raya

تحميل الكتاب بي دي اف

إصدارات أنصار الإمام المهدي (ع) / العدد (1- أ)

العِجْــل
 (الجزء الأول)

المذنب المقصر
أحمد الحسن

طبعة محققة

الطبعة الثالثة
1431هـ - 2010 م

لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن (ع)
يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي :
www.almahdyoon.org

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
أنصار الإمام المهدي (ع)
صوت مدوٍ وصرخة لابد أن تمر بها الدعوة الإلهية، صوت هدم وبناء، بيان وعمل، لابد أن يقوم داعية الله بها، يقوم بالهدم والتحرّك ضد قوى الضلالة، لابد من نسف العجل؛ ولذا كانت الدعوة السرية لحركة أنصار الإمام المهدي (ع) - أعني حركة ناصر آل محمد ويمانيهم السيد أحمد الحسن (ع) - تتطلب منه العمل على تحطيم العجل؛ ليتسنى للمجتمع بعدها العودة إلى جادة الحق.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ ([1]).
ولذا بادر (ع) إلى كتابة كتاب العِجل، ومن ثم كان أول إصدارات أنصار الإمام المهدي(ع)، وهو دعوة موجهة إلى هذا المجتمع المُعرِض كل الإعراض عن محمد وآل محمد (ع)، فما زال الرجل يدعوهم ليلاً ونهاراً، جهراً وإسراراً، حتى أعذر فيهم.
هذا وقد نشره السيد (ع) مخطوطاً في فترة الدعوة السرية بين طلبة النجف الأشرف؛ إذ رفض أصحاب المطابع طباعته؛ لما امتاز به من تحطيم العِجل كيفما كان، وأينما حل، سواء في هذا الحكام الفراعنة الفجرة أو فقهاء الدين الخونة.
ويستطيع القارئ أن يلتمس الأمر العظيم في الكتاب - أي إنّ السيد مرسل من الإمام المهدي(ع) - من خلال الآية التي ساقها السيد في ختام المقدّمة، حيث أورد التحصين ثم الآية القرآنية الكريمة، فقال:
(تحصنت بذي الملك والملكوت، واعتصمت بذي القدرة والجبروت، واستعنت بذي   العزة واللاهوت، من كل ما أخاف وأحذر، وبمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي و محمد و علي والحسن ومحمد (ع)، والحمد لله وحده).
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾([2]).
فيا من تدعون الولاية لعلي بن أبي طالب وأبنائه (ع)، بم عرفتم حق علي بن أبي طالب؟!
أرجعوا لأنفسكم وانظروا في الأدلة التي تحتجون بها على غيركم من أبناء العامة؟! أليست هي بعينها التي رفعها السيد أحمد الحسن (ع).
إنّ للرجل حقاً عظيماً، انظروا الأحاديث التي تكلمت عنه، ومنها حديث الأصبغ بن نباته في حديثه مع أمير المؤمنين (ع)، فعلي وهو علي شغلته هذه الشخصية حتى أخذت لبه، وأجال فيها ذهنه، أنصت للحديث وتدبره جيداً فإنّك مسؤول عنه يوم القيامة.
قال الأصبغ بن نباته: أتيت أمير المؤمنين علياً (ع) ذات يوم فوجدته مفكراً ينكت في الأرض، فقلت: (يا أمير المؤمنين تنكت في الأرض أرغبة منك فيها؟ فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا ساعة قط، ولكن فكري في مولود يكون من ظهر الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، تكون له حيرة وغيبة، يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون، فقلت: يا أمير المؤمنين فكم تكون تلك الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين، فقلت: إنّ هذا لكائن؟ فقال: نعم كما أنه مخلوق، قلت: أدرك ذلك الزمان؟ فقال: أنى لك يا أصبغ بهذا الأمر، أولئك خيار هذه الأمة مع أبرار هذه العترة، فقلت: ثم ماذا يكون بعد ذلك؟ قال: يفعل الله ما يشاء، فإنّ له إرادات وغايات ونهايات) ([3]).
فعاودوا رشدكم وتفكّروا فإنّ تفكر ساعة خير من عبادة ألف عام.
فأين يراد بكم، بل أين تذهبون، كيف بكم غداً في ساحة العرض على الإمام المهدي (ع) في القيامة الصغرى، وما الجواب الذي تجيبونه به؟ كيف بكم عند الحسيب الرقيب يوم القيامة الكبرى، وما الحجة لديكم؟! أتقولون لم يصلكم حديث أهل البيت فيه! أم تقولون إنهم لم يصفوه أو يسموه! أم إنّه لم يدع إلى كتاب الله وسنة الأطهار من آل بيته (ع)! أم تقولون أنّه لم يبلغ البلاغ التام ولم يخبر عن نفسه!
