط والكبريت. ويجب فيه الخمس بعد المؤونة.
الثالث: الكنوز، وهو كل مال مذخور تحت الأرض، فإن بلغ عشرين ديناراً وكان في أرض دار الحرب، أو دار الإسلام، وليس عليه أثره وجب عليه الخمس. ولو وجده في ملك مبتاع عرفه البائع، فإن عرفه فهو أحق به، وإن جهله فهو للمشتري وعليه الخمس. وكذا لو اشترى دابة ووجد في جوفها شيئاً له قيمة، ولو ابتاع سمكة فوجد في جوفها شيئا أخرج خمسه وكان له الباقي، ولا يعرف.
تفريع:
إذا وجد كنزاً في أرض موات من دار الإسلام وعليه أثر الإسلام فهو للإمام، ولمن أخرجه مؤنة الإخراج وأجر الإخراج. ولو وجده في ملك مبتاع عرفه البائع، فإن عرفه فهو أحق به، وإن جهله فهو للإمام.
الرابع: كل ما يخرج من البحر بالغوص كالجواهر والدرر بشرط أن يبلغ قيمته ديناراً فصاعداً، ولو أخذ منه شئ من غير غوص يجب الخمس فيه ، كما لو أخرج بالآلة.
تفريع: العنبر إن أخرج بالغوص روعي فيه مقدار دينار، وإن جني من وجه الماء أو من الساحل كان له حكم المعادن.
الخامس: ما يفضل عن مؤونة السنة له ولعياله من أرباح التجارات والصناعات والزراعات
السادس: إذا اشترى الذمي أرضاً من مسلم وجب فيها الخمس على الذمي، سواء كانت مما وجب فيه الخمس كالأرض المفتوحة عنوة، أو ليس فيه كالأرض التي أسلم عليها أهلها.
السابع: الحلال إذا اختلط بالحرام ولا يتميز وجب فيه الخمس.
فروع:
الأول: الخمس يجب في الكنز سواء كان الواجد له حراً أو عبداً، صغيراً أو كبيراً وكذا المعادن والغوص.
الثاني: لا يعتبر الحول في شئ من الخمس، ولكن يؤخر ما يجب في أرباح التجارات احتياطاً للمكتسب.
الثالث: إذا اختلف المالك والمستأجر في الكنز، فإن اختلفا في ملكه فالقول قول المؤجر مع يمينه، وإن اختلفا في قدره فالقول قول المستأجر.
الرابع: الخمس يجب بعد المؤنة التي يفتقر إليها إخراج الكنز والمعدن من حفر وسبك وغيره.
الفصل الثاني: في قسمته
يقسم ستة أقسام:
ثلاثة للنبي (ص) وهي: سهم الله، وسهم رسوله، وسهم ذي القربى وهو الإمام (ع)، وبعده للإمام القائم مقامه. وما كان قبضه النبي (ص) أو الإمام ينتقل إلى وارثه.
وثلاثة: للأيتام، والمساكين، وأبناء السبيل. ويعتبر في الطوائف الثلاث انتسابهم إلى عبد المطلب بالأبوة، فلو انتسبوا بالأم خاصة لم يعطوا من الخمس شيئاً. ولا يجب استيعاب كل طائفة، بل لو اقتصر من كل طائفة على واحد جاز.
وهنا مسائل :
الأولى: مستحق الخمس، وهو المؤمن من ولد عبد المطلب، وهم: بنو أبي طالب والعباس والحارث وأبي لهب، الذكر والأنثى، ويقدم بنو أبي طالب، ويقدم منهم بنو علي وفاطمة عليهما السلام، ويقدم منهم بنو محمد بن الحسن الإمام المهدي (ع).
الثانية: ويجوز أن يخص بالخمس طائفة.
الثالثة: يقسم الإمام على الطوائف الثلاث قدر الكفاية مقتصداً، فإن فضل كان له، وإن أعوز أتم من نصيبه.
الرابعة: ابن السبيل لا يعتبر فيه الفقر، بل الحاجة في بلد التسليم ولو كان غنياً في بلده، ويراعى ذلك في اليتيم.
الخامسة: لا يحل حمل الخمس إلى غير بلده مع وجود المستحق، ولو حمل والحال هذه وتلف ضمن، ويجوز مع عدمه.
السادسة: الإيمان معتبر في المستحق، والعدالة لا تعتبر.
ويلحق بذلك الأنفال، وهي: ما يستحقه الإمام من الأموال على جهة الخصوص كما كان للنبي (ص)، وهي خمسة: الأرض التي تملك من غير قتال سواء انجلى أهلها أو سلموها طوعاً، والأرضون الموات سواء ملكت ثم باد أهلها أو لم يجر عليها ملك كالمفاوز، وسيف البحار، ورؤس الجبال وما يكون بها، وكذا بطون الأودية والآجام (الأهوار).
وإذا فتحت دار الحرب، فما كان لسلطانهم من قطائع وصفايا فهي للإمام إذا لم تكن مغصوبة من مسلم أو معاهد، وكذا له أن يصطفي من الغنيمة ما شاء من فرس أو ثوب أو جارية أو غير ذلك، وما يغنمه المقاتلون بغير أذنه فهو له (ع).
ولا يجوز التصرف في الأنفال بغير إذنه، ولو تصرف متصرف كان غاصباً، ولو حصل له فائدة كانت للإمام.
* * *

كتاب الحج
وهو يعتمد على ثلاثة أركان:
الأول : في المقدمات
وهي أربع:
المقدمة الأولى:
الحج وإن كان في اللغة القصد، فقد صار في الشرع اسماً لمجموع المناسك المؤداة في المشاعر المخصوصة، وهو فرض على كل من اجتمعت فيه الشرائط الآتية من الرجال والنساء والخناثى.
ولا يجب بأصل الشرع إلا مرة واحدة وهي حجة الإسلام، وتجب على الفور، والتأخير مع الشرائط كبيرة موبقة.
وقد يجب الحج بالنذر وما في معناه، وبالافساد، وبالاستيجار للنيابة، ويتكرر بتكرر السبب، وما خرج عن ذلك مستحب.
ويستحب لفاقد الشروط كمن عدم الزاد والراحلة إذا تسكع سواء شق عليه السعي أو سهل، وكالمملوك إذا أذن له مولاه.
المقدمة الثانية : في الشرائط
والنظر في: حجة الإسلام، وما يجب بالنذر، وما في معناه، وفي أحكام النيابة.
القول: في حجة الإسلام
وشرائط وجوبها خمسة:
الأول: البلوغ وكمال العقل، فلا يجب على الصبي، ولا على المجنون.
ولو حج الصبي أو حج عنه أو عن المجنون، لم يجز عن حجة السلام. ولو دخل الصبي المميز والمجنون في الحج ندباً، ثم كمل كل واحد منهما وأدرك المشعر أجزأ عن حجة الإسلام. ويصح إحرام الصبي المميز وإن لم يجب عليه، ويصح أن يحرم عن غير المميز وليه ندباً، وكذا المجنون.
والولي: هو من له ولاية المال كالأب، والجد للأب، والوصي. وللأم ولاية الإحرام بالطفل، ونفقته الزائدة تلزم الولي دون الطفل.
الثاني: الحرية، فلا يجب على المملوك ولو أذن له مولاه، ولو تكلفه بإذنه صح حجه، ولكن لا يجزيه عن حجة الإسلام، فإن أدرك الوقوف بالمشعر معتقاً أجزأه. ولو أفسد حجه ثم أعتق مضى في الفاسد وعليه بدنة وقضاه، وأجزأ عن حجة الإسلام. وإن أعتق بعد فوات الموقفين وجب عليه القضاء، وأجزاه عن حجة الإسلام.
الثالث: الزاد والراحلة، وهما يعتبران فيمن يفتقر إلى قطع المسافة، ولا تباع ثياب وآلات مهنته، ولا خادمه، ولا دار سكناه للحج.
والمراد بالزاد: قدر الكفاية من القوت والمشروب ذهاباً وعوداً، وبالراحلة: راحلة مثله. ويجب شراؤهما أو يكون معه ثمن الزاد، ويؤجر الراحلة ولو كثر الثمن مع وجوده.
ولو كان له دين وهو قادر على اقتضائه وجب عليه، فإن منع منه وليس له سواه سقط الفرض. ولو كان له مال وعليه دين بقدره لم يجب، إلا أن يفضل عن دينه ما يقوم بالحج. ولا يجب الاقتراض للحج، إلا أن يكون له مال بقدر ما يحتاج إليه زيادة عما استثناه.
ولو كان معه قدر ما يحج به فنازعته نفسه إلى النكاح لم يجز صرفه في النكاح وإن شق تركه وكان عليه الحج. ولو بذل له زاد وراحلة ونفقة له ولعياله وجب عليه، ولو وهب له مال لم يجب عليه قبوله.
ولو استؤجر للمعونة على السفر وشرط له الزاد والراحلة أو بعضه، وكان بيده الباقي مع نفقة أهله وجب عليه، وأجزأه عن الفرض إذا حج عن نفسه.
ولو كان عاجزاً عن الحج فحج عن غيره لم يجزه عن فرضه، وكان عليه الحج إن وجد الاستطاعة.
الرابع: أن يكون له ما يمون عياله حتى يرجع فاضلاً عما يحتاج إليه، ولو قصر ماله عن ذلك لم يجب عليه.
ولو حج عنه من يطيق الحج لم يسقط عنه فرضه، سواء كان واجد الزاد والراحلة أو فاقدهما. ولو تكلف الحج مع عدم الاستطاعة يجزيه، ولا يجب على الولد بذل ماله لوالده في الحج.
الخامس: إمكان المسير، وهو يشتمل على: الصحة، وتخلية السرب، والاستمساك على الراحلة، وسعة الوقت لقطع المسافة.
فلو كان مريضاً بحيث يتضرر بالركوب لم يجب، ولا يسقط باعتبار المرض مع إمكان الركوب. ولو منعه عدو، أو كان معضوباً لا يستمسك على الراحلة، أو عدم المرافق مع اضطراره إليه سقط الفرض.
ويجب الاستنابة مع المانع من مرض أو عدو، فإن حج نائباً واستمر المانع فلا قضاء، وإن زال وتمكن استحب له ببدنه. ولو مات بعد الاستقرار ولم يؤد قضي عنه. ولو كان لا يستمسك خلقة يسقط الفرض عن نفسه وماله. ولو احتاج في سفره إلى حركة عنيفة للالتحاق أو الفرار فضعف سقط الوجوب في عامه، وتوقع المكنة في المستقبل. ولو مات قبل التمكن والحال هذه لم يقض عنه.
ويسقط فرض الحج لعدم ما يضطر إليه من الآلات كأوعية الماء وأوعية الزاد. ولو كان له طريقان فمنع من إحداهما سلك الأخرى، سواء كانت أبعد أو أقرب. ولو كان في الطريق عدو لا يندفع إلا بمال يجب التحمل مع المكنة. ولو بذل له باذل وجب عليه الحج لزوال المانع، نعم لو قال له: أقبل وادفع أنت لم يجب.
وطريق البحر كطريق البر، فإن غلب ظن السلامة، وإلا سقط. ولو أمكن الوصول بالبر والبحر، فإن تساويا في غلبة السلامة كان مخيراً، وإن اختص أحدهما تعين، ولو تساويا في رجحان العطب سقط الفرض.
ومن مات بعد الإحرام ودخول الحرم برأت ذمته، وإن كان قبل ذلك قضيت عنه إن كانت مستقرة، وسقطت إن لم تكن كذلك. ويستقر الحج في الذمة إذا استكملت الشرائط وأهمل.
والكافر يجب عليه الحج ولا يصح منه، فلو أحرم ثم أسلم أعاد الإحرام، وإذا لم يتمكن من العود إلى الميقات أحرم من موضعه. ولو أحرم بالحج وأدرك الوقوف بالمشعر لم يجزه إلا أن يستأنف إحراماً آخر، وإن ضاق الوقت أحرم ولو بعرفات.
ولو حج المسلم ثم ارتد لم يعد. ولو لم يكن مستطيعاً فصار كذلك في حال ردته وجب عليه الحج وصح منه إذا تاب. ولو أحرم مسلماً ثم ارتد ثم تاب لم يبطل إحرامه.
ولا يشترط في وجوب الحج الرجوع إلى الكفاية من صناعة أو مال أو حرفة. وإذا اجتمعت الشرائط فحج متسكعاً، أو حج ماشياً، أو حج في نفقة غيره أجزأه عن الفرض.
ومن وجب عليه الحج فالمشي أفضل له من الركوب إذا لم يضعفه، ومع الضعف الركوب أفضل.
مسائل أربع:
الأولى: إذا استقر الحج في ذمته ثم مات قضي عنه من أصل تركته، فإن كان عليه دين وضاقت التركة قسمت على الدين وعلى أجرة المثل بالحصص.
الثانية: يقضي الحج من أقرب الأماكن.
الثالثة: من وجب عليه حجة الإسلام لا يحج عن غيره لا فرضاً ولا تطوعاً، وكذا من وجب عليه بنذر أو إفساد.
الرابعة: لا يشترط وجود المحرم في النساء، بل يكفي غلبة ظنها بالسلامة، ولا يصح حجها تطوعاً إلا بأذن زوجها، ولها ذلك في الواجب كيف كان، وكذا لو كانت في عدة رجعية، وفي البائنة لها المبادرة من دون إذنه.
القول: في شرائط ما يجب بالنذر واليمين والعهد
وشرائطها اثنان:
الأول: كمال العقل، فلا ينعقد نذر الصبي، ولا المجنون.
الثاني: الحرية فلا يصح نذر العبد إلا بإذن مولاه، ولو أذن له في النذر فنذر وجب وجاز له المبادرة ولو نهاه، وكذا الحكم في ذات البعل.
مسائل ثلاث:
الأولى: إذا نذر الحج مطلقاً فمنعه مانع أخره حتى يزول المانع، ولو تمكن من أدائه ثم مات قضي عنه من أصل تركته. ولا يقضي عنه قبل التمكن، فإن عين الوقت فأخل به مع القدرة قضي عنه، وإن منعه عارض لمرض أو عدو حتى مات لم يجب قضاؤه عنه. ولو نذر الحج أو أفسد حجه وهو معضوب لم يجب أن يستنيب.
الثانية: إذا نذر الحج، فإن نوى حجة الاسلام تداخلا وتجزي أحدهما عن الأخرى، وإن نوى غيرها لم يتداخلا. وكذا إن أطلق، ولا تجزي إحداهما عن الأخرى.
الثالثة: إذا نذر الحج ماشياً وجب أن يقوم في مواضع العبور، فإن ركب طريقه قضى، وإن ركب بعضاً كفى، ولو عجز يركب.
القول: في النيابة
وشرائط النائب ثلاثة: الإسلام، وكمال العقل، وأن لا يكون عليه حج واجب فلا تصح نيابة الكافر لعجزه عن نية القربة، ولا نيابة المسلم عن الكافر، ولا عن المسلم المخالف إلا أن يكون أباً للنائب، ولا نيابة المجنون لانغمار عقله بالمرض المانع من القصد، وكذا الصبي غير المميز، ويصح نيابة المميز.
ولابد من نية النيابة وتعيين المنوب عنه بالقصد، وتصح نيابة المملوك بإذن مولاه. ولا تصح نيابة من وجب عليه الحج واستقر إلا مع العجز عن الحج ولو مشياً، وكذا لا يصح حجه تطوعاً، ولو حج عن غيره لم يجز عن أحدهما.
ويجوز لمن حج أن يعتمر عن غيره إذا لم تجب عليه العمرة، وكذا لمن اعتمر أن يحج عن غيره إذا لم يجب عليه الحج. وتصح نيابة من لم يستكمل الشرائط وإن كان حجه صرورة.
ويجوز أن تحج المرأة عن الرجل وعن المرأة، ومن استؤجر فمات في الطريق فإن أحرم ودخل الحرم فقد أجزأت عمن حج عنه، ولو مات قبل ذلك لم يجز، وعليه أن يعيد من الأجرة ما قابل المتخلف من الطريق ذاهباً وعائداً. ويجب أن يأتي بما شرط عليه من تمتع، أو قران، أو إفراد.
