raya

خلق الله سبحانه وتعالى ادم (ع) خليفة في أرضه ، هذا أمر أقرته جميع الأديان الإلهية ، كما انه سبحانه وتعالى اسجد جميع ملائكته لآدم (ع) ، والسجود (علامة الخضوع والتذلل والانصياع للأمر الصادر من المسجود له) ، ولم يكن الأمر فقط طاعة لأمر الله سبحانه وتعالى ، وإلا لكانت الخصوصيات عبثية وحاشا الله سبحانه وتعالى من العبث ، فكون المسجود له آدم خصوصية يجب أن تلحظ بدقة ، كما إن أفضلية آدم (ع) على الملائكة وجهة أفضليته (ع) أيضاً مسالة يجب أن تلحظ لمعرفة الهدف من خلق الإنسان .

المسألة الأولى :

مسألة خلافة الله في أرضه ، وهنا مسألة يجب أن نعرفها وننطلق منها ، هي إن المستخلف : يجب أن يكون مؤهل لأداء الغرض الذي استخلف لأجله ، فالسؤال هو : ما هو الغرض من هذه الخلافة ؟ والجواب إن الغرض هو القيام بمقام الله سبحانه وتعالى في إدارة الأرض ، بما فيها من عباد الله سبحانه وتعالى ، من انس وملائكة وجن ، وما فيها من جسمانية وملكوت علوي وسفلي .

فإذا كان هذا هو الغرض فـ(ما هي المؤهلات)؟

ولمعرفة هذه المؤهلات اضرب هذا المثال ، فأنت إذا كان لديك مصنع تجيد إدارته من كل حيثية وجهة ، فهو يحتاج إلى معرفة كيفية الإدارة والعطلات وإصلاحها ، ويحتاج إلى شخصية قادرة على التعامل مع العمال في المصنع ، والآن إذا أردت أن تضع في مكانك شخص يخلفك في المصنع ، فأنت تختار صاحب الكفاءة والشخصية المؤهلة للتعامل مع العمال في المصنع ، وإذا كنت صاحب شخصية مثالية فانك ستختار شخص ذو شخصية مثالية أيضاً ، أو يقرب من ذلك ، لكي تكون حالة المصنع في حال إدارتك له وفي حال إدارة خليفتك واحدة .

ومن هنا فان الله سبحانه وتعالى عندما يستخلف خليفة عنه في أرضه فانه :- يجعل خليفته يتصف بصفاته سبحانه وتعالى ، لأنه القادر على كل شيء ، فيكون خليفته صورة له ، ووجهه في خلقه ، وأسماءه الحسنى ، قال رسول الله (ص) (إن الله خلق ادم على صورته)  ، وليكون الخليفة كذلك يجب أن يكون فانياً في أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته ، فيكون أمره أمر الله ، وفعله فعل الله وإرادته إرادة الله سبحانه وتعالى ، كما في الحديث القدسي (لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالفرائض (أي بالولاية لي) حتى يكون يدي وعيني وسمعي)  أي حتى يكون أنا في الخلق ، وكما في الحديث (إن روح المقرب تصعد إلى الله فيخاطبه الله سبحانه وتعالى فيقول : أنا حي لا أموت وقد جعلتك حياً لا تموت ، أنا أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون).

والآن نعود إلى الغرض من الخلافة فأقول :-
إذا كان الخليفة صورة لمن استخلفه ، وقائم بمقامه في أرضه ، وإذا كان صاحب الأرض غائب (أي غائب عن الإدراك والتحصيل وإلا فهو الشاهد الغائب) ، وإذا كان خليفته هو صورة له ، فتكون معرفة الخليفة هي معرفة من استخلفه الممكنة ، لأنه صورة له ، وهذا هو الغرض الحقيقي من الخلافة ، (المستبطن للغرض الأول وهو قيام الخليفة بمقام المستخلف) ، وهو المعرفة والعلم الحقيقي ، فبالأنبياء والرسل عُرف الله ، قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:56) أي ليعرفون .
وقال تعالى (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِم) (البقرة:33) ، فعلم ادم خليفة الله الملائكة وعرفهم بالأسماء الإلهية ، فالملائكة خلقوا من أسماء الله سبحانه ، وفي الزيارة الجامعة :
(السلام على محال معرفة الله )  .