بم تعتذرون حينما يعيد عليكم ما قاله اليوم: (ووالله لولا أنّ الله كتب على المؤمنين إنكار المنكر، ولولا أني اطلعت على كثير من الحقائق التي ملأت كبدي قيحاً، سواء من الحكام المفسدين أم من علماء السوء الفاسدين - ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾([4]) - لألقيت حبلها على غاربها، ولما اخترت هذه المواجهة الدامية، مع ألوف مؤلفة مسلحة، بكل أنواع الأسلحة المادية والعسكرية والإعلامية).
نعم فإنّ رسول الله (ص) بلغ بأوصيائه إلى قيام الساعة، ولكن لابد من التمحيص. وكما قال سيدي ومولاي في هذا الكتاب: (هذا والنبي (ص)لم يترك المسلمين في حياته دون أن يوجههم إلى القيادة من بعده، وإلى الأوصياء من ولده (ع) حيث أمره الله سبحانه بذلك. ولكن لابد من الفتنه للتمحيص، ولابد من السامري، ولابد من العجل).
وفي الختام أقول: إنّ هذا الكتاب صرخة بوجه الأمة أن عودي لرشدك وانتبهي لأمرك، وارجعي لكتاب الله وسنة نبيه لتحظي بعيشة السعداء وميتة الشهداء كما ضمن الرسول (ص) لنا ذلك، ودعي فراعنة الزمان من حكام خونة وفقهاء فسقة فـ مع الأسف كثيرون يعدون أنفسهم علماء مع أنّهم لا يحسنون تفسير سورتين من القرآن الكريم، على ما ورد عن آل محمد (ع). ولم يقرؤوا إلاّ اليسير من روايات المعصومين (ع) مقتصرين على بعض الروايات الفقهية في الغالب. فبماذا يعدون أنفسهم علماء، أبالمنطق الذي وضعه أرسطو قبل آلاف السنين، وربما يوجد من الملاحدة من هو أعلم به منّا، أم بالمجادلات والإشكالات المنطقية وغيرها الخالية من ثمرة علمية أو عملية، ولا تعدوا كونها ترفاً علمياً وضياعاً للوقت؟!! ألسنا نروي عن رسول الله (ص) ما معناه: (إنّ المرء يحاسب عن عمره فيما أفناه) ([5]).
والحمد لله أولاً وأخراً، وظاهراً وباطناً
خادم الأنصار الأحقر
ضياء الزيدي

هذه الطبعة
بلطف الله وعنايته تفضل علي سيدي ومولاي السيد أحمد الحسن وصي ورسول الإمام المهدي (ع) متكرماً عليّ بان أقوم بمهمة تصليح كتاب العجل؛ وذلك لاحتواء طبعته الأولى على أخطاء مطبعية كثيرة جداً، وهذه الأخطاء غيرت المعاني كثيراً، بل إنّ هناك مواضع حذفت فيه آيات قرآنية، أو روايات، وقد يصل النقص في الطباعة إلى سطر أو عدة أسطر مقارنة بالنسخة الخطية.
والحمد لله تم تصليح ما أمكن تصليحه، سائلاً الله أن تكون هذه الطبعة قليلة الأخطاء. وتم تغير الكتاب شكلاً، فبدلاً من أن يكون كتاباً واحداً يحتوي على جزئيين كما هو الحال في الطبعة الأولى، أصبح كتابين كل جزء كتاب منفصل، وأسال الله العلي القدير أن يتقبل منا هذا العمل القليل، وأساله سبحانه وتعالى أن يثبتنا مع رسول الإمام المهدي ووصيه وخليفته وولده حتى نتمكن من الثبات بين يدي الإمام (ع).
 (اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم اعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ظللت عن ديني).
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ آل عمران: 53.
السيد صالح الموسوي

الإهــداء
إلى حملة كلمة لا إله إلا الله ...
إلى من حملوا أكفانهم وساروا إلى الله ...
إلى الأنبياء والمرسلين والأئمة عليهم السلام ...
أيها السادة الكرام
هذا المسكين يهديكم السلام ويهديكم هذه البضاعة المزجاة
ويقول وقلبه مفعم بتوحيد الله والتسليم لكم
لقد مسنا وأهلنا الضر فتصدقوا علينا أن الله يجزي المتصدقين
أحمد الحسن
27 شوال 1421 هـ . ق

 
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وصلى الله على محمد وآل محمد المعصومين، وصلى الله على مسك الختام نور الله وبقيته في أرضه (روحي فداه).