ولو شرط الحج على طريق معين لم يجز العدول إن تعلق بذلك غرض، وإذا استؤجر بحجة لم يجز أن يؤجر نفسه لأخرى حتى يأتي بالأولى. ولو صد قبل الإحرام ودخول الحرم استعيد من الأجرة بنسبة المتخلف، ولو ضمن الحج في المستقبل لم يلزم إجابته. وإذا استؤجر فقصرت الأجرة لم يلزم الإتمام، وكذا لو فضلت عن النفقة لم يرجع المستأجر عليه بالفاضل.
ولا يجوز النيابة في الطواف الواجب للحاضر إلا مع العذر كالإغماء والبطن وما شابههما، ويجب أن يتولى ذلك بنفسه. ولو حمله حامل فطاف به أمكن أن يحتسب لكل منهما طوافه عن نفسه. ولو تبرع إنسان بالحج عن غيره بعد موته برأت ذمته.
وكل ما يلزم النائب من كفارة ففي ماله، ولو أفسده حج من قابل، ولا يعاد بالأجرة عليه. وإذا أطلق الإجارة اقتضى التعجيل ما لم يشترط الأجل. ولا يصح أن ينوب عن اثنين في عام. ولو استأجراه لعام صح الأسبق، ولو اقترن العقدان وزمان الإيقاع بطلا. وإذا أحصر تحلل بالهدي ويطاف عنه طواف النساء، ولا قضاء عليه.
ومن وجب عليه حجان مختلفان كحجة الإسلام والنذر، فمنعه عارض جاز أن يستأجر أجيرين لهما في عام واحد.
ويستحب أن يذكر النائب من ينوب عنه باسمه في المواطن كلها، وعند كل فعل من أفعال الحج والعمرة، وأن يعيد ما يفضل معه من الأجرة بعد حجه، وأن يعيد المخالف حجه إذا استبصر. ويكره أن تنوب المرأة إذا كانت صرورة.
مسائل ثمان:
الأولى: إذا أوصى أن يحج عنه ولم يعين الأجرة انصرف ذلك إلى أجرة المثل، وتخرج من الأصل إذا كانت واجبة، ومن الثلث إذا كانت ندباً. ويستحقها الأجير بالعقد، فإن خالف ما شرط له أجرة المثل.
الثانية: من أوصى أن يحج عنه ولم يعين المرات، فإن لم يعلم منه إرادة التكرار اقتصر على المرة، وإن علم إرادة التكرار حج عنه حتى يستوفي الثلث من تركته.
الثالثة: إذا أوصى الميت أن يحج عنه كل سنة بقدر معين فقصر جمع نصيب سنتين واستؤجر به لسنة، وكذا لو قصر ذلك أضيف إليه من نصيب الثالثة.
الرابعة: لو كان عند إنسان وديعة ومات صاحبها وعليه حجة الإسلام، وعلم أن الورثة لا يؤدون ذلك جاز أن يقتطع قدر أجرة الحج فيستأجر به، لأنه خارج عن ملك الورثة.
الخامسة: إذا عقد الإحرام عن المستأجر عنه ثم نقل النية إلى نفسه لم يصح، فإذا أكمل الحجة لم تقع عن المستأجر عنه ولا يستحق الأجرة ولا تجزي عن أحدهما.
السادسة: إذا أوصى أن يحج عنه وعين المبلغ، فإذا كان بقدر ثلث التركة أو أقل صح واجباً كان أو مندوباً، وإن كان أزيد وكان واجباً ولم يجز الورثة كان أجرة المثل من أصل المال، والزائد من الثلث. وإن كان ندباً حج عنه من بلده إن احتمل الثلث، وإن قصر حج عنه من بعض الطريق، وإن قصر عن الحج حتى لا يرغب فيه أجير صرف في وجوه البر.
السابعة: إذا أوصى في حج واجب وغيره قدم الواجب ، فإن كان الكل واجباً وقصرت التركة قسمت على الجميع بالحصص .
الثامنة: من عليه حجة الإسلام ونذر أخرى، ثم مات بعد الاستقرار أخرجت حجة الإسلام من الأصل، والمنذورة من الثلث. ولو ضاق المال إلا عن حجة الإسلام اقتصر عليها، ويستحب أن يحج عنه النذر.
المقدمة الثالثة: في أقسام الحج
وهي ثلاثة: تمتع، وقران، وأفراد.
حج التمتع:
فصورته: أن يحرم من الميقات بالعمرة المتمتع بها، ثم يدخل بها مكة فيطوف سبعاً بالبيت، ويصلي ركعتيه بالمقام، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعاً ، ويقصر.
ثم ينشئ إحراماً للحج من مكة يوم التروية على الأفضل، وإلا بقدر ما يعلم أنه يدرك الوقوف، ثم يأتي عرفات فيقف بها إلى الغروب، ثم يفيض إلى المشعر فيقف به بعد طلوع الفجر، ثم يفيض إلى منى فيحلق بها يوم النحر ، ويذبح هديه، ويرمي جمرة العقبة.
ثم إن شاء أتى مكة ليومه أو لغده، فطاف طواف الحج وصلى ركعتيه، وسعى سعيه، وطاف طواف النساء، وصلى ركعتيه، ثم عاد إلى منى ليرمي ما تخلف عليه من الجمار. وإن شاء أقام بمنى حتى يرمي جماره الثلاث يوم الحادي عشر، ومثله يوم الثاني عشر، ثم ينفر بعد الزوال. وإن أقام إلى النفر الثاني جاز أيضاً، وعاد إلى مكة للطوافين والسعي.
وهذا القسم فرض من كان بين منزله وبين مكة (22 كيلومتر) فما زاد من كل جانب، فإن عدل هؤلاء إلى القران أو الأفراد في حجة الإسلام اختياراً لم يجز ويجوز مع الاضطرار.
وشروطه أربعة: النية، ووقوعه في أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة. وضابط وقت الإنشاء ما يعلم أنه يدرك المناسك، وأن يأتي بالحج والعمرة في سنة واحدة، وأن يحرم بالحج له من بطن مكة، وأفضله المسجد وأفضله المقام، ثم تحت الميزاب.
ولو أحرم بالعمرة المتمتع بها في غير أشهر الحج لم يجز التمتع بها إلى الحج، وكذا لو فعل بعضها في أشهر الحج، ولم يلزمه الهدي.
والإحرام من الميقات مع الاختيار، ولو أحرم بحج التمتع من غير مكة لم يجزه. ولو دخل مكة بإحرامه وجب استئنافه منها ، ولو تعذر ذلك يستأنفه حيث أمكن - ولو بعرفة - إن لم يتعمد ذلك، ويسقط الدم (كفارة ترك الإحرام من مكة) والحال هذه.
ولا يجوز للمتمتع الخروج من مكة حتى يأتي بالحج، لأنه صار مرتبطاً به، إلا على وجه لا يفتقر إلى تجديد عمرة (أي يخرج محرم ويعود كذلك، أو يخرج غير محرم ويعود قبل شهر)، ولو جدد عمرة تمتع بالأخيرة إلى الحج.
ولو دخل بعمرته إلى مكة وخشي ضيق الوقت جاز له نقل النية إلى الأفراد وكان عليه عمرة مفردة، وكذا الحائض والنفساء إن منعهما عذرهما عن التحلل وإنشاء الإحرام بالحج، لضيق الوقت عن التربص. ولو تجدد العذر وقد طافت أربعاً صحت متعتها، وأتت بالسعي وبقية المناسك، وقضت بعد طهرها ما بقي من طوافها، وإذا صح التمتع سقطت العمرة المفردة.
حج الإفراد والقران:
وصورة الإفراد: أن يحرم من الميقات أو من حيث يسوغ له الإحرام بالحج، ثم يمضي إلى عرفات فيقف بها، ثم يمضي إلى المشعر فيقف به، ثم إلى منى فيقضي مناسكه بها، ثم يطوف بالبيت ويصلي ركعتيه، ويسعى بين الصفا والمروة، ويطوف طواف النساء ويصلي ركعتيه.
وعليه عمرة مفردة بعد الحج والإحلال منه، ثم يأتي بها من أدنى الحل، ويجوز وقوعها في غير أشهر الحج، ولو أحرم بها من دون ذلك ثم خرج إلى أدنى الحل لم يجزه الإحرام الأول، وافتقر إلى استئنافه.
وهذا القسم والقران فرض أهل مكة ومن بينه وبينها دون (22 كيلومتر) من كل جانب. وإن عدل هؤلاء إلى التمتع اضطراراً أو اختياراً جاز ولا يلزمهم هدي.
وشروطه ثلاثة: النية، وأن يقع في أشهر الحج، وأن يعقد إحرامه من ميقاته، أو من دويرة أهله إن كان منزله دون الميقات.
وأفعال القارن وشروطه كالمفرد غير أنه يتميز عنه بسياق الهدي عند إحرامه. وإذا لبى استحب له إشعار ما يسوقه من البدن، وهو أن يشق سنامه من الجانب الأيمن ويلطخ صفحته بدمه. وإن كان معه بدن دخل بينها، وأشهرها يميناً وشمالاً.
والتقليد: أن يعلق في رقبة المسوق نعلاً قد صلى فيه، والإشعار والتقليد للبدن، ويختص البقر والغنم بالتقليد.
ولو دخل القارن أو المفرد مكة وأراد الطواف جاز، لكن يجددان التلبية عقيب صلاة الطواف. ويجوز للمفرد إذا دخل مكة أن يعدل إلى التمتع، ولا يجوز ذلك للقارن. والمكي إذا بعد عن أهله وحج حجة الإسلام على ميقات أحرم منه وجوباً.
ولو أقام من فرضه التمتع بمكة سنة أو سنتين لم ينقل فرضه، وكان عليه الخروج إلى الميقات إذا أراد حجة الإسلام. ولو لم يتمكن من ذلك خرج إلى خارج الحرم، فإن تعذر أحرم من موضعه، فإن دخل في الثالثة مقيماً ثم حج انتقل فرضه إلى القران أو الأفراد. ولو كان له منزلان بمكة وغيرها من البلاد سكنها أكثر من ستة أشهر كان له الحج بأي الأنواع شاء.
ويسقط الهدي عن القارن والمفرد وجوباً، ولا يسقط التضحية استحباباً. ولا يجوز القران بين الحج والعمرة بنية واحدة، ولا إدخال أحدهما على الآخر، ولا بنية حجتين ولا عمرتين على سنة واحدة.
المقدمة الرابعة : في المواقيت
والكلام في: أقسامها، وأحكامها.
المواقيت ستة:
لأهل العراق: العقيق، وأفضله المسلخ، ويليه غمرة، وآخره ذات عرق.
ولأهل المدينة: اختياراً مسجد الشجرة ، وعند الضرورة الجحفة.
ولأهل الشام: الجحفة.
ولأهل المدينة: يلملم.
ولأهل الطائف: قرن المنازل.
وميقات من منزله أقرب من الميقات : منزله.
وكل من حج على ميقات لزمه الإحرام منه. ولو حج على طريق لا يفضي إلى أحد المواقيت يحـرم إذا غلب على ظنه محاذاة أقرب المواقيت إلى مكـة، وكذا من حج في البحر.
والحج والعمرة يتساويان في ذلك. وتجرد الصبيان من فخ.
وأما أحكامها، ففيه مسائل:
الأولى: من أحرم قبل هذه المواقيت لم ينعقد إحرامه، إلا لناذر بشرط أن يقع إحرام الحج في أشهره، أو لمن أراد العمرة المفردة في رجب وخشي تقضيه.
الثانية: إذا أحرم قبل الميقات لم ينعقد إحرامه، ولا يكفي مروره فيه ما لم يجدد الإحرام من رأس. ولو أخره عن الميقات لمانع ثم زال المانع عاد إلى الميقات، فإن تعذر جدد الإحرام حيث زال. ولو دخل مكة خرج إلى الميقات، فإن تعذر خرج إلى خارج الحرم، ولو تعذر أحرم من مكة. وكذا لو ترك الإحرام ناسياً أو لم يرد النسك، وكذا المقيم بمكة إذا كان فرضه التمتع. أما لو أخره عامداً لم يصح إحرامه حتى يعود إلى الميقات، ولو تعذر لم يصح إحرامه.
الثالثة: لو نسي الإحرام ولم يذكر حتى أكمل مناسكه يجزيه.
* * *
الركن الثاني : في أفعال الحج
والواجب إثنا عشر: الإحرام، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمشعر، ونزول منى، والرمي، والذبح، والحلق بها أو التقصير، والطواف، وركعتاه، والسعي، وطواف النساء، وركعتاه.
ويستحب أمام التوجه: الصدقة، وصلاة ركعتين، وأن يقف على باب داره ويقرأ فاتحة الكتاب أمامه وعن يمينه وعن يساره وآية الكرسي كذلك، وأن يدعو بكلمات الفرج وبالأدعية المأثورة، وأن يقول إذا جعل رجله في الركاب: بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله والله أكبر، فإذا استوى على راحلته دعا بالدعاء بالمأثور.
القول: في الإحرام
والنظر في: مقدماته، وكيفيته، وأحكامه.
والمقدمات كلها مستحبة، وهي:
توفير شعر رأسه من أول ذي القعدة إذا أراد التمتع، ويتأكد عند هلال ذي الحجة، وأن ينظف جسده، ويقص أظفاره، ويأخذ من شاربه، ويزيل الشعر عن جسده وإبطيه مطلياً، ولو كان قد أطلى أجزاه ما لم يمض خمسة عشر يوماً.
والغسل للإحرام، وإن لم يجد ماء يتيمم له. ولو اغتسل وأكل أو لبس ما لا يجوز للمحرم أكله ولا لبسه أعاد الغسل استحباباً. ويجوز له تقديمه على الميقات إذا خاف عوز الماء فيه، ولو وجده استحب له الإعادة. ويجزي الغسل في أول النهار ليومه، وفي أول الليل لليلته ما لم ينم. ولو أحرم بغير غسل أو صلاة ثم ذكر تدارك ما تركه وأعاد الإحرام.
وأن يحرم عقيب فريضة الظهر أو فريضة غيرها، وإن لم يتفق صلى للإحرام ست ركعات وأقله ركعتان، يقرأ في الأولى: (الحمد) و (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية: (الحمد) و (قل هو الله أحد). ويوقع نافلة الإحرام تبعاً له - ولو كان وقت فريضة - مقدماً للنافلة ما لم تتضيق الحاضرة.
وأما كيفيته:
فيشتمل على واجب ومندوب، فالواجبات ثلاثة:
الأول: النية، وهو أن يقصد بقلبه إلى أمور أربعة: ما يحرم به من حج أو عمرة متقرباً، ونوعه من تمتع أو قران أو إفراد، وصفته من وجوب أو ندب، وما يحرم له من حجة الإسلام أو غيرها. ولو نوى نوعاً ونطق بغيره عمل على نيته، ولو أخل بالنية عمداً أو سهواً لم يصح إحرامه. ولو أحرم بالحج والعمرة وكان في أشهر الحج أو غيرها بطل ولزمه تجديد النية والإحرام. ولو قال: كإحرام فلان وكان عالماً بماذا أحرم صح، وإذا كان جاهلاً بطل إحرامه.
الثاني: التلبيات الأربع، فلا ينعقد الإحرام لمتمع ولا لمفرد إلا بها، أو الإشارة للأخرس مع عقد قلبه بها. والقارن بالخيار إن شاء عقد إحرامه بها، وإن شاء قلد أو اشعر، وبأيهما بدأ كان الآخر مستحباً.
وصورتها أن يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لك، لا شريك لك). ولو عقد نية الإحرام ولبس ثوبيه ثم لم يلب، وفعل ما لا يحل للمحرم فعله لم يلزمه بذلك كفارة إذا كان متمتعاً أو مفرداً، وكذا لو كان قارناً ولم يشعر ولم يقلد.
الثالث: لبس ثوبي الإحرام، وهما واجبان، ولا يجوز الإحرام فيما لا يجوز لبسه في الصلاة. ويجوز الإحرام في الحرير للنساء، ويجوز أن يلبس المحرم أكثر من ثوبين، وأن يبدل ثياب إحرامه، فإذا أراد الطواف فالأفضل أن يطوف فيهما. وإذا لم يكن مع الإنسان ثوبا الإحرام، وكان معه قباء جاز لبسه مقلوباً بأن يجعل ذيله على كتفيه.