خلقت لاعبد الله... أي لاعرفه

الانسان خلق ليعرف الله سبحانه وتعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)  اي ليعرفون.

فنحن نعبد لنعرف ولا خير في عبادة لاتقرب صاحبها إلى الله وبالتالي تزيده معرفة بالله سبحانه وتعالى . أي أن الإنسان خلق للكمال الروحي والإرتقاء الى أعلى مراتب هذا الكمال الممكن للإنسان إذن فالمهم والمنظور هو الروح لا الجسد المتعلق بهذا العالم المادي الجسماني والإنسان يكون خليفة الله سبحانه وتعالى بهذا المعنى أي إذا تكامل روحيا حتى يصبح صورة الله سبحانه وتعالى في خلقه فيكون خليفته حقاً ، ويوجد من يحاول جعل الإنسان خليفة الله فقط على الأجسام والطين مع أن الله لم ينظر إلى الأجسام منذ خلقها كما ورد عن رسول الله (ص) ، ويحاول هؤلاء الجهلة جعل هدف الإنسان المرجو بل والغرض من خلقه هو تحقيق التقدم المادي الجسماني.

بينما القرآن بين لنا العلاقة بين التقدم المادي الجسماني والتكامل الروحي هكذا (كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)  اي ان الغنى المادي والتقدم المادي داعٍ الى طغيان الإنسان وانحطاطه الروحي وهذا منظور اليوم في حياة البشرية على هذه الارض ، فالأرض لم تعرف فساداً وإفساداً وظلماً وطغياناً كما هو حاصل اليوم . وربما ينتفض بعض الناس الذين أنسوا هذا العالم المادي حيث أنهم يرون الكمال في التقدم المادي ، مع أنهم لو التفتوا لوجدوا هذا العالم المادي الجسماني يسير إلى الزوال بل هو في زوال مستمر فكل يوم يموت أُناس ويحيا آخرون بل سيأتي يوم يموت فيه الجميع ولايحيا أحد مكانهم (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)  والتقدم المادي الكبير اليوم يشير إلى قرب هذا الزوال (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

أما الأرواح فهي باقية ومصيرها الخلود في الجنة أو النار في النعيم أو الجحيم.

فيجب أن يلتفت الإنسان أنه جاء إلى هذا العالم المادي الجسماني ليخوض الإمتحان لاليبقى أو ليخلد فيه بل أن هذا العالم المادي الجسماني كله مصيره إلى الزوال والفناء نعم الله يحث المؤمنين على تحقيق التقدم المادي الجسماني ليتحقق لهم الغنى عن الكافرين والمنعة والعزة لصد المحاربين (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ)  ولكن يجب أن يكون هذا التقدم المادي نابعاً ومرافقاً لإيمان حقيقي ومسيرة تكامل روحي مستمرة للمؤمنين.

لكي لايكون صاداً لهم عن ذكر الله والإنصياع لأمر الله سبحانه وتعالى بل هو إذا كان كذلك فسيرافقه توفيق إلهي عظيم (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)  ، فالله سبحانه وتعالى عندما يذيق من يرجو إيمانهم وتقواهم نقصاً في الثمرات والبركات يرحمهم بهذا لأنه يدفعهم إلى الإيمان والتقوى حيث أن الضعف والفقر داعٍ للتوجه إلى الله في الحديث القدسي (ياابن عمران إذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحبا بشعار الصالحين).

أما إذا آمن أهل الأرض واتقوا الله فماذا يفعل الله بعذابهم وأي نفع له سبحانه في نقص ثمراتهم وبركة أرضهم وأعمالهم بل هو وعدهم ( لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ).

إذن يجب أن يكون سعي وحركة الإنسان تجاه التكامل الروحي والإيمان الحقيقي أما التقدم المادي الجسماني فأيضاً يسعى له الانسان من منظار التكامل الروحي أي أن يكون السعي للتقدم المادي طاعة لله ولتحقيق إرادة الله على هذه الأرض من نشر التوحيد والرحمة والعدل .