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾([6]).
في قصص الأنبياء السابقين وأممهم التي اتبعتهم تارة واتبعت السامريين تارة أخرى، ونصرت الأنبياء مرّة وخذلتهم ونصرت الطواغيت مرّات، عبرة لمعتبر، وذكرى لمدّكر.
فالبحث فيها ضروري، والمرور من خلالها إلى ما حصل بعد وفاة النبي (ص) من تنحية الوصي(ع) والاستيلاء على السلطة - وما جرّه هذا الحدث على الأمة من مآسي، لا نزال نعاني منها إلى اليوم أشد العناء - يساعد على فهم ما حدث بعد وفاة النبي (ص) سواء مع أمير المؤمنين(ع)، أم مع ولده المعصومين (ع)الذين عانوا من الطواغيت المتسلطين على دفة الحكم بالقوة الغاشمة، كما عانوا الأمرين من السامريين أئمة الضلال، الذين حاولوا دائماً حرف الشريعة واستخفاف المسلمين.كما أنّ النظر إلى حالنا اليوم من خلال قصص الأنبياء السابقين وأممهم يساعد على قراءة المستقبل المرتقب فيه ظهور خاتم الأوصياء المهدي (ع)، وما سيلاقيه سواء من الطواغيت الذين سيستخفون المسلمين ويقاتلونه كالسفياني، أم من السامريين (علماء السوء غير العاملين).
ولهذا ارتأيت أنا المسكين قليل العمل كثير الزلل، أن أكتب هذا البحث لعله يكون واقية لبعض المؤمنين من التردي في الهاوية. فالوقاية خير من العلاج، بل إنّ الوقوف مع السفياني أو علماء السوء الذين سيقاتلون المهدي (ع) لا علاج له إلاّ شرب الحميم ومعالجة الأغلال في الجحيم. ولعله يكون حافزاً لبعض المؤمنين للعمل على تهيئة الأرضية الملائمة لإقامة دولة لا إله إلاّ الله على الأرض، دولة الإمام المهدي (ع)، والحق والعدل في وقت خيّم فيه الظلم على كل بقعة في هذه الأرض. فالطاغوت الأمريكي يُضيّق الخناق يوماً بعد يوم على الشعوب المستضعفة، ويسير بأهل الأرض نحو الهاوية، والطواغيت المتسلطون على الشعوب الإسلامية إذا لم يكونوا عبيداً لهذا الطاغوت الذي لم يعرف له تاريخ الإنسانية على الأرض مثيلاً، فهم يشتركون معه بعبادة الشيطان، والشعوب الإسلامية التي هي أكثر الشعوب استضعافاً في العالم، تعاني الأمرّين:
أولاً: من مطارق الطاغوت الأمريكي والطواغيت المتسلطين عليها.
وثانياً: من الطواغيت الموجودين داخل الإطار الإسلامي، - أعني بعض علماء الدين غير العاملين الذين يدّعون تمثيل الإسلام - بل لعل بعضهم أستخف هذه الشعوب ووجد له كثيراً من الأتباع؛ ليعلمهم السكون والخضوع والاستسلام للطواغيت، وبالتالي القهر والجوع والذل.
فهي أذن حرب مستمرة في الخارج والداخل. عدو كافر يضرب باستمرار، ومنافق ينخر في الداخل، فرعون والسامري، بيلاطس وعلماء بني إسرائيل غير العاملين.
فمن جانب طاغوت يشن حرباً لا هوادة فيها ضد الدين: تلفزيون يعرض آيات من القرآن الكريم ثم بعد قليل أغاني ونساء شبه عاريات ومسلسلات الغرض منها تفكيك البنية الإسلامية للمجتمع، أو قل ما بقي من البنية الإسلامية للمجتمع أن تحلق اللحية وتطيل الشارب كما يفعل المجوس في العصور الغابرة، هذا هو الإسلام في نظر هؤلاء!! وكل من يقول لا إله إلاّ الله يُقتل وتُسبى نساؤه، وتهدم داره!! والطامة الكبرى أنّ بعضهم يدّعون أنّهم عرب، ويفعلون هذا باسم العروبة، وهم يعتدون على النساء وينتهكون الأعراض، وسجونهم مليئة بالنساء والأطفال.
والحال أنّ العربي شريف، إذا عادى يعادي الرجال ولا يعتدي على النساء، فأي عروبة يدعون هؤلاء الغجر، بقايا المغول والتتر!! لقد سودوا وجه الإنسانية، وارتكبوا جرائم وفضائح يندى لها جبين فرعون ونمرود (لعنهم الله) صاحبي موسى وإبراهيم (عليهما السلام).