وأما أحكامه، فمسائل:
الأولى: لا يجوز لمن احرم أن ينشأ إحراماً آخر حتى يكمل أفعال ما أحرم له، فلو أحرم متمتعاً ودخل مكة وأحرم بالحج قبل التقصير ناسياً لم يكن عليه شئ، وإن فعل ذلك عامداً بطلت عمرته فصارت حجة مبتولة.
الثانية: لو نوى الأفراد ثم دخل مكة جاز أن يطوف ويسعى ويقصر ويجعلها عمرة يتمتع بها.
الثالثة: إذا أحرم الولي بالصبي جرده من فخ، وفعل به ما يجب على المحرم وجنبه ما يجتنبه. ولو فعل الصبي ما يجب به الكفارة لزم ذلك الولي في ماله، وكل ما يعجز عنه الصبي يتولاه الولي من تلبية وطواف وسعي وغير ذلك. ويجب على الولي الهدي من ماله أيضاً. وإذا كان الصبي مميزاً جاز أمره بالصيام عن الهدي، ولو لم يقدر على الصيام صام الولي عنه مع العجز عن الهدي.
الرابعة: إذا اشترط في إحرامه أن يحله حيث حبسه ثم أحصر تحلل، ولا يسقط الهدي. وفائدة الاشتراط جواز التحلل عند الاحصار.
الخامسة: إذا تحلل المحصور لا يسقط الحج عنه في القابل إن كان واجباً، ويسقط إن كان ندباً.
والمندوبات: رفع الصوت بالتلبية للرجال، وتكرارها عند نومه واستيقاظه، وعند علو الآكام ونزول الاهضام، فإن كان حاجاً فإلى يوم عرفة عند الزوال، وإن كان معتمراً بمتعة فإذا شاهد بيوت مكة، وإن كان بعمرة مفردة كان مخيراً في قطع التلبية عند دخول الحرم، أو مشاهد الكعبة.
ويرفع صوته بالتلبية إذا حج على طريق المدينة إذا علت راحلته البيداء، فإن كان راجلاً فحيث يحرم. ويستحب التلفظ بما يعزم عليه والاشتراط أن يحله حيث حبسه، وإن لم يكن حجة فعمرة، وأن يحرم في الثياب القطن وأفضله البيض. وإذا أحرم بالحج من مكة رفع صوته بالتلبية إذا أشرف على الأبطح، وأن يرفع صوته بالشهادات الأربع، لله بالوحدانية، وللرسول بالرسالة، ولعلي والأئمة بالولاية، وللمهدي والمهديين بالهداية.
ويلحق بذلك تروك الإحرام:
وهي محرمات ومكروهات، فالمحرمات هي:
الأول: صيد البر اصطياداً أو أكلاً ولو صاده محل، وإشارة ودلالة، وإغلاقاً وذبحاً. ولو ذبحه كان ميتة حراماً على المحل والمحرم، وكذا يحرم فرخه وبيضه. والجراد في معنى الصيد البري. ولا يحرم صيد البحر وهو ما يبيض ويفرخ في المياه.
الثاني: والنساء وطياً ولمساً بشهوة، وعقداً لنفسه ولغيره، وشهادة على العقد وإقامة ولو تحملها محلاً، ولا بأس به بعد الإحلال، وتقبيلاً ونظراً بشهوة، وكذا الاستمناء.
تفريع:
أولاً: إذا اختلف الزوجان في العقد فادعى أحدهما وقوعه في الإحرام وأنكر الآخر فالقول قول من يدعي الإحلال، لكن إن كان المنكر المرأة كان لها نصف المهر، لاعترافه بما يمنع من الوطئ.
ثانياً: إذا وكل في حال إحرامه فأوقع، فإن كان قبل إحلال الموكل بطل، وإن كان بعده صح. ويجوز مراجعة المطلقة الرجعية، وشراء الإماء في حال الإحرام.
الثالث: والطيب على العموم ما خلا خلوق الكعبة (وهو ما عطر به البيت أو كسوته أو ما حمله هو ليعطر به البيت) ولو في الطعام. ولو اضطر إلى أكل ما فيه طيب، أو لمس الطيب قبض على أنفه.
الرابع: ولبس المخيط للرجال، ويجوز للنساء لبس المخيط اضطراراً واختياراً. ويجوز لبس السراويل للرجل إذا لم يجد إزاراً، وكذا لبس طيلسان له أزرار، لكن لا يزره على نفسه.
الخامس: والاكتحال بالسواد وبما فيه طيب، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة.
السادس: وكذا النظر في المرآة، ويجوز إذا لم يكن للزينة.
السابع: والفسوق وهو الكذب.
الثامن: والجدال: وهو قول: لا والله، وبلى والله.
التاسع: وقتل هوام الجسد حتى القمل، ويجوز نقله من مكان إلى آخر من جسده، ويجوز إلقاء القراد والحلم.
العاشر: ويحرم لبس الخاتم للزينة ويجوز للسنة، ولبس المرأة الحلي للزينة، ولا بأس بما كان معتاداً لها، لكن يحرم عليها إظهاره حتى لزوجها.
الحادي عشر: واستعمال دهن فيه طيب محرم بعد الإحرام، وقبله إذا كان ريحه يبقى إلى الإحرام. وكذا ما ليس بطيب - اختياراً - بعد الإحرام، ويجوز اضطراراً.
الثاني عشر: وإزالة الشعر قليله وكثيرة، ومع الضرورة لا أثم.
الثالث عشر: وتغطية الرأس، ولو غطى رأسه ناسياً ألقى الغطاء واجباً، وجدد التلبية استحباباً، ويجوز ذلك للمرأة.
الرابع عشر: والتظليل محرم عليه سائراً نهاراً، ولو اضطر لم يحرم. ولو زامل عليلاً أو امرأة اختص العليل والمرأة بجواز التظليل. ويجوز التظليل طائراً (من يركب الطائرة)، ويُحرم في الطائرة إذا مرت بالميقات ولا يضره التظليل.
الخامس عشر: وإخراج الدم إلا عند الضرورة، وكذا حك الجلد المفضي إلى إدمائه، وكذا في السواك المفضي إلى إدمائه.
السادس عشر: وقص الأظفار.
السابع عشر: وقطع الشجر والحشيش، إلا أن ينبت في ملكه.
الثامن عشر: وتغسيل المحرم لو مات بالكافور.
التاسع عشر: ولبس السلاح لغير الضرورة.
العشرون: والارتماس، أي رمس تمام الرأس في الماء.
الحادي والعشرون: وستر ظاهر القدم، فإن أضطر جاز.
والمكروهات هي: الإحرام في الثياب المصبوغة بالسواد والعصفر وشبهه، ويتأكد في السواد، والنوم عليها، وفي الثياب الوسخة وإن كانت طاهرة، ولبس الثياب المعلمة، واستعمال الحنا للزينة، وكذا للمرأة ولو قبل الإحرام إذا قارنته، والنقاب للمرأة، ودخول الحمام، وتدليك الجسد فيه، وتلبيته من يناديه، واستعمال الرياحين.
خاتمـة :
كل من دخل مكة وجب أن يكون محرماً، إلا من يكون دخوله بعد إحرامه قبل مضي شهر، أو يتكرر كالحطاب والحشاش. ومن دخلها لقتال جاز أن يدخل محلاً، كما دخل النبي (ص) عام الفتح وعليه المغفر.
وإحرام المرأة كإحرام الرجل إلا فيما استثنيناه. ولو حضرت الميقات جاز لها أن تحرم ولو كانت حائضاً، لكن لا تصلي صلاة الإحرام. ولو تركت الإحرام ظناً أنه لا يجوز رجعت إلى الميقات وأنشأت الإحرام منه، ولو منعها مانع أحرمت من موضعها. ولو دخلت مكة خرجت إلى أدنى الحل، ولو منعها مانع أحرمت من مكة.
القول: في الوقوف بعرفات
والنظر في: مقدمته، وكيفيته، ولواحقه.
أما المقدمة:
فيستحب للمتمتع أن يخرج إلى عرفات يوم التروية (8 ذي الحجة) بعد أن يصلي الظهرين، إلا المضطر كالشيخ الهم ومن يخشى الزحام، وأن يمضي إلى منى ويبيت بها ليلته إلى طلوع الفجر من يوم عرفة، لكن لا يجوز وادي محسَّر إلا بعد طلوع الشمس.
ويكره الخروج قبل الفجر إلا للضرورة كالمريض والخائف. والإمام يستحب له الإقامة فيها إلى طلوع الشمس، ويستحب الدعاء بالمرسوم عند الخروج، وأن يغتسل للوقوف.
وأما الكيفية:
فيشتمل على واجب وندب:
فالواجب: النية، والكون بها إلى الغروب. فلو وقف بنمرة، أو عُرنَة، أو ثوية أو ذي المجاز، أو تحت الأراك لم يجزه.
ولو أفاض قبل الغروب جاهلاً أو ناسياً فلا شئ عليه، وإن كان عامداً جبره ببدنة، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً. ولو عاد قبل الغروب لم يلزمه شئ.
وأما أحكامه ، فمسائل خمسة:
الأولى: الوقوف بعرفات ركن من تركه عامداً فلا حج له، ومن تركه ناسياً تداركه ما دام وقته باقياً، ولو فاته الوقوف بها اجتزأ بالوقوف بالمشعر.
الثانية: وقت الاختيار لعرفة من زوال الشمس إلى الغروب، من تركه عامداً فسد حجه، ووقت الاضطرار إلى طلوع الفجر من يوم النحر.
الثالثة: من نسي الوقوف بعرفة رجع فوقف بها ولو إلى طلوع الفجر إذا عرف أنه يدرك المشعر قبل طلوع الشمس، فلو غلب على ظنه الفوات اقتصر على إدراك المشعر قبل طلوع الشمس وقد تم حجه. وكذا لو نسي الوقوف بعرفات ولم يذكر إلا بعد الوقوف بالمشعر قبل طلوع الشمس.
الرابعة: إذا وقف بعرفات قبل الغروب، ولم يتفق له إدراك المشعر إلى قبل الزوال صح حجه.
الخامسة: إذا لم يتفق له الوقوف بعرفات نهاراً فوقف ليلاً، ثم لم يدرك المشعر حتى تطلع الشمس ، فإن أدركه قبل الزوال صح حجه.
والمندوبات: الوقوف في ميسرة الجبل في السفح، والدعاء المتلقى عن أهل البيت (ع) أو غيره من الأدعية، وأن يدعو لنفسه ولوالديه وللمؤمنين، وأن يضرب خباءه بنمرة، وأن يقف على السهل، وأن يجمع رحله ويسد الخلل به وبنفسه، وأن يدعو قائماً.
ويكره: الوقوف في أعلى الجبل، وراكباً، وقاعداً.
القول: في الوقوف بالمشعر
والنظر في: مقدمته، وكيفيته.
أما المقدمة:
فيستحب الاقتصاد في سيره إلى المشعر، وأن يقول إذا بلغ الكثيب الأحمر عن يمين الطريق: (اللهم ارحم موقفي، وزد في عملي، وسلم لي ديني، وتقبل مناسكي)، وأن يؤخر المغرب والعشاء إلى المزدلفة ولو صار إلى ربع الليل، ولو منعه مانع صلى في الطريق، وأن يجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين من غير نوافل بينهما ويؤخر نوافل المغرب إلى بعد العشاء.
وأما الكيفية:
فالواجب: النية، والوقوف بالمشعر، وحده: ما بين المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر. ولا يقف بغير المشعر، ويجوز مع الزحام الارتفاع إلى الجبل. ولو نوى الوقوف ثم نام أو جن أو أغمي عليه صح وقوفه.
وأن يكون الوقوف بعد طلوع الفجر، فلو أفاض قبله عامداً بعد أن كان به ليلاً - ولو قليلاً - لم يبطل حجه إذا كان وقف بعرفات، وجبره بشاة. ويجوز الإفاضة قبل الفجر للمرأة، ومن يخاف على نفسه من غير جبر. ولو أفاض ناسياً لم يكن عليه شئ.
ويستحب الوقوف بعد أن يصلي الفجر، وأن يدعو بالدعاء المرسوم أو ما يتضمن الحمد لله والثناء عليه والصلاة على النبي وآله (ع)، وأن يطأ الصرورة المشعر برجله حافياً، ويستحب الصعود على قزح وذكر الله عليه.
مسائل خمس:
الأولى: وقت الوقوف بالمشعر ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وللمضطر إلى زوال الشمس.
الثانية: من لم يقف بالمشعر ليلاً ولا بعد الفجر عامداً بطل حجه، ولو ترك ذلك ناسياً لم يبطل إن كان وقف بعرفات . ولو تركهما جميعاً بطل حجه عمداً أو نسياناً.
الثالثة: من لم يقف بعرفات وأدرك المشعر قبل طلوع الشمس صح حجه، ولو فاته بطل. ولو وقف بعرفات جاز له تدارك المشعر إلى قبل الزوال.
الرابعة: من فاته الحج تحلل بعمرة مفردة، ثم يقضيه إن كان واجباً على الصفة التي وجبت، تمتعاً أو قراناً أو إفراداً.
الخامسة: من فاته الحج سقطت عنه أفعاله، ويستحب له الإقامة بمنى إلى انقضاء أيام التشريق، ثم يأتي بأفعال العمرة التي يتحلل بها.
خاتمــة:
إذا ورد المشعر استحب له التقاط الحصى منه وهو سبعون حصاة، ولو أخذه من غيره جاز، لكن من الحرم عدا المساجد. ويجب فيه شروط ثلاثة: أن يكون مما يسمى حجراً، ومن الحرم، وأبكاراً. ويستحب أن يكون برشا، رخوة، بقدر الأنملة، كحيلة منطقة، ملتقطة. ويكره أن تكون صلبة، أو مكسرة.
ويستحب لمن عدا الإمام الإفاضة قبل طلوع الشمس بقليل، ولكن لا يجوز وادي محسّر إلا بعد طلوعها. والإمام يتأخر حتى تطلع، والسعي بوادي محسر وهو يقول: (اللهم سلم عهدي، واقبل توبتي، واجب دعوتي، واخلفني فيمن تركت بعدي). ولو ترك السعي فيه رجع فسعى استحباباً.
القول: في نزول منى وما بها من المناسك
فإذا هبط بمنى استحب له الدعاء بالمرسوم، ومناسكه بها يوم النحر ثلاثة وهي: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق.
أما الأول:
فالواجب فيه: النية، والعدد وهو سبع، وإلقاؤها بما يسمى رمياً، وإصابة الجمرة بها بما يفعله. فلو وقعت على شئ وانحدرت على الجمرة جاز، ولو قصرت فتممها حركة غيره من حيوان أو إنسان لم يجز. وكذا لو شك فلم يعلم وصلت الجمرة أم لا. ولو طرحها على الجمرة من غير رمي لم يجز.
والمستحب فيه ستة: الطهارة، والدعاء عند إرادة الرمي، وأن يكون بينه وبين الجمرة عشره أذرع إلى خمسة عشر ذراعاً، وأن يرميها خذفاً، والدعاء مع كل حصاة، وأن يكون ماشياً، ولو رمى راكباً جاز. وفي جمرة العقبة يستقبلها ويستدبر القبلة، وفي غيرها يستقبلها ويستقبل القبلة.
وأما الثاني: وهو الذبح، فيشتمل على أطراف:
الأول: في الهدي.
وهو واجب على المتمتع، ولا يجب على غيره سواء كان مفترضاً أو متنفلاً. ولو تمتع المكي وجب عليه الهدي، ولو كان المتمتع مملوكاً بإذن مولاه كان مولاه بالخيار بين أن يهدي ، وأن يأمره بالصوم. ولو أدرك المملوك أحد الموقفين معتقاً لزمه الهدي مع القدرة، ومع التعذر الصوم.
والنية شرط في الذبح، ويجوز أن يتولاها عنه الذابح بشرط ان يكون مؤمناً، ويجب ذبحه بمنى. ولا يجزي واحد في الواجب إلا عن واحد، ويجزي البقر عن سبعة في الندب. ولا يجب بيع ثياب التجمل في الهدي، بل يقتصر على الصوم. ولو ضل الهدي فذبحه غير صاحبه لم يجز عنه. ولا يجوز إخراج شئ مما يذبحه عن منى، بل يخرج إلى مصرفه بها.
ويجب ذبحه يوم النحر مقدماً على الحلق ، فلو أخره أثم وأجزأ. وكذا لو ذبحه في بقية ذي الحجة جاز.