من عرف خلفاء الله (من الانبياء والاوصيــــاء) عرف الله

أول ما خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان قال (لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)
وهذا الخليفة الأول في هذه الأرض هو نبي الله آدم (ع). ولم تنقطع هذه الخلافة فيما مضى ولا تنقطع إلى يوم القيامة.

وكما انقسم الملائكة إلى مقر بهذه الخلافة ومنكر جاحد كافر بكلمة الله كذلك عاد الأمر الأول ليتكرر كل مرة على هذه الأرض لينقسم الناس على هذه الأرض إلى قسمين ، قسم اتبع المنكر الأول (إبليس) للأمر الأول وقسم اتبع المقرّين الأوائل (الملائكة) للأمر الأول ، هذه هي كلمة الله العليا التي تتكرر في كل زمان فينقسم الناس إلى مقر بها ومنكر لها.

خليفة الله في أرضه هو كلمة الله فمن أقره كان من الموحدين ومن أنكره كان من المشركين .

هكذا وببساطة وبدون أي تعقيد . ففي كل زمان يوجد موسى وعيسى ومحمد والحسين (ع) بل كل الأنبياء والأوصياء متمثلين في شخص خليفة الله في أرضه فمن أنكر خليفة الله في أرضه فهو منكر لموسى (ع) وإن ادعى أنه يهودي ومنكر لعيسى وإن ادعى أنه مسيحي ومنكر لمحمد وإن ادعى أنه مسلم ومنكر للحسين وإن ادعى أنه من شيعة الحسين بن علي (ع)…… والتوحيد يكون بمعرفته فبهم يعرف الله

فمن عرف خلفاء الله عرف الله

ومن أنكرهم أنكر الله

ومن جهلهم جهل الله سبحانه وتعالى

لأنهم أسماء الله الحسنى ووجه الله ويد الله سبحانه وتعالى .

والـــــيوم؟

نبي الله ورسوله إيليا (ع) مرفوع ولم يمت إلى الآن ويعمل في الأرض أعمال كثيرة لله سبحانه وتعالى ، ولكن لا يراه أهل الأرض لأنهم عميان ، وان كانت عيونهم مفتوحة ، وأيضا نظير إيليا (ع) الخضر (ع) وهو أيضا مرفوع ، وله أعمال بأمر الله سبحانه في الأرض . وعيسى (ع) كذلك مرفوع ، وله أعمال بأمر الله سبحانه في الأرض . والإمام المهدي (ع) محمد بن الحسن (ع) كذلك وله أعمال بأمر الله سبحانه في الأرض .

وفي بداية رفع عيسى (ع) أرسل أوصياءه ورسل من عنده لتثبيت الحق الذي جاء به من عند الله سبحانه ونشر دين الله في أرضه ، ومن هؤلاء شمعون الصفا أو كما هو اسمه في الإنجيل ( سمعان بطرس ) وكذلك يوحنا البربري أو كما هو في الإنجيل يوحنا اللاهوتي ثم إن الرسالة من عيسى (ع) انقطعت ولا يعني انقطاعها فترة من الزمن انقطاعها إلى الأبد فلا يوجد دليل عقلي أو نقلي يؤيد هذا الغرض بل الدليل على عكسه وهو إرسال عيسى (ع) من يمثله إذا حان وقت عودته واقتربت القيامة الصغرى وستجدون على هذا الموقع الدليل إنشاء الله .

أما بالنسبة للإمام المهدي (ع) فقد أرسل سفراءه الأربعة في غيبته الصغرى التي استمرت ما يقارب السبعين عاماً ثم انقطعت السفارة والإرسال من الإمام المهدي (ع) ، وأيضا لا يدل انقطاعها فترة من الزمن انقطاعها إلى الأبد ، بل الدليل على إرساله رسولاً عنه (ع) يمثله إذا اقترب قيامه وحان وقت القيامة الصغرى ووستجدون على هذا الموقع الدليل إنشاء الله.