وفي الجانب الآخر السامري (العالم غير العامل) الذي يحاول حرف الشريعة، ولا يكلف نفسه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله باللسان، بل واليد إن أمكن، متـناسياً أنّ رسول الله (ص) قال ما معناه: (لتأمرون بالمعروف ولتنهُنَّ عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم ثم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم) ([7]).
وهل يوجد أشر من الطواغيت المتسلطين على الأمة الإسلامية اليوم؟ إنّ النتائج موجودة فحتماً إنّ المقدّمات كانت موجودة، ولا تزال إلى اليوم.
إذن فسبب التسلط الطاغوتي على المجتمعات الإسلامية اليوم هو: ترك هذه المجتمعات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وسبب ترك هذه المجتمعات لهذا الواجب هو: أنّ العلماء غير العاملين تاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (إذا فسد العالِم فسد العالَم).
حتى ترسخت اليوم في نفوس كثير من المسلمين جذور الذل والخضوع والاستسلام للطاغوت، وحب الدنيا وحب الحياة، والخوف من الموت بشكل غير طبيعي. وأصبحوا يرون الحياة مع الذل خير من الموت مع العز، وهكذا ينكس الإنسان ويمسي يرى المقاييس مقلوبة، وهذا هو أقصى ما يريده الشيطان (لعنه الله)، أن تبقى الشعوب الإسلامية المستضعفة ساكنة بين المطرقة والسندان، أو قل بين فرعون والسامري، بين طاغوت يفسد ويقتل وينهب وعالم دين (غير عامل) لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، وخلف الستار أصابع الطاغوت الأمريكي تحرك الخيوط يميناً وشمالاً، وهكذا لا يبقى من الإسلام إلاّ إسمه.
إنّ واجب العلماء اليوم هو التصدي لإصلاح الأمة الإسلامية، واجبهم هو حمل ثقل الرسالة التي تصدوا لحملها. أنتم يا طلبة العلوم الدينية، ويا علماء الإسلام - الشيعة والسنة - هـل تعتقدون أنّ كل ما أنتم مكلفون به هو تحصيل العلوم العقلية والنقلية دون العمل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضمن تكليفكم الذي هو إصلاح الأمة وتبليغ وإنذار أبنائها، والجهاد في سبيل الله بالغالي والنفيس؟!
إذا كنتم تعتقدون هذا فالحق أقول لكم: إنكم مخطئون.
إنّ تحصيل العلوم العقلية والنقلية ليس بعسير، ولكن أن تعطي طعامك ثلاثة أيام لِأسير وابن سبيل ومسكين وتطوي جائعاً. كما فعل الإمام علي (ع) هو الأمر العسير([8]). أن تعيش حياتك من أجل إسعاد الناس ورفع الحيف والظلم عنهم هو الأمر العسير، أن تعطي في سبيل الله كما أعطى الإمام الحسين (ع) هو الأمر العسير.
السلام عليك يا أبا عبد الله، بأبي أنت وأمي أعطيت كل شيء ولم تبقِ حتى الطفل الرضيع والنساء، لم تبق لمتخاذل حجة.
أيها السادة إذا اقتصرتم على تحصيل العلوم وعباداتكم، فأنتم بذلك تكونون قد أعطيتم للطواغيت كل ما يريدون، أن يحولونكم إلى عباد لا علماء، بل إنّ صفة العابد لا يمكن أن تخلع على العالم الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر، هذا وإن المعنى الذي ورد عن المعصومين(ع) أنّ العالم أفضل من سبعين عابد؛ وذلك لأنّ العالم همه خلاص الناس والعابد همه خلاص نفسه.
روي عن الإمام الصادق (ع): (الراوية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد)([9]).
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾([10]). لينذروا قومهم، لا ليناموا .. أو ينذروا فرداً أو فردين. فإذا كان همكم أيها السادة خلاص أنفسكم فلا تقولوا إننا طلبة علوم دينية أو علماء، ولا تلبسوا ملابسهم لتخدعوا الناس. لا تكونوا ذئاباً ترتدي جلود حملان، كما هو حال الكثيرين اليوم، فهذا ليس موضعاً لطلب الدنيا، وليس هذا موضعاً لتـنفيس الشهوات وقضاء الوطر، هذا موضع حمل ثقل رسالة الأنبياء والمعصومين (ع) فكونوا على حذر، وإلاّ فهو خسران الدنيا والآخرة.
قال عيسى (ع): (مثل علماء السوء مثل صخرة وقعت على فم نهر، لا هي تشرب ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع) ([11]).