الثاني: في صفاته. والواجب ثلاثة:
الأول: الجنس، ويجب أن يكون من النعم: الإبل، والبقر، والغنم.
الثاني: السن، فلا يجزي من الإبل إلا الثني، وهو الذي له خمس ودخل في السادسة، ومن البقر والمعز ما له سنة ودخل في الثانية ، ويجزي من الضأن الجذع لسنته.
الثالث: أن يكون تاماً، فلا يجزي العوراء، ولا العرجاء البين عرجها، ولا التي انكسر قرنها الداخل، ولا المقطوعة الإذن، ولا الخصي من الفحول، ولا المهزولة وهي التي ليس على كليتها شحم.
ولو اشتراها على أنها مهزولة فخرجت كذلك لم تجزه، ولو خرجت سمينة أجزأته وكذا لو اشتراها على أنها سمينة فخرجت مهزولة، ولو اشتراها على أنها تامة فبانت ناقصة لم يجزه.
والمستحب: أن تكون سمينة تنظر في سواد وتبرك في سواد وتمشي في مثله، وأن تكون مما عرّف به. وأفضل الهدي من البدن والبقر الإناث، ومن الضأن والمعز الذكران. وأن ينحر الإبل قائمة قد ربطت بين الخف والركبة، ويطعنها من الجانب الأيمن، وأن يدعو الله تعالى عند الذبح، ويترك يده على يد الذابح، وأفضل منه أن يتولى الذبح بنفسه إذا أحسن.
ويستحب أن يقسمه ثلاثاً يأكل ثلثه، ويتصدق بثلثه، ويهدي ثلثه. ويجب الأكل منه، ولو قليلاً. ويكره: التضحية بالجاموس، وبالثور، وبالموجوء.
الثالث: في البدل.
من فقد الهدي ووجد ثمنه ينتقل فرضه إلى الصوم، وإذا فقدهما صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج متتابعات، يوماً قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة. ولو لم يتفق اقتصر على التروية وعرفة، ثم صام الثالث بعد النفر. ولو فاته يوم التروية أخره إلى بعد النفر، ويجوز تقديمها من أول ذي الحجة بعد أن تلبس بالمتعـة. ويجوز صومها طول ذي الحجة، ولو صام يومين وأفطر
الثالث لم يجزه واستأنف، إلا أن يكون ذلك هو العيد فيأتي بالثالث بعد النفر.
ولا يصح صوم هذه الثلاثة إلا في ذي الحجة بعد التلبس بالمتعة، ولو خرج ذو الحجة ولم يصمها تعين الهدي في القابل. ولو صامها ثم وجد الهدي ولو قبل التلبس بالسبعة لم يجب عليه الهدي وكان له المضي على الصوم، ولو رجع إلى الهدي كان أفضل.
وصوم السبعة بعد وصوله إلى أهله، ولا يشترط فيها الموالاة، فإن أقام بمكة انتظر قدر وصوله إلى أهله ما لم يزد على شهر، ولو مات من وجب عليه الصوم ولم يصم وجب أن يصوم عنه وليه الثلاثة والسبعة.
ومن وجب عليه بدنة في نذر أو كفارة ولم يجد كان عليه سبع شياة، ولو تعين الهدي فمات من وجب عليه أخرج من أصل التركة.
الرابع: في هدي القران.
لا يخرج هدي القران عن ملك سائقه، وله إبداله والتصرف فيه وإن أشعره أو قلده، ولكن متى ساقه فلابد من نحره بمنى إن كان لإحرام الحج، وإن كان للعمرة فبفناء الكعبة بالحزورة.
ولو هلك لم يجب إقامة بدله، لأنه ليس بمضمون. ولو كان مضموناً كالكفارات وجب إقامة بدله. ولو عجز هدي السياق عن الوصول جاز أن ينحر أو يذبح، وُيعلَّم بما يدل على أنه هدي. ولو أصابه كسر جاز بيعه، والأفضل أن يتصدق بثمنه أو يقيم بدله، ولا يتعين هدي السياق للصدقة إلا بالنذر.
ولو سرق من غير تفريط لم يضمن. ولو ضل فذبحه الواجد عن صاحبه أجزأ عنه. ولو ضاع فأقام بدله ثم وجد الأول ذبحه ولم يجب ذبح الأخير، ولو ذبح الأخير ذبح الأول ندباً، إلا أن يكون منذوراً. ويجوز ركوب الهدي ما لم يضر به، وشرب لبنه ما لم يضر بولده .
وكل هدي واجب كالكفارات لا يجوز أن يعطي الجزار منها شيئاً، ولا أخذ شئ من جلودها، ولا أكل شئ منها، فإن أكل تصدق بثمن ما أكل. ومن نذر أن ينحر بدنة فإن عين موضعها وجب، وإن أطلق نحرها بمكة.
ويستحب أن يأكل من هدي السياق، وأن يهدي ثلثه، ويتصدق بثلثه، كهدي التمتع، وكذا الأضحية.
الخامس: الأضحية.
ووقتها بمنى أربعة أيام، أولها يوم النحر، وفي الأمصار ثلاثة. ويستحب الأكل من الأضحية ولا بأس بادخار لحمها، ويكره أن يخرج به من منى، ولا بأس بإخراج ما يضحيه غيره.
ويجزي الهدي الواجب عن الأضحية، والجمع بينهما أفضل. ومن لم يجد الأضحية تصدق بثمنها، فإن اختلفت أثمانها جمع الأعلى والأوسط والأدنى، وتصدق بثلث الجميع.
ويستحب أن تكون الأضحية بما يشتريه، ويكره بما يربيه. ويكره أن يأخذ شيئاً من جلود الأضاحي، وأن يعطيها الجزار، والأفضل أن يتصدق بها.
الثالث: في الحلق والتقصير
فإذا فرغ من الذبح فهو مخير إن شاء حلق، وإن شاء قصر، والحلق أفضل، ويتأكد في حق الصرورة، ومن لبد شعره . وليس على النساء حلق ، ويتعين في حقهن التقصير، ويجزيهن منه ولو مثل الأنملة.
ويجب تقديم التقصير على زيارة البيت لطواف الحج والسعي، ولو قدم ذلك على التقصير عامداً جبره بشاة، ولو كان ناسياً لم يكن عليه شئ، وعليه إعادة الطواف.
ويجب أن يحلق بمنى فلو رحل رجع فحلق بها، فإن لم يتمكن حلق أو قصر مكانه وبعث بشعره ليدفن بها. ولو لم يمكنه لم يكن عليه شئ، ومن ليس على رأسه شعر أجزأه إمرار الموسى عليه.
وترتيب هذه المناسك واجب يوم النحر: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق، فلو قدم بعضها على بعض أثم ولا إعادة.
مسائل ثلاث:
الأولى: مواطن التحليل:
الأول: عقيب الحلق أو التقصير يحل من كل شئ إلا الطيب والنساء والصيد.
الثاني: إذا طاف طواف الزيارة حل له الطيب.
الثالث: إذا طاف طواف النساء حل له النساء.
ويحل له بعد الذبح الحلق أو التقصير له ولغيره، ويكره لبس المخيط حتى يفرغ من طواف الزيارة، وكذا يكره الطيب حتى يفرغ من طواف النساء.
الثانية: إذا قضى مناسكه يوم النحر فالأفضل المشي إلى مكة للطواف والسعي ليومه، فإن أخره - أي الطواف بعد أن غادر منى إلى مكة - فمن غده. ويتأكد في حق المتمتع، فإن أخره أثم ، ويجزيه طوافه وسعيه. ويجوز للقارن والمفرد تأخير ذلك طول ذي الحجة على كراهية.
الثالثة: الأفضل لمن مضى إلى مكة للطواف والسعي الغسل، وتقليم الأظفار، وأخذ الشارب، والدعاء إذا وقف على باب المسجد.
القول: في الطواف
وفيه ثلاثة مقاصد:
الأول: في المقدمات.
وهي واجبة ومندوبة: فالواجبات: الطهارة، وإزالة النجاسة عن الثوب والبدن، وأن يكون مختوناً، ولا يعتبر في المرأة.
والمندوبات ثمانية: الغسل لدخول مكة، فلو حصل عذر اغتسل بعد دخوله، والأفضل أن يغتسل من بئر ميمون، أو من فخ، وإلا ففي منزله. ومضغ الاذخر، وأن يدخل مكة من أعلاها، وأن يكون حافياً، على سكينة ووقار، ويغتسل لدخول المسجد الحرام، ويدخل من باب بني شيبة ليطأ هبل، وهو غير موجود الآن حيث محا الوهابيون النواصب أثره، وبعد أن يقف عندها ويسلم على النبي (ص) ويدعو بالمأثور.
المقصد الثاني: في كيفية الطواف.
وهو يشتمل على: واجب وندب.
فالواجب سبعة: النية، والبدء بالحجر، والختم به، وأن يطوف على يساره، وأن يدخل الحجر في الطواف، وأن يكمله سبعاً، وأن يكون بين البيت والمقام، ولو مشى على أساس البيت أو حائط الحجر لم يجزه.
ومن لوازمه ركعتا الطواف، وهما واجبتان بعده في الطواف الواجب، ولو نسيهما وجب عليه الرجوع، ولو شق قضاهما حيث ذكره، ولو مات قضاهما الولي.
مسائل ست:
الأولى: الزيادة على السبع في الطواف الواجب محظورة، وفي النافلة مكروهة.
الثانية: الطهارة شرط في الواجب دون الندب، حتى أنه يجوز ابتداء المندوب مع عدم الطهارة وإن كانت الطهارة أفضل.
الثالثة: يجب أن يصلي ركعتي الطواف في المقام حيث هو الآن، ولا يجوز في غيره، فإن منعه زحام صلى وراءه، أو إلى أحد جانبيه.
الرابعة: من طاف في ثوب نجس مع العلم لم يصح طوافه، وإن لم يعلم ثم علم في أثناء الطواف أزاله وتمم، ولو لم يعلم حتى فرغ كان طوافه ماضياً.
الخامسة: يجوز أن يصلي ركعتي طواف الفريضة في أي وقت شاء.
السادسة: من نقص من طوافه، فإن جاوز النصف رجع فأتم، ولو عاد إلى أهله أمر من يطوف عنه، وإن كان دون ذلك استأنف. وكذا من قطع طواف الفريضة لدخول البيت أو بالسعي في حاجته. وكذا لو مرض في أثناء طوافه، ولو استمر مرضه حيث لا يمكن أن يطاف به طيف عنه. وكذا لو أحدث في طواف الفريضة. ولو دخل في السعي فذكر أنه لم يتم طوافه رجع فأتم طوافه إن كان تجاوز النصف، ثم تمم السعي.
والندب خمسة عشر: الوقوف عند الحجر، وحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي وآله عليهم السلام، ورفع اليدين بالدعاء، واستلام الحجر وتقبيله، فإن لم يقدر فبيده، ولو كانت مقطوعـة استلم بموضع القطع. ولو لم يكن له يد اقتصر على الإشارة، وأن يقول: (هذه أمانتي
أديتها، وميثاقي تعاهدته، لتشهد لي بالموافاة. اللهم تصديقاً بكتابك ... إلى آخر الدعاء).
وأن يكون في طوافه داعياً ذاكراً لله سبحانه على سكينة ووقار مقتصداً في مشيه، وأن يقول: (اللهم إني أسألك باسمك الذي يمشي به على طلل الماء ... إلى آخر الدعاء)، وأن يلتزم المستجار في الشوط السابع، ويبسط يديه على الحائط، ويلصق به بطنه وخده، ويدعو بالدعاء المأثور، ولو جاوز المستجار إلى ركن اليماني لم يرجع، وأن يلتزم الأركان كلها، وآكدها الذي فيه الحجر واليماني.
ويستحب أن يطوف ثلاثمائة وستين طوافاً، فإن لم يتمكن فثلاثمائة وستين شوطاً، ويلحق الزيادة بالطواف الأخير ، ويسقط الكراهية هنا بهذا الاعتبار. وأن يقرأ في ركعتي الطواف في الأولى مع "الحمد" "قل هو الله أحد"، وفي الثانية معه "قل يا أيها الكافرون". ومن زاد على السبعة سهواً أكملها أسبوعين وصلى الفريضة أولاً، وركعتي النافلة بعد الفراغ من السعي، وأن يتدانى من البيت. ويكره الكلام في الطواف بغير الدعاء والقراءة.
الثالث: في أحكام الطواف، وفيه اثنتا عشرة مسألة:
الأولى: الطواف ركن من تركه عامداً بطل حجه، ومن تركه ناسياً قضاه ولو بعد المناسك، ولو تعذر العود استناب فيه. ومن شك في عدده بعد انصرافه لم يلتفت، وإن كان في أثنائه وكان شاكاً في الزيادة قطع ولا شئ عليه، وإن كان في النقصان استأنف في الفريضة، وبنى على الأقل في النافلة.
الثانية: من زاد على السبع ناسياً، وذكر قبل بلوغه الركن قطع ولا شئ عليه.
الثالثة: من طاف وذكر أنه لم يتطهر أعاد في الفريضة دون النافلة، ويعيد صلاة الطواف الواجب واجباً ، والندب ندباً.
الرابعة: من نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى أهله وواقع لا كفارة عليه، وإن واقع بعد الذكر عليه بدنة والرجوع إلى مكة للطواف. ولو نسي طواف النساء جاز أن يستنيب، ولو مات قضاه وليه وجوباً.
الخامسة: من طاف كان بالخيار في تأخير السعي إلى الغد، ثم لا يجوز تأخيره مع القدرة.
السادسة: يجب على المتمتع تأخير الطواف والسعي حتى يقف بالموقفين، ويأتي مناسكه يوم النحر، ولا يجوز التعجيل إلا للمريض والمرأة التي تخاف الحيض، والشيخ العاجز، ويجوز التقديم للقارن والمفرد على كراهية.
السابعة: لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي للمتمتع ولا لغيره اختياراً، ويجوز مع الضرورة والخوف من الحيض.
الثامنة: من قدم طواف النساء على السعي ساهيا أجزأه، ولو كان عامداً لم يجز.
التاسعة: لا يجوز الطواف وعلى الطائف (الرجل) غطاء رأس، سواء في طواف العمرة أم الحج.
العاشرة: من نذر أن يطوف على أربع إذا كان رجل يجب أن يطوف على أربع وإذا كانت امرأة يجب عليها طوافان على قدميها لا على أربع.
الحادية عشرة: لا بأس أن يعول الرجل على غيره في تعداد الطواف، ولو شكا جميعاً عولا على الأحكام المتقدمة.
الثانية عشرة: طواف النساء واجب في الحج والعمرة المفردة دون المتمتع بها، وهو لازم للرجال والنساء والصبيان والخناثى.
القول: في السعي
ومقدماته عشرة كلها مندوبة: الطهارة، واستلام الحجر، والشرب من زمزم، والصب على الجسد من مائها من الدلو المقابل للحجر، وأن يخرج من الباب المحاذي للحجر، وأن يصعد على الصفا، ويستقبل الركن العراقي (وهو الذي فيه الحجر الأسود)، ويحمد الله ويثني عليه، وأن يطيل الوقوف على الصفا، ويكبر الله سبعاً ويهلله سبعاً، ويقول: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شئ قدير) ثلاثاً، ويدعو بالدعاء المأثور.
والواجب فيه أربعة: النية، والبدء بالصفا، والختم بالمروة، وأن يسعى سبعاً يحتسب ذهابه شوطاً، وعوده آخر.
والمستحب أربعة: أن يكون ماشياً ولو كان راكباً جاز، والمشي على طرفيه (أي طريق السعي)، والهرولة ما بين المنارة وزقاق العطارين (وتوجد علامة تميز المكانين الآن) ماشياً كان أو راكباً، ولو نسي الهرولة رجع القهقرى وهرول موضعها، والدعاء في سعيه ماشياً ومهرولاً، ولا بأس أن يجلس في خلال السعي للراحة.
ويلحق بهذا الباب مسائل:
الأولى: السعي ركن من تركه عامداً بطل حجه، ولو كان ناسياً وجب عليه الإتيان به، فإن خرج عاد ليأتي به، فإن تعذر عليه استناب فيه.
الثانية: لا يجوز الزيادة على سبع، ولو زاد عامداً بطل، ولا تبطل بالزيادة سهواً. ومن تيقن عدد الأشواط وشك فيما به بدأ، فإن كان في المزدوج على الصفا فقد صح سعيه لأنه بدأ به، وإن كان على المروة أعاد، وينعكس الحكم مع انعكاس الفرض.