والآن هؤلاء الأربعة (ع) أي الخضر وإيليا وعيسى ومحمد بن الحسن المهدي (ع) هل هو واحد أم انهم مفترقين ؟

والحق إن أمرهم واحد  وهم متحدين وغير مفترقين ولا اختلاف بينهم. لان ربهم واحد ودينهم واحد وهو التسليم لله سبحانه وجميعهم يدعون لله وبأمره يعملون والحق الذي يدعون إليه واحد وغايتهم واحدة وهي القيامة الصغرى وهدفهم وغرضهم واحد وهو نشر القسط والعدل والتوحيد وعبادة الله في هذه الأرض من حيث يريد سبحانه وتعالى فهم متحدين لا اختلاف بينهم ويطلبون غاية واحدة وهدف واحد وربهم والههم واحد فلا بد أن يكون الرسول منهم جميعاً واحد وهو أيضا رسول من الله لأنهم بأمر الله يعملون فمن يمثلهم يمثل الله ومن يخلفهم في الأرض يخلف الله سبحانه لأنهم خلفاء الله في أرضه .

ويرسلون رسولاً عنهم (ع) إذا حان وقت القيامة الصغرى ودولة العدل الإلهي.

المصلح المنتظر لماذا ؟!!

1- الدين :-

آ- الله سبحانه وتعالى :

قال تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (الذريات:56)

وفي الرواية عنهم (ع) أي ليعرفون فأهم مهمة للمصلح المنتظر (ع) هي أن يعّرف الناس بالله سبحانه وتعالى ويسلك بهم إلى الله فهو دليل الله سبحانه وحجته على عباده .

ب- الرسل (ع) :

المهمة الثانية للمصلح المنتظر هي أن يعرف الناس بالرسل (ع) ويبين مظلوميتهم وأنهم خلفاء الله في أرضه المدفوعين عن حقهم والمغصوبين إرثهم .

ج- الرسالات :

المهمة الثالثة للمصلح المنتظر (ع) هي أن يعرف الناس بالرسالات السماوية والشرائع الإلهية وينفي عنها التحريف والباطل ويظهر ألحق والعقيدة التي يرضاها الله سبحانه وتعالى والشريعة التي يرضاها الله سبحانه .

وبالنتيجة فإن أهم ما يأتي به المصلح المنتظر (ع) لإصلاح الدين هو العلم والمعرفة والحكمة (ويعلمهم الكتاب والحكمة ) وقد ورد في الحديث عن الصادق (ع) (( العلم سبعة وعشرون حرفاً فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً )) بحار الأنوار ج 52 .

2- الدنيا :-

المصلح المنتظر كما يقول جميع أصحاب الديانات السماوية هو الذي يملأها قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً ( أي الدنيا ) وهذا الحديث مشهور عند المسلمين فقد ورد عن رسول الله (ص) وعن أهل بيته (ع) ورواه السنة والشيعة . فما هي الأمور التي تحتويها حاكمية الله حتى تكون سبباً لامتلاء الأرض قسطاً وعدلاً ؟ وقبل أن أبحث في هذا المقام المهم أريد أن أبين أمر لا يقل أهمية عنه بل ويبين الحاجة للبحث في هذا المقام وهو أننا كمسلمين شيعة وبناءً على ما ورد عن الرسول (ص) وأهل بيته من علامات ظهور وقيام المصلح المنتظر متفقين على أن هذه الأيام هي أيام ظهوره وقيامه (ع) وطبعاً لا يهمنا رأي من يتخبط العشواء وهو لم يطلع على الروايات ثم إن المسيحيين في العالم أيضاً يعتبرون هذه الأيام هي أيام ظهور وقيام المصلح المنتظر (ع) وهو عندهم عيسى (ع) بل أني قرأت كتاب لقس مسيحي كتبه في منتصف القرن الماضي يعتبر فيه أن إرهاصات الظهور والقيامة الصغرى قد بدأت في الملكوت , أما بالنسبة لليهود فهم يعتبرون هذه الأيام هي أيام القيامة الصغرى بل كثير من أحبارهم يقطعون أن هذه الأيام هي أيام عودة إيليا (ع) وظهور المصلح العالمي وقبل أيام ليست ببعيدة قام جماعة منهم بإلقاء منشورات بالطائرات على المسلمين في فلسطين يطالبونهم بمغادرة الأرض المقدسة لان الوقت قد حان لقيام الساعة الصغرى وأن هذه الأيام هي الأيام الأخيرة وبعدها لن يبق في الأرض المقدسة إلا الصالحون ، وبحسب اعتقاد اليهود أنهم هم الصالحون . فإذا كان الأمر كذلك تبين أن جميع المتدينين المتمسكين بما ورد أو صح وروده عندهم عن الأنبياء (ع) يقرون أن هذه هي أيام القيامة الصغرى وظهور المصلح العالمي المنتظر (ع) . فإذا كانت هذه أيام ظهوره وهو يملئ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً تبين لنا أن الدنيا هذه الأيام ممتلئة ظلماً وجوراً . وهنا يرد سؤالان ، الأول : بماذا ملئت الدنيا ظلما وجورا ؟ وقد تبين جوابه فيما مضى وسأشير إليه فيما يأتي والثاني : بماذا تمتلئ قسطاً وعدلاً ؟ وهذا ما أريد الشروع في بيانه , وطياً أسطر بعض ما في حاكمية الله سبحانه وتعالى من أمور تجعلها سبباً لملئ الأرض عدلاً .