في عام 1971 عندما كان السيد الخميني (رحمه الله ) في النجف الأشرف وكان تلاميذه ينتظرون منه درساً في تهذيب النفس، بدأ السيد بالقول: ( إنني أشعر بأنّ التكليف أن أذكّر السادة في بعض المناسبات بما يتعلق بمصائب المسلمين … ثم قال: والآن هل تريدونني أن أتحدث عن الأخلاق؟! إننا لن نكون مهذبين ما لم نفكر بهذه الأحوال ولو كنا مهذبين لفكرنا بالأوضاع).
فللعلماء غير العاملين أقول: اعرضوا عملكم على سيرة الأنبياء والمرسلين، والحمد لله في القرآن الذي بين أيدينا اليوم ما يكفي من قصصهم (ع)، وستجدون أنّ سيرتكم مخالفة لهم تماماً، فأمّا أن تسيروا بسيرة الأنبياء والمرسلين، و أمّا أن تتـنحوا عن هذا الطريق، فلا تكونوا قطّاع الطريق إلى الله كما قال أمير المؤمنين (ع).
وأقول لكم ما قاله عيسى (ع) لعلماء اليهود غير العاملين المتكبرين: (الويل لكم أنتم تغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس، فلا أنتم تدخلون ولا تتركون الداخلين يدخلون) ([12]).
أفيقوا قبل أن تبسل نفس بما كسبت، وقبل أن يأتي يوم تقولون يا حسرتنا على ما فرطنا في جنب الله.
إنّ جذور الإسلام والمسلمين تتعرض اليوم للإبادة، ثم تريدونني أن أجلس وأتحدث عن تهذيب النفس؟!
أفيقوا قبل أن يخرج سيف ابن فاطمة (ع)من غمده، وعندها ستـندمون على أفعالكم التي وضعتكم اليوم في الخندق المقابل له، أفيقوا واعترفوا بخطئكم الفاحش، فالعار أولى من دخول النار.
وفي ذات الوقت فإني أشد على يد العلماء العاملين المجاهدين الزاهدين في الدنيا، الذين يدلك ظاهرهم على باطنهم، والذين يعملون ليلاً ونهاراً لنشر كلمة: (لا إله إلاّ الله)، ونشر العدالة في المجتمع الإسلامي. ومع أنّهم شرذمة قليلون كما قال الإمام الصادق (ع) ([13]).
إلاّ أنّ الله سيبارك عملهم ويجعل فيه الخير الكثير إن شاء الله، فلا تهنوا ولا تنكلوا وأنتم الأعلون إن شاء الله، طوبى للمعروفين في السماء، المجهولين في الأرض مع كثرة عملهم وقلة ذات يدهم. أسأل الله أن يجعلني من خدمهم، وأن يحشرني في زمرتهم، مع كثرة جهلي وقلة علمي وقليل عملي بفضله ورحمته وعطائه الابتداء.
هذا وما أردت إلاّ الإصلاح ما استطعت، متوسلاً بالحي الذي لا يموت أن أكون ممن لا يخشون في الله لومة لائم، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب، هو وليي وهو يتولى الصالحين وأعوذ بالله من الخزي في الدنيا والآخرة.
تحصنت بذي الملك والملكوت، واعتصمت بذي القدرة والجبروت، واستعنت بذي العزة واللاهوت، من كل ما أخاف وأحذر، وبمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي و محمد و علي والحسن ومحمد (ع)، والحمد لله وحده.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمعُونَ﴾ ([14]).
 
* * *
إبليس يتوعد
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾([15]).
خلق الله سبحانه وتعالى آدم (ع) وأمر الملائكة بالسجود له، فكان هذا السجود اعترافاً عملياً بأفضلية آدم (ع) على الملائكة (ع) ، قدمته هذه الكيانات القدسية بما يناسب شأنها وعالمها، ولم يكن هذا السجود لجسد آدم (ع)، إنّما كان لروحه وحقيقته، بل كان من خلاله للحقيقة المحمدية والإنسان الكامل والحجاب الأقرب، ومن خلاله توجه إلى الحي الذي لا يموت، فلم يأمرهم سبحانه بالسجود إلاّ بعد أن يفيض الصورة المثالية على مادة آدم (ع) وينفخ فيه من روحه سبحانه، روي في الحديث عن النبي (ص) ما معناه: (إن الله خلق آدم على صورته) ([16])، أي إن آدم (ع) أو الإنسان قابل لتحصيل الكمالات الإلهية بأقصى ما يمكن للممكن، أو قل المخلوق وإن لم يصل آدم (ع) إلى القاب قوسين أو أدنى، فقد وصل من ذريته المصطفى المصفّى محمد (ص)، والتفت إبليس (لعنه الله) إلى شيء من هذه الحقيقة، لكنه تمرّد ولم يسجد مع الملائكة وأخلد إلى الأرض، فنظر إلى مادة آدم (ع) التي خلق منها جسمه وقاسها بالطاقة أو النار التي خُلق هو منها، فاستنبط أنّ الطاقة أشرف من المادة، وتغافل عن حقيقة آدم (ع) وقربه من الله. فسقط إبليس في الهاوية مع علمه الواسع وعبادته الطويلة؛ لأنّه لم يكن عابداً مخلصا لله، بل كان عابداً مخلصاً لنفسه، وكان يطلب العلو والارتفاع بعبادته فحسب.