الثالثة: من لم يحصل عدد سعيه أعاده، ومن تيقن النقيصة أتى بها. ولو كان متمتعاً بالعمرة وظن أنه أتم فأحل وواقع النساء، ثم ذكر ما نقص كان عليه دم بقرة ويتم النقصان. ولا كفارة لو قلم أظفاره ، أو قص شعره، فقط يتم النقصان.
الرابعة: لو دخل وقت فريضة وهو في السعي قطعه وصلى ثم أتمه، وكذا لو قطعه في حاجة له أو لغيره.
الخامسة: لا يجوز تقديم السعي على الطواف، كما لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي. فإن قدمه طاف ثم أعاد السعي. ولو ذكر في أثناء السعي نقصاناً من طوافه قطع السعي وأتم الطواف، ثم أتم السعي.
القول: في الأحكام المتعلقة بمنى بعد العود
وإذا قضى الحاج مناسكه بمكة من: طواف الزيارة، والسعي، وطواف النساء، فالواجب العود إلى منى للمبيت بها. فيجب عليه أن يبيت بها ليلتي الحادي عشر والثاني عشر، فلو بات بغيرها كان عليه عن كل ليلة شاة، إلا أن يبيت بمكة مشتغلاً بالعبادة، أو يخرج من منى بعد نصف الليل بشرط أن لا يدخل مكة إلا بعد طلوع الفجر. ولو بات الليالي الثلاث بغير منى لزمه ثلاث شياة إن كان ممن غربت عليه الشمس في الليلة الثالثة وهو بمنى، أو من لم يتق الصيد والنساء لأن هؤلاء يجب عليهم المبيت في منى ليلة الحادي والثاني والثالث عشر.
ويجب أن يرمي كل يوم من أيام التشريق الجمار الثلاث كل جمرة سبع حصيات، ويجب هنا - زيادة على ما تضمنته شروط الرمي - الترتيب: يبدأ بالأولى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، ولو رماها منكوسة أعاد على الوسطى وجمرة العقبة.
ووقت الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها، ولا يجوز أن يرمي ليلاً إلا لعذر كالخائف والمريض والرعاة والعبيد.
ومن حصل له رمي أربع حصيات، ثم رمى على الجمرة الأخرى حصل بالترتيب فيعود إلى المتقدمة ويتم رمي ثلاثاً ويصح رميه. ولو نسي رمي يوم قضاه من الغد مرتباً بالفائت، ويعقب بالحاضر. ويستحب أن يكون ما يرميه لأمسه غدوة ، وما يرميه ليومه عند الزوال.
ولو نسي رمي الجمار حتى دخل مكة رجع ورمى، فإن خرج من مكة لم يكن عليه شئ إذا انقضى زمان الرمي، فإن عاد في القابل رمى، وإن استناب فيه جاز. ومن ترك رمي الجمار متعمداً وجب عليه قضاؤه، ويجوز أن يرمي عن المعذور كالمريض.
ويستحب أن يقيم الإنسان بمنى أيام التشريق، وأن يرمي الجمرة الأولى عن يمينه، ويقف ويدعو، وكذا الثانية، ويرمي الثالثة مستدبر القبلة مقابلاً لها، ولا يقف عندها.
والتكبير بمنى مستحب، وصورته: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الأنعام.
ويجوز النفر في الأول: وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة لمن اجتنب النساء والصيد في إحرامه، والنفر الثاني: وهو اليوم الثالث عشر، فمن نفر في الأول لم يجز إلا بعد الزوال، وفي الثاني يجوز قبله.
ويستحب للإمام أن يخطب ويعلم الناس ذلك. ومن كان قضى مناسكه بمكة جاز أن ينصرف حيث شاء، ومن بقي عليه شئ من المناسك عاد وجوباً.
مسائل:
الأولى: من أحدث ما يوجب حدّاً أو تعزيراً أو قصاصاً ولجأ إلى الحرم ضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج، ولو أحدث في الحرم قوبل بما تقتضيه جنايته فيه.
الثانية: يكره أن يمنع أحد من سكنى دور مكة.
الثالثة: يكره أن يرفع أحد بناءاً فوق الكعبة.
الرابعة: لا تحل لقطة الحرم قليلة كانت أو كثيرة، وتعرف سنة، ثم إن شاء تصدق بها ولا ضمان عليه، وإن شاء جعلها في يده أمانة.
الخامسة: إذا ترك الناس زيارة النبي (ص) أجبروا عليها، لما يتضمن من الجفاء المحرم.
ويستحب: العود إلى مكة لمن قضى مناسكه لوداع البيت، ويستحب أمام ذلك صلاة ست ركعات بمسجد الخيف، وأكده استحباباً عند المنارة التي في وسطه، وفوقها إلى جهة القبلة بنحو من ثلاثين ذراعاً، وعن يمينها ويسارها كذلك. ويستحب النـزول بمسجد الحصباء لمن نفر في الأخير، وأن يستلقي فيه.
وإذا عاد إلى مكة فمن السنة: أن يدخل الكعبة ويتأكد في حق الصرورة، وأن يغتسل ويدعو عند دخولها، وأن يصلي بين الاسطوانتين (كانتا مقابل باب الكعبة) على الرخامة الحمراء ركعتين: يقرأ في الأولى "الحمد وحم السجدة" وفي الثانية "عدد آيها"، ويصلي في زوايا البيت، ثم يدعو بالدعاء المرسوم. ويستلم الأركان، ويتأكد في اليماني. ثم يطوف بالبيت إسبوعاً، ثم يستلم الأركان والمستجار، ويتخير من الدعاء ما أحبه، ثم يأتي زمزم فيشرب منها، ثم يخرج وهو يدعو. ويستحب خروجه من باب الحنّاطين (ولا أثر له الآن فيخرج من باب يمكنه أن يرى منه الركن الذي فيه الحجر)، ويخر ساجداً، ويستقبل القبلة ويدعو، ويشتري بدرهم (2.5 غرام فضة) تمراً ويتصدق به احتياطاً لإحرامه.
ويكره الحج على الإبل الجلالة، ويستحب لمن حج أن يعزم على العود، والطواف أفضل للمجاور من الصلاة، وللمقيم بالعكس. ويكره المجاورة بمكة، ويستحب النـزول بالمعرس على طريق المدينة، وصلاة ركعتين به.
مسائل ثلاث:
الأولى: للمدينة حرم، وحده من عاير إلى وعير. ولا يعضد شجرة، ولا بأس بصيده إلا ما صيد بين الحرتين، وهذا على الكراهية المؤكدة.
الثانية: يستحب زيارة النبي (ص) للحاج استحباباً مؤكداً.
الثالثة: يستحب أن تزار فاطمة (ع) والأئمة (ع) بالبقيع.
خاتمـة:
تستحب المجاورة بها، والغسل عند دخولها، وتستحب الصلاة بين القبر والمنبر وهو الروضة، وأن يصوم الإنسان بالمدينة ثلاثة أيام للحاجة، وأن يصلي ليلة الأربعاء عند اسطوانة أبي لبابة، وفي ليلة الخميس عند الاسطوانة التي تلي مقام رسول الله (ص)، وأن يأتي المساجد بالمدينة كمسجد الأحزاب ومسجد الفتح ومسجد الفضيخ، وقبور الشهداء بـ (أحد) خصوصاً قبر حمزة عليه السلام . ويكره النوم في المساجد ويتأكد الكراهة في مسجد النبي (ص).
* * *
الركن الثالث : في اللواحق
وفيها مقاصد:
الأول: في الاحصار والصد
الصد بالعدو، والاحصار بالمرض لا غير. فالمصدود إذا تلبس ثم صد تحلل من كل ما أحرم منه إذا لم يكن له طريق غير موضع الصد، أو كان له طريق وقصرت نفقته، ويستمر إذا كان له مسلك غيره ولو كان أطول مع تيسر النفقة. ولو خشي الفوات لم يتحلل وصبر حتى يتحقق، ثم يتحلل بعمرة، ثم يقضي في القابل واجباً إن كان الحج واجباً وإلا ندباً، ولا يحل إلا بعد الهدي ونية التحلل. وكذا البحث في المعتمر إذا منع عن الوصول إلى مكة. ولو كان ساق يكفيه ما ساقه. ولا بدل لهدي التحلل، فلو عجز عنه وعن ثمنه بقي على إحرامه، ولو تحلل لم يحل.
ويتحقق الصد بالمنع من الموقفين، وكذا بالمنع من الوصول إلى مكة. ولا يتحقق بالمنع من العود إلى منى لرمي الجمار الثلاث والمبيت بها، بل يحكم بصحة الحج ويستنيب في الرمي.
فروع:
الأول: إذا حبس بدين فإن كان قادراً عليه لم يتحلل، وإن عجز تحلل، وكذا لو حبس ظلماً.
الثاني: إذا صابر ففات الحج لم يجز له التحلل بالهدي، وتحلل بالعمرة، ولا دم، وعليه القضاء إن كان واجباً.
الثالث: إذا غلب على ظنه انكشاف العدو قبل الفوات جاز أن يتحلل، لكن الأفضل البقاء على إحرامه، فإذا انكشف أتم، ولو اتفق الفوات أحل بعمرة.
الرابع: لو أفسد حجه فصد كان عليه بدنة، ودم للتحلل، والحج من قابل. ولو انكشف العدو في وقت يتسع لاستئناف القضاء وجب، وهو حج يقضى لسنته. وعلى ما قلناه فحجة العقوبة باقية، ولو لم يكن تحلل مضى في فاسده وقضاه في القابل.
الخامس: لو لم يندفع العدو إلا بالقتال وجب إذا غلب على الظن السلامة، ولو طلب مالاً لم يجب بذله إلا إذا كان غير مجحف.
والمحصر : هو الذي يمنعه المرض عن الوصول إلى مكة أو عن الموقفين، فهذا يبعث ما ساقه، ولو لم يسق بعث هدياً أو ثمنه، ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله وهو منى إن كان حاجاً، أو مكة إن كان معتمراً. فإذا بلغ قصر وأحل إلا من النساء خاصة حتى يحج في القابل إن كان واجباً، أو يطاف عنه طواف النساء إن كان تطوعاً.
ولو بان أن هديه لم يذبح لم يبطل تحلله، وكان عليه ذبح هدي في القابل. ولو بعث هديه ثم زال العارض لحق بأصحابه، فإن أدرك أحد الموقفين في وقته فقد أدرك الحج، وإلا تحلل بعمرة وعليه في القابل قضاء الواجب. ويستحب قضاء الندب.
والمعتمر : إذا تحلل يقضي عمرته عند زوال العذر.
والقارن: إذا احصر فتحلل لم يحج في القابل إلا قارناً إن كان واجباً، وإن كان ندباً حج بما شاء من أنواعه، وإن كان الإتيان بمثل ما خرج منه أفضل.
وباعث الهدي تطوعاً يواعد أصحابه وقتاً لذبحه أو نحره، ثم يجتنب جميع ما يجتنبه المحرم، فإذا كان وقت المواعدة أحل، لكن هذا لا يلبي. ولو أتى بما يحرم على المحرم كفر استحباباً.
المقصد الثاني: في أحكام الصيد
الصيد: هو الحيوان الممتنع، ولا يشترط أن يكون حلالاً، والنظر فيه يستدعي فصولاً:
الفصل الأول: الصيد قسمان
فالأول منها: ما لا يتعلق به كفارة، كصيد البحر وهو ما يبيض ويفرخ في الماء، ومثله الدجاج الحبشي، وكذا النعم ولو توحشت.
ولا كفارة في قتل السباع ماشية كانت أو طائرة، إلا الأسد فإن على قاتله كبشاً إذا لم يرده. وفيما تولد بين وحشي وإنسي، أو بين ما يحل للمحرم وما يحرم يراعى الاسم.
ولا بأس بقتل الأفعى، والعقرب، والفأرة، والوزغ، وبرمي الحدأة، والغراب رمياً. ولا بأس بقتل البرغوث، والزنبور.
ولا يجوز قتل النحل، ولا كفارة في قتله خطأ، وفي قتله عمداً صدقة، ولو بكف من طعام. ويجوز شراء القماري، والدباسي، وإخراجها من مكة. ولا يجوز قتلها، ولا أكلها.
الثاني: ما يتعلق به الكفارة، وهو ضربان:
الأول: ما لكفارته بدل على الخصوص، وهو كل ما له مثل من النعم، وأقسامه خمسة:
الأول: النعامة، وفي قتلها بدنة، ومع العجز تقوّم البدنة ويفض ثمنها على البر، ويتصدق به لكل مسكين مدان، ولا يلزم ما زاد عن ستين. ولو عجز صام عن كل مدين يوماً، ولو عجز صام ثمانية عشر يوماً. وفي فراخ النعام من صغار الإبل.
الثاني: بقرة الوحش وحمار الوحش، وفي قتل كل واحد منهما بقرة أهلية، ومع العجز يقوّم
البقرة الأهلية ويفض ثمنها على البر، ويتصدق به لكل مسكين مدان. ولا يلزم ما زاد على الثلاثين، ومع العجز يصوم عن كل مدين يوماً، وإن عجز صام تسعة أيام.
الثالث: في قتل الظبي شاة، ومع العجز تقوّم الشاة ويفض ثمنها على البر، ويتصدق به لكل مسكين مدان. ولا يلزم ما زاد عن عشرة، فإن عجز صام عن كل مدين يوماً، فإن عجز صام ثلاثة أيام.
وفي الثعلب والأرنب شاة، ومع العجز تقوّم الشاة ويفض ثمنها على البر، ويتصدق به لكل مسكين مدان. ولا يلزم ما زاد عن عشرة، فإن عجز صام عن كل مدين يوماً، فإن عجز صام ثلاثة أيام. والأبدال في الأقسام الثلاثة على الترتيب.
الرابع: في كسر بيض النعام إذا تحرك فيها الفرخ بكارة من الإبل لكل واحدة واحد، وقبل التحرك إرسال فحولة الإبل في إناث منها بعدد البيض، فما نتج فهو هدي، ومع العجز عن كل بيضة شاة، ومع العجز إطعام عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام.
الخامس: في كسر بيض القطا والقبج إذا تحرك الفرخ من صغار الغنم، وقبل التحرك إرسال فحولة الغنم في إناث منها بعدد البيض، فما نتج فهو هدي، فإن عجز كان كمن كسر بيض النعام.
الثاني: ما لا بدل له على الخصوص، وهو خمسة أقسام:
الأول: الحمام، وهو اسم لكل طائر يهدر ويعب الماء، وفي قتلها شاة على المحرم، وعلى المحل في الحرم درهم (2.5 غرام فضة خالصة)، وفي فرخها للمحرم حمل، وللمحل في الحرم نصف درهم (1.25 غرام فضة).
ولو كان محرماً في الحرم اجتمع عليه الأمران، وفي بيضها إذا تحرك الفرخ حمل، وقبل التحرك على المحرم درهم، وعلى المحل ربع درهم. ولو كان محرماً في الحرم لزمه درهم وربع. ويستوي الأهلي وحمام الحرم في القيمة إذا قتل في الحرم، لكن يشتري بقيمة الحرمي علف لحمامه.
الثاني: في كل واحد من القطا والحجل والدراج حمل قد فطم ورعى.
الثالث: في قتل كل واحد من القنفذ والضب واليربوع جدي.
الرابع: في كل واحد من العصفور والقبرة والصعوة مد من طعام.
الخامس: في قتل الجرادة كف من طعام، وكذا في القملة يلقيها عن جسده. وفي قتل الكثير من الجراد دم شاة. وإن لم يمكنه التحرز من قتله بأن كان على طريقه، فلا إثم ولا كفارة. وكل ما لا تقدير لفديته ففي قتله قيمته، وكذا القول في البيوض.
فروع خمسة:
الأول: إذا قتل صيداً معيباً كالمكسور والأعور فداه بصحيح، ولو فداه بمثله جاز ويفدي للذكر بمثله وبالأنثى، وكذا الأنثى وبالمماثل أفضل.
الثاني: الاعتبار بتقويم الجزاء وقت الإخراج، وفيما لا تقدير لفديته وقت الإتلاف.
الثالث: إذا قتل ماخضاً مما له مثل يخرج ماخضاً، ولو تعذر قوم الجزاء ماخضاً.