1- القانون (( الدستور العام وغيره )) :- الذي يضع القانون هو الله سبحانه وتعالى وهو الخالق لهذه الأرض ومن عليها ويعلم ما يصلح أهلها وسكانها من إنس وجن وحيوانات ونباتات وغيرهم من المخلوقات التي نعلمها ولا نعلمها ويعلم الماضي والحاضر والمستقبل وما يصلح الجسم والنفس الإنسانية وما يصلح الجنس الإنساني ككل فالقانون يجب أن يراعي الماضي والحاضر والمستقبل والجسم والنفس الإنسانية ومصلحة الفرد ومصلحة الجماعة ومصلحة باقي المخلوقات بل يجب أن يراعي حتى الجماد كالأرض والماء والبيئة ...الخ ومن أين لغير الله سبحانه وتعالى أن يعرف تفاصيل كل هذه الأمور مع أن كثير منها غائب عن التحصيل والإدراك أي لا يمكن العلم به ومعرفة صفاته ..الخ ثم لو فرضنا أن أحد ما عرف كل هذه التفاصيل فمن أين له أن يضع قانون يراعي كل هذه التفاصيل مع أن بعضها يتناقض في أرض الواقع فأين تكون المصلحة ؟ وفي أي تشريع ؟ من المؤكد أنها لن تكون إلا في القانون الإلهي والشريعة السماوية لأن واضعها خالق الخلق وهو يعلم السر وأخفى وهو قادر أن يجري الأمور كيف يشاء سبحانه وتعالى عما يشركون .

2- الملك أو الحاكم : - لاشك إن القيادة كيفما كانت ضمن نطاق حاكمية الناس دكتاتورية أو ديمقراطية أم ضمن نطاق حاكمية الله سبحانه وتعالى فهي تؤثر تأثير مباشر في المجتمع الإنساني لأن المجتمع مقهور على سماع هذه القيادة على الأقل فطرياً لأن الإنسان مفطور على إتباع قائد معين من الله سبحانه وتعالى ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) وهذا القائد هو ولي الله وخليفته في أ رضه فإذا دُفع ولي الله عن حقه وتشوشت مرآة الفطرة الإنسانية بغبش هذه الحياة الدنيا قبل الإنسان بأي قيادة بديلة عن ولي الله وحجته على عباده ليسد النقص الواقع في نفسه وأن كانت هذه القيادة البديلة منكوسة ومعادية لولي الله في أرضه وحجته على عباده فالإنسان  عادة يستمع للقيادة المتمثلة بالحاكم ولن تكون القيادة إلا أحد أمرين أما ولي الله وحجته على عباده وهو الحاكم المعين من الله سبحانه وتعالى وإما غيره سواء كان دكتاتوراً متسلطاً بالقوة الغاشمة أم منتخباً انتخابات ديمقراطية حرة , والحاكم المعين من الله سبحانه وتعالى ينطق عن الله لأنه لا يتكلم إلا بأمر الله ولا يقدم ولا يؤخر شيء إلا بأمر الله , أما الحاكم المعين من الناس أو المتسلط عليهم فهو لا ينطق عن الله سبحانه وتعالى قطعاً , وقد قال رسول الله (ص) مامعناه ( من أستمع الى ناطق فقد عبده فأن كان الناطق ينطق عن الله فقد عبد الله وأن كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان ) فلا يوجد إلا ناطق عن الله وناطق عن الشيطان لا ثالث لهما وكل حاكم غير ولي الله وحجته على عباده ناطق عن الشيطان بشكل أو بآخر وكل بحسبه وبقدر الباطل الذي يحمله . وقد ورد عنهم (ع) هذا المعنى ( إن كل راية قبل القائم هي راية طاغوت ) أي كل راية صاحبها غير مرتبط بالقائم (ع) . إذن فالحاكم المعين من الله سبحانه وتعالى ينطق عن الله والحاكم غير المعين من الله سبحانه وتعالى ينطق عن الشيطان ومن المؤكد أن الناطق عن الله يصلح الدين والدنيا والناطق عن الشيطان يفسد الدين والدنيا .