ومن هنا كان الامتحان بالسجود لآدم (ع) طامة كبرى بالنسبة له، وصاعقة سقطت على أم رأسه، وحسد آدم (ع)، فلو مثلته لعقلك لوجدته في ذلك الوقت يقول: أبعد كل هذه المدّة في العبادة، يخلق الله عبداً خيراً مني حال خلقه وعند نطقه؟ فيعلو ويرتفع لتمسي الملائكة دون درجته. فكان هذا الحجاب يمنعه من النظر إلى حقيقة آدم، ويدفعه إلى البحث عن عذر لامتناعه عن السجود يقنع به نفسه، ويجادل به ربه.
ولم يكن ردّ الله سبحانه وتعالى عليه إلاّ بالطرد واللعن؛ لأنّه من الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ([17])، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾([18]).
فلم يكن إبليس (لعنه الله ) جاهلاً يُعلّم، ولا عاصياً يُؤنب ويُؤدب، بل كان عالماً متكبراً، وطاغياً متعالياً لا يرتدع، وانطوت نفسه على بغض لهذا المخلوق الجديد، وجعله السبب في طرده من رحمة الله واتخذه وذريته أعداء؛ ولهذا طلب الإنظار والإمهال إلى يوم البعث للحساب، ليضلهم عن الصراط المستقيم، ولكن الله سبحانه أمهله إلى يوم الوقت المعلوم فتوعد اللعين أن يحرف بني آدم عن صراط الله المستقيم: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾([19]).
ويوم الوقت المعلوم هو يوم قيام الإمام المهدي (ع)، حيث ورد في الحديث عن اسحق بن عمار قال: سألته - أي الإمام (ع) - عن إنظار الله تعالى إبليس وقتا معلوماً ذكره في كتابه، فقال: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾([20])، قال (ع): (الوقت المعلوم يوم قيام القائم، فإذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة، وجاء إبليس حتى يجثو على ركبتيه فيقول ويلاه من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم منتهى أجله) ([21]).
وفي الإنجيل أنّ الشيطان يقيد في الأغلال في القيامة الصغرى، أي في زمن قيام الإمام المهدي(ع)، جاء في رؤيا يوحنا: (… ثم رأيت مَلاكاً نازلاً من السماء يحمل بيده مفتاح الهاوية، وسلسلة عظيمة، فامسك التنينُ تلك الحيةَ القديمة أي إبليس أو الشيطان وقيده لألف سنة، ورماه في الهاوية، وأقفلها عليه وختمها. فلا يضلل الأمم بعد حتى تتم الألف سنة، ولابد من إطلاقه بعد ذلك لوقت قليل) ([22]).
وعن السيد ابن طاووس (رحمه الله) قال: إني وجدت في صحف إدريس النبي (ع) عند ذكر سؤال إبليس وجواب الله له: (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال: لا، ولكنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، فإنّه يوم قضيت وحتمت أن أطهّر الأرض ذلك اليوم من الكفر والشرك والمعاصي. وانتخبتُ لذلك الوقت عباداً لي امتحنت قلوبهم للأيمان، وحشوتها بالورع والإخلاص واليقين، والتقوى والخشوع والصدق، والحلم والصبر والوقار، والتقى والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عندي، وأجعلهم دعاة الشمس والقمر، وأستخلفهم في الأرض، وأمكن لهم دينهم الذي ارتضيته لهم ثم يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، يقيمون الصلاة لوقتها ويؤتون الزكاة لحينها، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وألقي في ذلك الزمان الأمانة على الأرض، فلا يضر شيء شيئاً ولا يخاف شيء من شيء، ثم تكون الهوام والمواشي بين الناس فلا يؤذي بعضهم بعضاً، وأنزع حمة كل ذي حمة من الهوام وغيرها، وأذهب سم كل ما يلدغ، وأنزل بركات من السماء والأرض وتزهر الأرض بحسن نباتها، وتخرج كل ثمارها وأنواع طيبها. وألقي الرأفة والرحمة بينهم فيتواسون ويقتسمون بالسوية فيستغني الفقير، ولا يعلو بعضهم بعضاً، ويرحم الكبير الصغير ويوقّر الصغير الكبير، ويدينون بالحق وبه يعدلون ويحكمون.