الرابع: إذا أصاب صيداً حاملاً فألقت جنيناً حياً ثم ماتا فدى الأم بمثلها والصغير بصغيرة، ولو عاشا لم يكن عليه فدية إذا لم يعب المضروب. ولو عاب ضمن أرشه، ولو مات أحدهما فداه دون الآخر. ولو ألقت جنيناً ميتاً لزمه الأرش، وهو ما بين قيمتها حاملاً ومجهضاً.
الخامس: إذا قتل المحرم حيواناً وشك في كونه صيداً لم يضمن.
الفصل الثاني: في موجبات الضمان
وهي ثلاثة: مباشرة الإتلاف، واليد، والسبب.
أما المباشرة :
فنقول: قتل الصيد موجب لفديته، فإن أكله لزمه فداء آخر، فيفدي ما قتل ويضمن قيمة ما أكل. ولو رمى صيداً فأصابه ولم يؤثر فيه فلا فدية، ولو جرحه ثم رآه سوياً ضمن أرشه. وإذا لم يعلم حاله لزمه الفداء، وكذا لو لم يعلم أثر فيه أم لا.
ولو اشترك جماعة في قتل الصيد ضمن كل واحد منهم فداءً كاملاً. ومن ضرب بطير على الأرض كان عليه دم وقيمة للحرم، وأخرى لاستصغاره. ومن شرب لبن ظبية في الحرم لزمه دم وقيمة اللبن. ولو رمى الصيد وهو محل فأصابه وهو محرم لم يضمنه، وكذا لو جعل في رأسه ما يقتل القمل وهو محل ثم أحرم فقتله.
الموجب الثاني : اليد
ومن كان معه صيد فأحرم زال ملكه عنه ووجب إرساله، فلو مات قبل إرساله لزمه ضمانه، ولو كان الصيد نائياً عنه لم يزل ملكه. ولو أمسك المحرم صيداً فذبحه محرم ضمن كل منهما فداء، ولو كانا في الحرم تضاعف الفداء ما لم يكن بدنة، ولو كانا محلين في الحرم لم يتضاعف، ولو كان أحدهما محرماً تضاعف الفداء في حقه. ولو أمسكه المحرم في الحل فذبحه المحل ضمنه المحرم خاصة. ولو نقل بيض صيد عن موضعه ففسد ضمنه، فلو أحضنه فخرج الفرخ سليماً لم يضمنه. ولو ذبح المحرم صيداً كان ميتة ويحرم على المحل، ولا كذا لو صاده وذبحه محل.
الموجب الثالث : السبب ، وهو يشتمل على مسائل:
الأولى: من أغلق على حمام من حمام الحرم وله فراخ وبيض ضمن بالإغلاق، فإن زال السبب وأرسلها سليمة سقط الضمان. ولو هلكت ضمن الحمامة بشاة، والفرخ بحمل، والبيضة بدرهم إن كان محرماً، وإن كان محلاً ففي الحمامة درهم وفي الفرخ نصف، وفي البيضة ربع.
الثانية: إذا نفر حمام الحرم فليس عليه شيء، والأفضل أن يتصدق.
الثالثة: إذا رمى اثنان فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر، فعلى المصيب فداء لجنايته، وكذا على المخطئ لإعانته.
الرابعة: إذا أوقد جماعة ناراً فوقع فيها صيد لزم كل واحد منهم فداء إذا قصدوا الاصطياد، وإلا ففداء واحد.
الخامسة: إذا رمى صيداً فاضطرب فقتل فرخاً أو صيدا آخر كان عليه فداء الجميع، لأنه سبب للإتلاف.
السادسة: السائق يضمن ما تجنيه دابته ( أو السيارة ووسائط النقل ) ، وكذا الراكب إذا وقف بها، وإذا سار ضمن ما تجنيه بيديها.
السابعة: إذا أمسك صيداً له طفل فتلف بإمساكه ضمن، وكذا لو أمسك المحل صيداً له طفل في الحرم.
الثامنة: إذا أغرى المحرم كلبه بصيد فقتله ضمن، سواء كان في الحل أو الحرم، ولكن يتضاعف إذا كان محرماً في الحرم.
التاسعة: لو نفر صيداً فهلك بمصادمة شئ، أو أخذه جارح ضمنه.
العاشرة: لو وقع الصيد في شبكة فأراد تخليصه فهلك أو عاب ضمن.
الحادية عشرة: من دل على صيد فقتل ضمنه.
الفصل الثالث: في صيد الحرم
يحرم من الصيد على المحل في الحرم ما يحرم على المحرم في الحل، فمن قتل صيداً في الحرم كان عليه فداؤه، ولو اشترك جماعة في قتله فعلى كل واحد فداء. ويحرم وهو يؤم الحرم ولو أصابه ودخل الحرم فمات ضمنه.
ويكره الاصطياد بين البريد (22 كيلومتر) والحرم، فلو أصاب صيداً فيه ففقأ عينه، أو كسر قرنه كان عليه صدقة استحباباً. ولو ربط صيداً في الحل فدخل الحرم لم يجز إخراجه.
ولو كان في الحل ورمى صيداً في الحرم فقتله فداه، وكذا لو كان في الحرم ورمى صيداً في الحل فقتله ضمنه. ولو كان بعض الصيد في الحرم فأصاب ما هو في الحل أو في الحرم منه فقتله ضمنه. ولو كان الصيد على فرع شجرة في الحل فقتله ضمن إذا كان أصلها في الحرم.
ومن دخل بصيد إلى الحرم وجب عليه إرساله، ولو أخرجه فتلف كان عليه ضمانه، سواء كان التلف بسببه أو بغيره. ولو كان طائراً مقصوصاً وجب عليه حفظه حتى يكمل ريشه، ثم يرسله.
ولا يجوز صيد حمام الحرم وهو في الحل. ومن نتف ريشة من حمام الحرم كان عليه صدقة، ويجب أن يسلمها بتلك اليد. ومن أخرج صيداً من الحرم وجب عليه إعادته، ولو تلف قبل ذلك ضمنه. ولو رمى بسهم في الحل فدخل الحرم ثم خرج إلى الحل فقتل صيداً لم يجب الفداء.
ولو ذبح المحل في الحرم صيداً كان ميتة، ولو ذبحه في الحل وأدخله الحرم لم يحرم على المحل، ويحرم على المحرم. ولا يدخل في ملكه شئ من الصيد.
الفصل الرابع: في التوابع
كل ما يلزم المحرم في الحل من كفارة الصيد، أو المحل في الحرم يجتمعان على المحرم في الحرم حتى ينتهي إلى البدنة فلا يتضاعف. وكلما يتكرر الصيد من المحرم نسياناً وجب عليه ضمانه. ولو تعمد وجبت الكفارة أولاً، ثم لا تتكرر، وهو ممن ينتقم الله منه.
ويضمن الصيد بقتله عمداً وسهواً، فلو رمى صيداً فمرق السهم فقتل آخر كان عليه فداءان، وكذا لو رمى غرضاً فأصاب صيداً ضمنه. ولو اشترى محل بيض نعام لمحرم فأكله كان على المحرم عن كل بيضة شاة، وعلى المحل عن كل بيضة درهم. ولا يدخل الصيد في ملك المحرم باصطياد، ولا ابتياع، ولا هبة، ولا ميراث، هذا إذا كان عنده، ولو كان في بلده فإنه يملك.
ولو اضطر المحرم إلى أكل الصيد أكله وفداه، ولو كان عنده ميتة أكل الصيد إن أمكنه الفداء، وإلا أكل الميتة. وإذا كان الصيد مملوكاً ففداؤه لصاحبه، وإن لم يكن مملوكاً تصدق به.
وكل ما يلزم المحرم من فداء يذبحه أو ينحره بمكة إن كان معتمراً، وبمنى إن كان حاجاً. وكل من وجب عليه شاة في كفارة الصيد وعجز عنها كان عليه إطعام عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام في الحج.
المقصد الثالث: في باقي المحظورات
وهي سبعة:
الأول: الاستمتاع بالنساء، فمن جامع زوجته في الفرج قبلاً أو دبراً، عامداً عالماً بالتحريم فسد حجه، وعليه إتمامه وبدنة والحج من قابل، سواء كانت حجته التي أفسدها فرضاً أو نفلاً. وكذا لو جامع أمته وهو محرم.
ولو كانت امرأته محرمة مطاوعة لزمها مثل ذلك، وعليهما أن يفترقا إذا بلغا ذلك المكان حتى يقضيا المناسك إذا حجا على تلك الطريق، ومعنى الافتراق ألا يخلو إلا ومعهما ثالث. ولو أكرهها كان حجها ماضياً، وكان عليه كفارتان، ولا يتحمل عنها شيئاً سوى الكفارة.
وإن جامع بعد الوقوف بالمشعر ولو قبل أن يطوف طواف النساء، أو طاف منه ثلاثة أشواط فما دونه، أو جامع في غير الفرج قبل الوقوف كان حجه صحيحاً، وعليه بدنة لا غير.
تفريع: إذا حج في القابل بسبب الإفساد فأفسد لزمه ما لزم أولاً. وفي الاستمناء بدنة، ولا يفسد به الحج ولا يجب القضاء.
ولو جامع أمته محلاً وهي محرمة بإذنه تحمل عنها الكفارة بدنة أو بقرة أو شاة، وإن كان معسراً فشاة أو صيام ثلاثة أيام.
ولو جامع المحرم قبل طواف الزيارة لزمه بدنة، فإن عجز فبقرة أو شاة. وإذا طاف المحرم من طواف النساء خمسة أشواط ثم واقع لم يلزمه الكفارة، وبنى على طوافه.
وإذا عقد المحرم لمحرم على امرأة ودخل بها المحرم، فعلى كل منهما كفارة، وكذا لو كان العاقد محلاً.
ومن جامع في إحرام العمرة قبل السعي فسدت عمرته، وعليه بدنة وقضاؤها، والأفضل أن يكون في الشهر الداخل.
ولو نظر إلى غير أهله فأمنى كان عليه بدنة إن كان موسراً، وإن كان متوسطاً فبقرة، وإن كان معسراً فشاة.
ولو نظر إلى امرأته لم يكن عليه شئ، ولو مسها بشهوة كان عليه شاة ولو لم يمن. ولو قبل امرأته كان عليه شاة، ولو كان بشهوة كان عليه جزور، وكذا لو أمنى عن ملاعبة. ولو استمع على من يجامع فأمنى من غير نظر لم يلزمه شئ.
فرع: لو حج تطوعاً فأفسده ثم أحصر كان عليه بدنة للإفساد ودم للاحصار، وكفاه قضاء واحد في القابل.
المحظور الثاني: الطيب، فمن تطيب كان عليه دم شاة، سواء استعمله صبغاً أو طلاءً، ابتداء أو استدامة ، أو بخوراً، أو في الطعام. ولا بأس بخلوق الكعبة ولو كان فيه زعفران. وكذا الفواكه كالاترج والتفاح، والرياحين كالورود.
الثالث: القلم، وفي كل ظفر مد من طعام، وفي أظفار يديه ورجليه في مجلس واحد دم، ولو كان كل واحد منهما في مجلس لزمه دمان. ولو أفتي بتقليم ظفره فأدماه لزم المفتي شاة.
الرابع: المخيط حرام على المحرم (الرجل)، فلو لبس كان عليه دم، ولو اضطر إلى لبس ثوب يتقي به الحر أو البرد جاز وعليه شاة.
الخامس: حلق الشعر، وفيه شاة، أو إطعام عشرة مساكين لكل منهم مد، أو صيام ثلاثة أيام. ولو مس لحيته أو رأسه فوقع منهما شئ أطعم كفاً من طعام. ولو فعل ذلك في وضوء الصلاة لم يلزمه شئ. ولو نتف أحد إبطيه أطعم ثلاثة مساكين، ولو نتفهما لزمه شاة.
وفي التظليل سائرا شاة، وكذا لو غطى رأسه بثوب، أو طيّنه بطين يستره، أو ارتمس في الماء، أو حمل ما يستره.
السادس: الجدال في الكذب منه مرة شاة، ومرتين بقرة، وثلاثاً بدنة. وفي الصدق ثلاثاً شاة، ولا كفارة فيما دونه.
السابع: قلع شجرة الحرم، وفي الكبيرة بقرة ولو كان محلاً، وفي الصغيرة شاة، وفي أبعاضها قيمة. ولو قلع شجرة منه أعادها، ولو جفت يلزمه ضمانها. ولا كفارة في قلع الحشيش وإن كان فاعله مأثوماً.
ومن استعمل دهناً طيباً في إحرامه كان عليه شاة، وفي حال الضرورة لا شيء عليه. وفيمن قلع ضرسه لا كفارة، ويجوز أكل ما ليس بطيب من الادهان كالسمن و دهن السمسم، ولا يجوز الادهان به.
خاتمـة:
تشتمل على مسائل:
الأولى: إذا اجتمعت أسباب مختلفة كاللبس وتقليم الأظافر والطيب لزمه عن كل واحد كفارة، سواء فعل ذلك في وقت واحد أو وقتين، كفر عن الأول أو لم يكفر.
الثانية: إذا كرر الوطأ لزمه بكل مرة كفارة، ولو كرر الحلق فإن كان في وقت واحد لم تتكرر الكفارة، وإن كان في وقتين تكررت. ولو تكرر منه اللبس أو الطيب، فإن اتحد المجلس لم يتكرر، وإن اختلف تكرر.
الثالثة: كل محرم أكل أو لبس ما لا يحل له أكله أو لبسه كان عليه دم شاة.
الرابعة: تسقط الكفارة عن الجاهل والناسي والمجنون إلا في الصيد، فإن الكفارة تلزم ولو كان سهواً.
* * *
كتاب العمرة
وصورتها: أن يحرم في الميقات الذي يسوغ له الإحرام منه، ثم يدخل مكة فيطوف ويصلي ركعتيه، ثم يسعى بين الصفا والمروة، ويقصر.
وشرائط وجوبها شرائط وجوب الحج، ومع الشرائط تجب في العمر مرة، وقد تجب بالنذر وما في معناه، والاستئجار، والإفساد، والفوات، والدخول إلى مكة مع انتفاء العذر، وعدم تكرار الدخول. ويتكرر وجوبها بحسب السبب.
وأفعالها ثمانية: النية، والإحرام، والطواف، وركعتاه، والسعي، والتقصير، وطواف النساء، وركعتاه.
وتنقسم إلى: متمتع بها، ومفردة.
فالأولى: تجب على من ليس من حاضري المسجد الحرام، ولا تصح إلا في أشهر الحج، وتسقط المفردة معها، ويلزم فيها التقصير، ولا يجوز حلق الرأس. ولو حلقه لزمه دم، ولا يجب فيها طواف النساء.
والمفردة: تلزم حاضري المسجد الحرام، وتصح في جميع أيام السنة، وأفضلها ما وقع في رجب.
ومن أحرم بالمفردة ودخل مكة جاز أن ينوي التمتع ويلزمه دم، ولو كان في غير أشهر الحج لم يجز. ولو دخل مكة متمتعاً لم يجز له الخروج حتى يأتي بالحج، لأنه مرتبط به. نعم، لو خرج بحيث لا يحتاج إلى استئناف إحرام جاز، ولو خرج فاستأنف عمرة تمتع بالأخيرة.
وتستحب المفردة في كل شهر، وأقله عشرة أيام. ويكره أن يأتي بعمرتين بينهما أقل من عشرة أيام.
ويتحلل من المفردة بالتقصير، والحلق أفضل. وإذا قصر أو حلق حل له كل شئ إلا النساء، فإذا أتى بطواف النساء حلت له النساء، وهو واجب في المفردة بعد السعي على كل معتمر من امرأة وخصي وصبي. ووجوب العمرة على الفور.
كتاب الجهاد
والنظر في أركان أربعة:
الأول: من يجب عليه
وهو فرض على: كل مكلف، حر، ذكر، غير همٍّ. فلا يجب على الصبي، ولا على المجنون، ولا على المرأة، ولا على الشيخ الهمِّ، ولا على المملوك.
وفرضه على الكفاية بشرط وجود الإمام، أو من نصبه للجهاد. ولا يتعين إلا أن يعينه الإمام لاقتضاء المصلحة، أو لقصور القائمين عن الدفع إلا بالاجتماع، أو يعينه على نفسه بنذر وشبهه.