بقي إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما في النفوس ويعلم الصالح من الطالح، فهو يختار وليه وخليفته ويصطفيه ولا يكون إلا خيرته من خلقه وأفضل من في الأرض وأصلحهم وأحكمهم وأعلمهم ويعصمه  الله من الزلل والخطأ ويسدده للصلاح والإصلاح .

أما الناس فإذا عارضوا تعيين الله سبحانه وتعالى فلن يقع اختيارهم إلا على شرار خلق الله بل إن في اختيار موسى (ع) وهو نبي معصوم لسبعين رجلاً من قومه أعتقد صلاحهم ثم ظهر وبان له فسادهم عبرة لمعتبر، وذكرى لمدكر، وآية لمن ألقى السمع وهو شهيد .

3- بما أن القانون والحاكم في حاكمية الله سبحانه يتمتعان بالكمال والعصمة فعلى هذا يترتب صلاح أحوال الناس السياسية الاقتصادية والاجتماعية , وهذا لأن جميع هذه الجوانب في حياة الناس تعتمد على القانون والحاكم لأن القانون هو الذي ينظمها والحاكم هو الذي ينفذ فإذا كان القانون من الله سبحانه كان التنظيم لهذه الجوانب هو الأفضل والأكمل وإذا كان الحاكم هو ولي الله وخليفته في أرضه وخيرته من خلقه، كان التطبيق للقانون الإلهي كامل وتام وفي أحسن صورة .

وبالنتيجة فإن الأمة إذا قبلت حاكمية الله في أرضه فازت بخير الدين والدنيا وسعد أبناءها في الدنيا والآخرة وبما أن الأمة التي تقبل حاكمية الله في أرضه يرتفع من أبناءها خير ما يرتفع من الأرض إلى السماء وهو تولي ولي الله والإخلاص له فإنه ينزل عليها خير ما ينزل من السماء الى الأرض وهو التوفيق من الله سبحانه وتعالى وتكون هذه الأمة من خير الأمم التي أخرجت للناس لأنها قبلت ولي الله وخليفته في أرضه . ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (الأعراف:96)

وتتفاضل الأمم على قدر قبولها لخليفة الله في أرضه والانصياع لأوامره .

ومن  هنا كانت الأمة التي تقبل الإمام المهدي (ع) هي خير أمة أخرجت للناس ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر ) (آل عمران: من الآية110) . وهؤلاء هم الثلاث مائة وثلاثة عشر أصحاب القائم ومن يتبعهم .

أما إذا رفضت الأمة ولي الله وخليفته في أرضه فإنها تكون ارتكبت أكبر حماقة وخسرت الدنيا والآخرة ففي الدنيا ذل وهوان وفي الآخرة جهنم وبئس المهاد .

وما أريد أن أؤكد عليه أخيراً هو أني لا أعتقد أنه يوجد من يؤمن بالله سبحانه وتعالى ثم إنه يعتقد أن القانون الذي يضعه الناس أفضل من قانون الله سبحانه وتعالى و أن الحاكم الذي يعينه الناس أفضل من الحاكم الذي يعينه الله سبحانه وتعالى .. والحمد لله وحده ..

( وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) ( الفرقان 41 - 42 )

 

كتب الإمام أحمد الحسن للتحميل

  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • 1
  • 2