أولئك أوليائي، اخترت لهم نبياً مصطفى، وأميناً مرتضى، فجعلته لهم نبياً ورسولاً، وجعلتهم له أولياء وأنصار. تلك أمة اخترتها لنبيّ المصطفى، وأميني المرتضى، ذلك وقت حجبته في علم غيبي ولابد أنه واقع. أبيدك يومئذٍ وخيلكَ ورجلكَ وجنودكَ أجمعين، فاذهب فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) ([23]).
هذه هي قصة إبليس العالم العابد الذي سقط في الهاوية، وأرداه تكبره في الحامية. وإن فيها لعبرة لمعتبر وذكرى لمدَّكر، وأين هم المعتبرون والمتذكرون؟!
قال أمير المؤمنين (ع): (فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس، إذا أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أم سني الآخرة، عن كبر ساعة واحدة. فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصية؟ كلا، ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً إنّ حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد. وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة، في إباحة حمى حرمه على العالمين.
فاحذروا عباد الله أن يعديكم بدائه، وأن يستفزكم بندائه، وأن يجلب عليكم بخيله ورجله. فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد، وأغرق لكم بالنزع الشديد، ورماكم من مكان قريب. وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾([24])، ... واستعيذوا بالله من لواقح الكبر، كما تستعيذونه من طوارق الدهر.
فلو رخص الله في الكبر لأحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه ... وكانوا أقواماً مستضعفين. وقد اختبرهم الله بالمخمصة، وابتلاهم بالمجهدة، وامتحنهم بالمخاوف، ومخضهم بالمكاره … ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون (ع) على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصي، فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه، ودوام عزه فقال: (ألا تعجبون من هذين، يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل، فهلا ألقي عليهما أساورة من ذهب)، إعظاماً للذهب وجمعه، واحتقاراً للصوف ولبسه … الله الله في عاجل البغي، وآجل وخامة الظلم، وسوء عاقبة الكبر، فإنّها مصيدة إبليس العظمى، ومكيدته الكبرى التي تساور قلوب الرجال مساورة السموم القاتلة. فما تكدي أبداً، ولا تشوي أحداً، لا عالماً لعلمه، ولا مقلاً في طمره … فإنّ الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم، إلاّ لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلعن الله السفهاء لركوب المعاصي، والحلماء لترك التناهي … ألا وقد قطعتم قيد الإسلام وعطلتم حدوده، وأمتم أحكامه … وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم. سيماهم سيما الصديقين وكلامهم كلام الأبرار. عُمّار الليل ومنار النهار، متمسكون بحبل القرآن، يحيون سنن الله وسنن رسوله لا يستكبرون ولا يعلون ولا يغلون ولا يفسدون قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل) ([25]).

الصراط المستقيم
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾([26]).
هو الحق أو الطريق الذي يريد الله سبحانه من عباده سلوكه، أو هو الطريق الموصل إلى الحي القيوم سبحانه، وبعبارة أخرى هو الاعتقادات والأحكام الشرعية الصحيحة الصادرة منه سبحانه والواصلة لعبادة بواسطة أنبيائه ورسله و أوصيائهم (ع)، ولا بد للعاقل من البحث عن الحق ليدفع عن نفسه العذاب وليتخذ إلى ربه المآب، سالكاً صراطه المستقيم، فالرضا بهذه الحياة المادية والاستغراق فيها أشد من الممات، بل هو شبه العدم، بل هو جهنم، قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾([27])، كما أن معرفة الحق والسير به وعليه وإليه هو الحياة الحقيقية؛ لأنّ في نهايته الوصول إلى عالم العقل والعودة إلى الحي الذي لا يموت، وهذه غاية فوق الجنة، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾([28]).
قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾([29])، فالعاقل لا يضيع حظه من السير على هذا الطريق، فإن وصل فبرحمة الله، وإلاّ فهو يتقلب في الجنان بفضل الله وببركة إجابة دعاء الحي الذي لا يموت: (أقبِل) ([30]).   