ويسقط فرض الجهاد بأعذار أربعة: العمى، والزمن كالمقعد، والمرض المانع من الركوب والعدو، والفقر الذي يعجز معه عن نفقة طريقه وعياله وثمن سلاحه، ويختلف ذلك بحسب الأحوال.
فروع ثلاثة:
الأول: إذا كان عليه دين مؤجل فليس لصاحبه منعه، ولو كان حالاً وهو معسر كذلك فليس لصاحبه منعه.
الثاني: للأبوين المؤمنين منعه عن الغزو ما لم يتعين عليه.
الثالث: لو تجدد العذر بعد التحام الحرب لم يسقط فرضه، إلا مع العجز عن القيام به.
وإذا بذل للمعسر ما يحتاج إليه وجب، ولو كان على سبيل الأجرة لم يجب. ومن عجز عنه بنفسه وكان موسراً وجب إقامة غيره، ولو كان قادراً فجهز غيره سقط عنه ما لم يتعين.
ويحرم الغزو في الأشهر الحرم إلا أن يبدأ الخصم، أو يكونوا ممن لا يرى للأشهر حرمة. ويجوز القتال في الحرم، وقد كان محرماً فنسخ.
ويجب المهاجرة عن بلد الشرك على من يضعف عن إظهار شعائر الإسلام مع المكنة، والهجرة باقية ما دام الكفر باقياً، وأهل الكفر مأواهم جهنم جميعاً: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ المؤمنون: 44، وسواء منهم من كفر بالأنبياء جميعاً، أم ببعضهم كمن يؤمن بموسى u ويكفر بعيسى u، أو يؤمن بهما ويكفر بمحمد (ص)، أم من كفر بالأئمة (ع)، أم من يكفر بالمهديين (ع) الذين أوصى رسول الله بإتباعهم.
ومن لواحق هذا الركن المرابطة: وهي الأرصاد لحفظ الثغر، وهي مستحبة ولو كان الإمام مفقوداً، لأنها لا تتضمن قتالاً، بل حفظاً وإعلاماً. ومن لم يتمكن منها بنفسه يستحب أن يربط فرسه (مركبته) هناك.
ولو نذر المرابطة وجبت مع وجود الإمام وفقده، وكذا لو نذر أن يصرف شيئاً في المرابطين وجب. ولو أجر نفسه وجب عليه القيام بها.
* * *
الركن الثاني: في بيان من يجب جهاده وكيفية الجهاد
وفيه أطراف:
الأول: في من يجب جهاده
وهم ثلاثة: البغاة على الإمام u من المسلمين، وأهل الذمة: وهم اليهود والنصارى والمجوس إذا أخلوا بشرائط الذمة، ومن عدا هؤلاء من أصناف الكفار.
وكل من يجب جهاده فالواجب على المسلمين النفور إليهم إما لكفهم، وإما لنقلهم إلى الإسلام والإيمان. فإن بدأوا فالواجب محاربتهم، وإن كفوا وجب بحسب المكنة، وأقله في كل عام مرة. وإذا اقتضت المصلحة مهادنتهم جاز، لكن لا يتولى ذلك إلا الإمام، أو من يأذن له الإمام.
الطرف الثاني: في كيفية قتال أهل الحرب
والأولى أن يبدأ بقتال من يليه إلا أن يكون الأبعد أشد خطراً. ويجب التربص إذ كثر العدو وقل المسلمون حتى تحصل الكثرة للمقاومة، ثم يجب المبادرة. ولا يبدأون إلا بعد الدعاء إلى محاسن الإسلام، ويكون الداعي الإمام أو من نصبه، ويسقط اعتبار الدعوة فيمن عرفها.
ولا يجوز الفرار إذا كان العدو على الضعف من المسلمين، أو أقل إلا لمتحرف كطالب السعة، أو موارد المياه، أو استدبار الشمس، أو تسوية لامته. أو لمتحيز إلى فئة قليلة كانت أو كثيرة.
ولو غلب عنده الهلاك لم يجز الفرار، والفرار هو الهلكة في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ البقرة: 195، بل يجب الثبات لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾ الأنفال: 45. وإن كان المسلمون أقل من ذلك لم يجب الثبات، ولو غلب على الظن السلامة استحب. وإن غلب العطب فيجب الانصراف لتهيئة العدة والعدد. ولو انفرد اثنان بواحد من المسلمين يجب الثبات.
ويجوز محاربة العدو بالحصار، ومنع السابلة دخولاً وخروجاً، وهدم الحصون والبيوت، وكل ما يرجى به الفتح. ويكره قطع الأشجار، ورمي النار، وتسليط المياه إلا مع الضرورة. ويحرم بإلقاء السم، فإن لم يمكن الفتح إلا به جاز.
ولو تترسوا بالنساء أو الصبيان منهم كف عنهم إلا في حال التحام الحرب، وكذا لو تترسوا بالاسارى من المسلمين وإن قُتِلَ الأسير، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، ولا يلزم القاتل دية، ويلزمه كفارة. ولو تعمد الغازي مع إمكان التحرز لزمه القود والكفارة.
ولا يجوز قتل المجانين، ولا الصبيان، ولا النساء منهم ولو عاونوهم، إلا مع الاضطرار. ولا يجوز التمثيل بهم، ولا الغدر. ويستحب أن يكون القتال بعد الزوال بعد صلاة الظهر.
الطرف الثالث: في الذمام
والكلام في: العاقد، والعبارة، والوقت.
أما العاقد:
فلا بد أن يكون بالغاً، عاقلاً، مختاراً. ويستوي في ذلك الحر والمملوك، والذكر والأنثى. ولو أذم المراهق أو المجنون لم ينعقد، لكن يعاد إلى مأمنه. وكذا كل حربي دخل في دار الإسلام بشبهة الأمان كأن يسمع لفظاً فيعتقده أماناً، أو يصحب رفقة فيتوهمها أماناً.
ويجوز أن يذم الواحد من المسلمين لآحاد من أهل الحرب، فلا يذم عاماً ولا لأهل إقليم، والإمام يذم لأهل الحرب عموماً وخصوصاً ، وكذا من نصبه الإمام للنظر في جهة يذم لأهلها. ويجب الوفاء بالذمام ما لم يكن متضمناً لما يخالف الشرع ، ولو أكره العاقد لم ينعقد.
وأما العبارة:
فهو أن يقول: أمنتك، أو أجرتك، أو أنت في ذمة الإسلام. وكذا كل لفظ دال على هذا المعنى صريحاً. وكذا كل كناية علم بها ذلك من قصد العاقد. ولو قال: لا بأس عليك، أو لا تخف، لم يكن ذماماً ما لم ينضم إليه ما يدل على الأمان.
وأما وقته:
فقبل الأسر. ولو أشرف جيش الإسلام على الظهور فاستذم الخصم جاز مع نظر المصلحة. ولو استذموا بعد حصولهم في الأسر فأذم لم يصح، ولو أقر المسلم إنه أذم لمشرك، فإن كان في وقت يصح منه إنشاء الأمان قبل.
ولو ادعى الحربي على المسلم الأمان فأنكر المسلم، فالقول قوله. ولو حيل بينه وبين الجواب بموت أو إغماء لم تسمع دعوى الحربي، وفي الحالين يرد إلى مأمنه، ثم هو حرب.
وإذا عقد الحربي لنفسه الأمان ليسكن في دار الإسلام دخل ماله تبعاً. ولو التحق بدار الحرب للاستيطان انتقض أمانه لنفسه دون ماله. ولو مات انتقض الأمان في المال أيضاً إن لم يكن له وارث مسلم، وصار فيئاً. ويختص به الإمام، لأنه لم يوجف عليه. وكذا الحكم لو مات في دار الإسلام. ولو أسره المسلمون فاسترق ملك ماله تبعاً لرقبته.
ولو دخل المسلم دار الحرب مستأمناً فسرق وجب إعادته، سواء كان صاحبه في دار الإسلام، أو في دار الحرب. ولو أسر المسلم وأطلقوه، وشرطوا الإقامة عليه في دار الحرب، والأمن منه لم يجب الإقامة، وحرمت عليه أموالهم بالشرط، ولو أطلقوه على مال لم يجب الوفاء به. ولو أسلم الحربي وفي ذمته مهر لم يكن لزوجته مطالبته، ولا لوارثها. ولو ماتت ثم أسلم، أو أسلمت قبله ثم ماتت طالبه وارثها المسلم دون الحربي.
خاتمـة:
فيها فصلان:
الأول: يجوز أن يعقد العهد على حكم الإمام، أو غيره ممن نصبه للحكم. ويراعى في الحاكم: كمال العقل، والإسلام، والعدالة. ولا يراعى الذكورة والحرية.
ويجوز المهادنة على حكم من يختاره الإمام، دون أهل الحرب. ولو مات الحاكم قبل الحكم بطل الأمان، ويردون إلى مأمنهم. ويجوز أن يسند الحكم إلى اثنين وأكثر، ولو مات أحدهم بطل حكم الباقين، ويتبع ما يحكم به الحاكم، إلا أن يكون منافياً لوضع الشرع. ولو حكم بالسبي والقتل وأخذ المال فأسلموا سقط الحكم في القتل خاصة، ولو جعل للمشرك فدية عن أُسراء المسلمين لم يجب الوفاء لأنه لا عوض للحر.
الثاني: يجوز لوالي الجيش جعل الجعائل لمن يدله على مصلحة كالتنبيه على عورة القلعة، وطريق البلد الخفي. فإن كانت الجعالة من ماله ديناً اشترط كونها معلومة الوصف والقدر، وإن كانت عيناً فلابد أن تكون مشاهدة أو موصوفة، وإن كانت من مال الغنيمة جاز أن تكون مجهولة كجارية وثوب.
تفريع:
لو كانت الجعالة عيناً، وفتح البلد على أمان فكانت في الجملة، فإن اتفق المجعول له وأربابها على بذلها أو إمساكها بالعوض جاز، وإن تعاسرا فسخت الهدنة، ويردون إلى مأمنهم. ولو كانت الجعالة جارية فأسلمت قبل الفتح لم يكن له عوض.
الطرف الرابع: في الاسارى
وهم: ذكور وإناث.
فالإناث يملكن بالسبي ولو كانت الحرب قائمة، وكذا الذراري. ولو اشتبه الطفل بالبالغ اعتبر بالإنبات، فمن لم ينبت وجهل سنه الحق بالذراري.
والذكور البالغون يتعين عليهم القتل إن كانت الحرب قائمة ما لم يسلموا، والإمام مخير إن شاء ضرب أعناقهم ، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وتركهم ينزفون حتى يموتوا. وإن أسروا بعد تقضي الحرب لم يقتلوا، وكان الإمام مخيراً بين المن والفداء والاسترقاق، ولو أسلموا بعد الأسر لم يسقط عنهم هذا الحكم. ولو عجز الأسير عن المشي لم يجب قتله، ولو بدر مسلم فقتله كان هدراً.
ويجب أن يطعم الأسير ويسقى وإن أريد قتله، ويكره قتله صبراً، وحمل رأسه من المعركة. ويجب مواراة الشهيد دون الحربي، وإن اشتبها يوارى كلاهما. وحكم الطفل المسبي حكم أبويه، فإن أسلما أو أسلم أحدهما تبعه الولد، ولو سبي منفرداً يتبع السابي في الإسلام.
تفريع:
إذا أسر الزوج لم ينفسخ النكاح ، ولو استرق انفسخ لتجدد الملك. ولو كان الأسير طفلاً أو امرأة انفسخ النكاح لتحقق الرق بالسبي، وكذا لو أسر الزوجان. ولو كان الزوجان مملوكين لم ينفسخ، لأنه لم يحدث رق. ولو سبيت امرأة فصولح أهلها على إطلاق أسير في يد أهل الشرك فأطلق لم يجب إعادة المرأة، ولو أعتقت بعوض جاز ما لم يكن قد استولدها مسلم.
ويلحق بهذا الطرف مسألتان:
الأولى: إذا أسلم الحربي في دار الحرب حقن دمه، وعصم ماله مما ينقل كالذهب والفضة والأمتعة، دون ما لا ينقل كالأرضين والعقار فإنها للمسلمين، ولحق به ولده الاصاغر ولو كان فيهم حمل. ولو سبيت أم الحمل كانت رقاً دون ولدها منه، وكذا لو كانت الحربية حاملاً من مسلم بوطء مباح. ولو أعتق مسلم عبداً ذمياً بالنذر فلحق بدار الحرب، فأسره المسلمون جاز استرقاته، ولو كان المعتق ذمياً استرق.
الثانية: إذا أسلم عبد الحربي في دار الحرب قبل مولاه ملك نفسه بشرط أن يخرج قبله، ولو خرج بعده كان على رقه.
الطرف الخامس: في أحكام الغنيمة
والنظر في: الأقسام، وأحكام الأرضين المفتوحة، وكيفية القسمة.
أما الأول:
فالغنيمة: هي الفائدة المكتسبة سواء اكتسبت برأس مال كأرباح التجارات، أو بغيره كما يستفاد من دار الحرب.
والنظر ههنا يتعلق بالقسم الأخير، وهي أقسام ثلاثة:
الأول: ما ينقل كالذهب والفضة والأمتعة، وما لا ينقل كالأرض والعقار، وما هو سبي كالنساء والأطفال.
والأول ينقسم إلى: ما يصح تملكه للمسلم، وذلك يدخل في الغنيمة. وهذا القسم يختص به الغانمون بعد الخمس والجعائل، ولا يجوز لهم التصرف في شئ منه إلا بعد القسمة والاختصاص، ويجوز لهم تناول ما لابد منه كالوقود وأكل الطعام وإلى ما لا يصح تملكه كالخمر والخنزير، ولا يدخل في الغنيمة بل ينبغي إتلافه إن أمكن كالخنزير، ويجوز إتلافه وإبقاؤه للتخليل كالخمر.
فروع :
الأول: إذا باع أحد الغانمين غانماً شيئاً، أو وهبه لم يصح قبل القسمة.
الثاني: الأشياء المباحة في الأصل كالصيد والأشجار لا يختص بها أحد، ويجوز تملكها لكل مسلم. ولو كان عليه أثر ملك، وهو في دار الحرب كان غنيمة بناء على الظاهر كالطير المقصوص والأشجار المقطوعة.
الثالث: لو وجد شئ في دار الحرب يحتمل أن يكون للمسلمين ولأهل الحرب كالخيمة والسلاح، فحكمه حكم اللقطة.
الرابع: إذا كان في الغنيمة من ينعتق على بعض الغانمين لا ينعتق إلا يجعله الإمام في حصته، أو حصة جماعة هو أحدهم ثم يرضى هو، فيلزمه شراء حصص الباقين إن كان موسراً.
وأما ما لا ينقل: فهو للمسلمين قاطبة وفيه الخمس، والإمام مخير بين إفراز خمسه لأربابه، وبين إبقائه وإخراج الخمس من ارتفاعه.
وأما النساء والذراري: فمن جملة الغنائم، ويختص بهم الغانمون، وفيهم الخمس لمستحقه.
الثاني: في أحكام الأرضين
كل أرض فتحت عنوة وكانت محياة فهي للمسلمين قاطبة، والغانمون في الجملة، والنظر فيها إلى الإمام، ولا يملكها المتصرف على الخصوص، ولا يصح بيعها ولا هبتها ولا وقفها، ويصرف الإمام حاصلها في المصالح مثل سد الثغور، ومعونة الغزاة ، وبناء القناطر. وما كانت مواتاً وقت الفتح فهو للإمام خاصة، ولا يجوز إحياؤه إلا بإذنه إن كان موجوداً. ولو تصرف فيها من غير إذنه كان على المتصرف طسقها أي أجرتها.
وكل أرض فتحت صلحاً فهي لأربابها وعليهم ما صالحهم الإمام، وهذه تملك على الخصوص ويصح بيعها، والتصرف فيها بجميع أنواع التصرف. ولو باعها المالك من مسلم صح وانتقل ما عليها إلى ذمة البائع، هذا إذا صولحوا على إن الأرض لهم، أما لو صولحوا على إن الأرض للمسلمين ولهم السكنى وعلى أعناقهم الجزية كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة عامرها للمسلمين ومواتها للإمام.
ولو أسلم الذمي سقط ما ضرب على أرضه وملكها على الخصوص، وكل أرض أسلم أهلها عليها فهي لهم على الخصوص، وليس عليهم شئ فيها سوى الزكاة إذا حصلت شرائطها.
خاتمـة:
كل أرض ترك أهلها عمارتها كان للإمام تقبيلها ممن يقوم بها، وعليه طسقها لأربابها. وكل أرض موات سبق إليها سابق فأحياها كان أحق بها، وإن كان لها مالك معروف فعليه طسقها. وإذا استأجر مسلم داراً من حربي ثم فتحت تلك الأرض لم تبطل الإجارة وإن ملكها المسلمون.
الثالث: في قسمة الغنيمة
يجب أن يبدأ بما شرطه الإمام كالجعائل والسلب إذا شرط للقاتل، ولو لم يشرط لم يختص به. ثم بما يحتاج إليه من النفقة مدة بقائها حتى تقسم كأجرة الحافظ والراعي والناقل. وبما يرضخه للنساء أو العبيد والكفار إن قاتلوا بإذن الإمام، فإنه لا سهم للثلاثة. ثم يخرج الخمس، ثم تقسم أربعة أخماس بين المقاتلة ومن حضر القتال ولو لم يقاتل حتى الطفل ولو ولد بعد الحيازة وقبل القسمة، وكذا من اتصل بالمقاتلة من المدد ولو بعد الحيازة وقبل القسمة.
والجيش يشارك السرية في غنيمتها إذا صدرت عنه، وكذا لو خرج منه سريتان، أما لو خرج جيشان من البلد إلى جهتين لم يشرك أحدهما الآخر. وكذا لو خرجت السرية من جملة عسكر البلد لم يشركها العسكر لأنه ليس بمجاهد. ويكره تأخير قسمة الغنيمة في دار الحرب إلا لعذر، وكذا يكره إقامة الحدود فيها.
مسائل ثلاث:
الأولى: المرصد نفسه للجهاد لا يملك رزقه من بيت المال إلا بقبضه، فإن حل وقت العطاء ثم مات كان لوارثه المطالبة به.
الثانية: لا يستحق أحد سلباً ولا نفلاً في بداية ولا رجعة إلا أن يشترط له الإمام.
الثالثة: الحربي لا يملك مال المسلم بالاستغنام، ولو غنم المشركون أموال المسلمين وذراريهم ثم ارتجعوها فالأحرار لا سبيل عليهم. أما الأموال والعبيد فلأربابها قبل القسمة، ولو عرفت بعد القسمة يجب إعادتها على المالك، ويرجع الغانم بقيمتها على الإمام مع تفرق الغانمين.
* * *
الركن الثالث: في أحكام أهل الذمة
والنظر في أمور:
الأول: من تؤخذ منه الجزية
تؤخذ ممن يقر على دينه وهم أهل الكتاب السماوي، ولا يقبل من غيرهم إلا الإسلام. وأهل الكتاب إذا التزموا شرائط الذمة أقروا سواء كانوا عرباً أو عجماً. ولو ادعى أهل حرب إنهم منهم ، وبذلوا الجزية لم يكلفوا البيـنة وأقروا ، ولو ثبت خلافها انتقض العهد. ولا تؤخذ
الجزية من الصبيان، والمجانين، والنساء، والهم، والرهبان.
وتجب على الفقير وينظر بها حتى يوسر. ولو ضرب عليهم جزية فاشترطوها على النساء لم يصح الصلح. ولو قتل الرجال قبل عقد الجزية فسأل النساء إقرارهن ببذل الجزية لا يصح، وكذا لو كان بعد عقد الجزية. ولو أعتق العبد الذمي منع من الإقامة في دار الإسلام إلا بقبول الجزية. والمجنون المطبق لا جزية عليه، وكذا من كان يفيق وقتاً. وكل من بلغ من صبيانهم يؤمر بالإسلام أو بذل الجزية ، فإن امتنع صار حربياً.
الثاني: في كمية الجزية
ولا حد لها، بل تقديرها إلى الإمام بحسب الأصلح. ويجوز وضعها على الرؤوس، أو على الأرض، أو على الصناعات والتجارات .
ويجوز أن يشترط عليهم - مضافاً إلى الجزية - ضيافة مارة العساكر، ويحتاج أن تكون الضيافة معلومة. ولو اقتصر على الشرط وجب أن يكون زائداً عن أقل مراتب الجزية. وإذا أسلم قبل الحول، أو بعده قبل الأداء سقطت الجزية. ولو مات بعد الحول لم تسقط، وأخذ من تركته كالدين.
الثالث: في شرائط الذمة، وهي ستة:
الأول: قبول الجزية.
الثاني: أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان مثل العزم على حرب المسلمين، أو إمداد المشركين، ويخرجون عن الذمة بمخالفة هذين الشرطين.
الثالث: أن لا يؤذوا المسلمين كالزنا بنسائهم، واللواط بصبيانهم، والسرقة لأموالهم، وإيواء عين المشركين، والتجسس لهم. فإن فعلوا شيئاً من ذلك، وكان تركه مشترطاً في الهدنة كان نقضاً، وإن لم يكن مشترطاً كانوا على عهدهم، وفعل بهم ما يقتضيه جنايتهم من حد أو تعزير. ولو سبوا النبي (ص) قتل الساب، ولو نالوه بما دونه عزروا إذا لم يكن شرط عليهم الكف.
الرابع: أن لا يتظاهروا بالمناكير كشرب الخمر، والزنا، وأكل لحم الخنزير، ونكاح المحرمات. ولو تظاهروا يفعل بهم ما يوجبه شرع الإسلام من حد أو تعزير.
الخامس: أن لا يحدثوا كنيسة، ولا يضربوا ناقوساً، ولا يطيلوا بناء، ويعزرون لو خالفوا، ولو كان تركه مشترطاً في العهد انتقض.
السادس: أن يجري عليهم أحكام المسلمين.
وها هنا مسائل:
الأولى: إذا خرقوا الذمة في دار الإسلام كان للإمام ردهم إلى مأمنهم، وله قتلهم واسترقاقهم ومفاداتهم.
الثانية: إذا أسلم بعد خرق الذمة قبل الحكم فيه سقط الجميع عدا القود والحد واستعادة ما أخذ ، ولو أسلم بعد الاسترقاق أو المفاداة لم يرتفع ذلك عنه.
الثالثة: إذا مات الإمام وقد ضرب لما قرره من الجزية أمداً معيناً، أو اشترط الدوام وجب على القائم مقامه بعده إمضاء ذلك. وإن أطلق الأول كان للثاني تغييره بحسب ما يراه صلاحاً. ويكره أن يبدأ المسلم الذمي بالسلام، ويستحب أن يضطر إلى أضيق الطرق.
الرابع: في حكم الأبنية
والنظر في: البيع والكنائس، والمساكن، والمساجد.
لا يجوز استئناف البيع والكنائس في بلاد الإسلام، ولو استجدت وجب إزالتها سواء كان البلد مما استجده المسلمون، أو فتح عنوة، أو صلحاً على أن تكون الأرض للمسلمين. ولا بأس بما كان قبل الفتح، وربما استجدوه في أرض فتحت صلحاً على أن تكون الأرض لهم. وإذا انهدمت كنيسة مما لهم استدامتها جاز إعادتها.
وأما المساكن: فكل ما يستجده الذمي لا يجوز أن يعلو به على المسلمين من مجاوريه، ويجوز مساواته. ويقر ما ابتاعه من مسلم عل علوه كيف كان. ولو انهدم لم يجز أن يعلو به على المسلم، ويقتصر على المساواة فما دون.
وأما المساجد: فلا يجوز أن يدخلوا المسجد الحرام، ولا غيره من المساجد. ولو أذن لهم لم يصح الإذن، لا استيطاناً، ولا اجتيازاً، ولا امتياراً، ولا يجوز لهم استيطان مكة والمدينة.
الخامس: في المهادنة
وهي: المعاقدة على ترك الحرب مدة معينة، وهي جائزة إذا تضمنت مصلحة للمسلمين، إما لقلتهم عن المقاومة، أو لما يحصل به الاستظهار، أو لرجاء الدخول في الإسلام مع التربص. ومتى ارتفع ذلك، وكان في المسلمين قوة على الخصم لم يجز.
ويجوز الهدنة أكثر من أربعة أشهر بحسب المصلحة التي يراها الإمام، ولا تصح إلى مدة مجهولة، ولا مطلقاً إلا أن يشترط الإمام لنفسه الخيار في النقض متى شاء. ولو وقعت الهدنة على ما لا يجوز فعله لم يجب الوفاء مثل التظاهر بالمناكير، وإعادة من يهاجر من النساء، فلو هاجرت وتحقق إسلامها لم تعد، لكن يعاد على زوجها ما سلم إليها من مهر خاصة إذا كان مباحاً، ولو كان محرماً لم يعد، ولا قيمته.
تفريعان:
الأول: إذا قدمت مسلمة فارتدت لم ترد، لأنها بحكم المسلمة.
الثاني: لو قدم زوجها وطالب المهر فماتت بعد المطالبة دفع إليه مهرها، ولو ماتت قبل المطالبة لم يدفع إليه. ولو قدمت فطلقها بائناً لم يكن له المطالبة، ولو أسلم في العدة الرجعية كان أحق بها.
أما إعادة الرجال فمن أمن عليه الفتنة بكثرة العشيرة وما ماثل ذلك من أسباب القوة جاز إعادته، وإلا منعوا منه. ولو شرط في الهدنة إعادة الرجال مطلقاً يبطل الصلح. وكل من وجب رده لا يجب حمله، وإنما يخلي بينه وبينهم. ولا يتولى الهدنة على العموم، ولا لأهل البلد والصقع إلا الإمام أو من يقوم مقامه.
ومن لواحق هذا الطرف مسائل:
الأولى: كل ذمي انتقل عن دينه إلى دين لا يقر أهله عليه لا يقبل منه، إلا الإسلام أو القتل. أما لو انتقل إلى دين يقر أهله كاليهودي ينقل إلى النصرانية يقبل، وإن عاد إلى دينه يقبل، ولو أصر على الانتقال إلى دين لا يقر أهله عليه فقتل يُملك أطفاله.
الثانية: إذا فعل أهل الذمة ما هو سائغ في شرعهم، وليس بسائغ في الإسلام لم يُتَعَرَّضوا. وإن تجاهروا به عمل بهم ما تقتضيه الجناية بموجب شرع الإسلام، وإن فعلوا ما ليس بسائغ في شرعهم كالزنا واللواط، فالحكم فيه كما في المسلم.
الثالثة: إذا اشترى الكافر مصحفاً لم يصح البيع، ومثل ذلك كتب أحاديث النبي (ص) وسلم والأئمة (ع).
الرابعة: لو أوصى الذمي ببناء كنيسة أو بيعة لم يجز، لأنها معصية. ولو أوصى بصرف شيء في كتابة التوراة والإنجيل جاز وإن كانت محرفة، ولو أوصى للراهب والقسيس جاز، كما تجوز الصدقة عليهم.
الخامسة: يكره للمسلم أجرة رم الكنائس والبيع من بناء ونجارة وغير ذلك.
* * *
الركن الرابع : في : قتال أهل البغي
يجب قتال من خرج على إمام عادل إذا ندب إليه الإمام عموماً أو خصوصاً، أو من نصبه الإمام، والتأخر عنه كبيرة. وإذا قام به من فيه غناء سقط عن الباقين ما لم يستنهضه الإمام على التعيين. والفرار في حربهم كالفرار في حرب المشركين.
وتجب مصابرتهم حتى يفيؤوا أو يقتلوا. ومن كان من أهل البغي لهم فئة يرجع إليها جاز الإجهاز على جريحهم واتباع مدبرهم، وقتل أسيرهم. ومن لم يكن له فئة فالقصد بمحاربتهم تفريق كلمتهم، فلا يتبع لهم مدبر، ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل لهم مأسور.
مسائل:
الأولى: لا يجوز سبي ذراري البغاة، ولا تملك نسائهم.
الثانية: لا يجوز تملك شيء من أموالهم التي لم يحوها العسكر سواء كانت مما ينقل كالثياب والآلات، أو لا ينقل كالعقـارات، ويؤخذ ما حواه العسكر مما ينقل ويحول، عملاً بسـيرة علي u.
الثالثة: ما حواه العسكر للمقاتلة خاصة يقسم بينهم.
خاتمة:
من منع الزكاة لا مستحلاً فليس بمرتد، ويجوز قتاله حتى يدفعها. ومن سب الإمام العادل وجب قتله. وإذا قاتل الذمي مع أهل البغي خرق الذمة. وللإمام أن يستعين بأهل الذمة في قتال أهل البغي. ولو أتلف الباغي على العادل (المؤمن) مالاً أو نفساً في حال الحرب ضمنه. ومن أتى منهم بما يوجب حدا ، واعتصم بدار الحرب فمع الظفر يقام عليه الحد.
* * *
كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المعروف: هو كل ما أمر به الشارع أو حث عليه.
والمنكر: هو كل ما نهى عنه الشارع.
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجبان على كل فرد في المجتمع المؤمن.
والمعروف ينقسم إلى: الواجب والندب، فالأمر بالواجب واجب، وبالمندوب مندوب. والمنكر: لا ينقسم، فالنهي عنه كله واجب.
ولا يجب النهي عن المنكر ما لم تكمل شروط أربعة:
الأول: أن يعلمه منكراً ليأمن الغلط في الإنكار، ويجب على كل مؤمن أن يتعلم
الثاني: أن يجوز تأثير إنكاره ، فلو غلب على ظنه ، أو علم أنه لا يؤثر لم يجب.
الثالث: وأن يكون الفاعل له مصراً على الاستمرار، فلو لاح منه إمارة الامتناع أو أقلع عنه سقط الإنكار.
الرابع: ألا يكون في الإنكار مفسدة ، فلو ظن توجه الضرر إليه أو إلى ماله، أو إلى أحد من المؤمنين سقط الوجوب.
ومراتب الإنكار ثلاث: بالقلب، ومنه النظر بغضب لفاعل المنكر والإعراض عنه، وهو يجب وجوباً مطلقاً، وباللسان، وباليد.
ويجب دفع المنكر بالقلب أولاً كما إذا عرف أن فاعله ينزجر بإظهار الكراهة، وكذا إن عرف أن ذلك لا يكفي وعرف الاكتفاء بضرب من الإعراض والهجر وجب واقتصر عليه.
ولو عرف إن ذلك لا يرفعه انتقل إلى الإنكار باللسان مرتباً للأيسر من القول فالأيسر. ولو لم يرتفع إلا باليد مثل الضرب وما شابهه جاز، ولو افتقر إلى الجراح أو القتل لا يجوز إلا بإذن الإمام.
ولا يجوز لأحد إقامة الحدود إلا للإمام مع وجوده، أو من نصبه لإقامتها. ومع عدمه يجوز للمولى إقامة الحد على مملوكه، ولا يجوز للرجل إقامة الحد على ولده وزوجته.
* * *

والحمد لله رب العالمين

 

 

 

 

أنت في موقع أتباع الإمام أحمد الحسن اليماني (ع) المهدي الأول واليماني الموعود وصي ورسول الامام المهدي محمد ابن الحسن (ع) ورسول من عيسى (ع) للمسيحيين ورسول من إيليا (ع) لليهود. تجد في هذا الموقع أدلته وسيرته وعلمه وكل ما يتعلق بدعوته للبيعة لله.
لمحاورتنا كتابيا يمكنك التسجيل والكتابة في منتديات انصار الامام المهدي (ع) وفيه قسم خاص بإرسال أسئلتكم.
عناوين وهواتف : بالعراق اضغط هنا.
حاورنا صوتيا  أو كتابيا  مباشرة على مدار الساعة في :

للتبرع العام التبرع للقناة الفضائية

من اقوال الامام احمد الحسن (ع)

إذا اختار العبد الله سبحانه وتعالى وعبادته، وطاعة خليفته في أرضه، والكفر بالطاغوت، والعمل على إزالة دولته الشيطانية، فعليه أن يتم هذه العبادة والطاعة التي هي أصل لفروع كثيرة، هي العبادات والمعاملات، من صلاة وصيام وزكاة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وقبول حكم الله وقوانينه في التجارة والاقتصاد والاجتماع، والحرب والسلم والسياسة عموماً، قال تعالى: ﴿إليهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. كتاب شيء من تفسير سورة الفاتحة.

الأكثر قراءة

آخر الاضافات والتعديلات في الموقع