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾([31])، أي إنّ الله خلقكم رجاء أن تصلوا إلى عالم العقل كما وصل الأنبياء والأئمة (ع)، بل إنّ المطلوب الوصول إلى أعلى درجة في هذا العالم، وهي درجة المس بعالم اللاهوت أو درجة ألقاب قوسين أو أدنى. وصاحب هذا المقام المحمود من خُلقَ لأجلهِ الوجود (محمد (ص) وعلي نفسه). ومع أني اخترت الاختصار والإشارة، ولكن لا بأس من التوضيح قليلاً لعل الله يرزقني دعاء من يقرأ هذه الكلمات.
اعلموا أيها الأحبة من المؤمنين والمؤمنات إنّ المخلوق الأول هو العقل، وهو العالم الأول الروحاني وهو عالم كلي، الموجودات فيه مستغرقة بعضها في بعض ولا تنافي بينها. وأهله على درجات أعلاها المس بعالم اللاهوت سبحانه، وهي درجه خاصة بمحمد وعلي (ع).
فمحمد (ص) ﴿دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾([32]) وعلي (ع) نفسه، قال تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُم﴾([33])، وعلي ممسوس بذات الله كما ورد عنه (ص) ([34])، ودونهما درجات، فهما (عليهما السلام) محيطان ويعلمان بكل من دونهما، ومن دونهما يعلم منهما بقدر درجته ولا يعرفهما أحد بتمام معرفتهما غير خالقهما، كما لا يعرف الله سبحانه أحد غيرهما بتمام معرفته الممكنة للإنسان.
ورد عن صاحب المقام المحمود (ص) ما معناه: (يا علي ما عرف الله إلاّ أنا وأنت، وما عرفني إلاّ الله وأنت، وما عرفك إلاّ الله وأنا) ([35]).
أمّا العالم الثاني فهو عالم الملكوت، وهو عالم مثالي صوري، وهو عالم الأنفس شبيه بما يراه النائم. وذلك أن النائم غفل عن وجوده المادي فالتفت إلى وجوده الملكوتي، ولك أن تقول المثالي أو النفسي.
أمّا العالم الثالث فهو العالم المادي، وهو عالم شبيه بالعدم ليس له حظ من الوجود إلا قابليته للوجود، وهو آخر درجات التنـزل. فإذا أفيضت الصورة على المادة تكوّن الجسم، وهو أول درجات الصعود أو العودة، ثم إن الأجسام تنقسم بحسب درجاتها الوجودية إلى جماد ونبات وحيوان وإنسان، والإنسان إما يرتقي ويعود إلى مبدئه سبحانه، فيسبح في عالم العقل والقرب من الحي الذي لا يموت، وإما يزري بنفسه ويدبر عن ربه، فلا يرى إلاّ المادة التي لا تكاد تدرك أو يحصل العلم بها إلا عند إفاضة الصورة المثالية عليها، وهكذا يصبح كالأنعام بل أضل سبيلاً؛ لأنه خُلق ليقبل فأدبر، وخُلق ليعقل فأبى إلا الجهل، وخُلق ليحيا فأبى إلا الموت.
قال أبو عبد الله (ع): (إنّ الله عز وجل خلق العقل وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره، فقال أدبر فأدبر ثم قال له أقبل فأقبل. فقال الله تبارك وتعالى خلقتك خلقاً عظيماً وكرمتك على جميع خلقي، قال: ثم خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانياً، فقال له أدبر فأدبر، ثم قال له أقبل فلم يقبل، فقال له استكبرت فلعنه …) ([36]).
أما العقل كل العقل فهو محمد (ص) ووصيه علي (ع)؛ لأنه نفسه كما في الآية وأنفسنا وأنفسكم ([37]). وأمّا الجهل كل الجهل فهو الثاني ، وهو مبدأ التكبر، وهو الذي أضل إبليس وأرداه في الهاوية. قال إبليس (لعنه الله): ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾([38])، أي بالذي أغويتني به، أو بالنكرة التي تسببت بإغوائي. وهو في الآية النكرة الموصوفة؛ لأنه ظلماني لا هوية له، و (ما) التي تستعمل لـ (غير العاقل)؛ لأنه لا عقل له.
وهكذا فمن بني آدم (ع) من ارتقى بالعبادة والكمالات الأخلاقية، حتى وصل إلى القاب قوسين أو أدنى، فهو معلم الروحانيين والملائكة المقربين، وهو الإنسان الكامل أي محمد (ص)،كما أن آدم (ع) علم الملائكة ما لم يكونوا يعلمون، قال أمير المؤمنين: (خلق الإنسان ذا نفس ناطقة، إن زكاها بالعلم والعمل فقد شابهت جواهر أوائل عللها، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك السبع الشداد) ([39]).
ومن بني آدم من أردى نفسه في الهاوية، فهو يسبح في بحر أجاج ظلمات بعضها فوق بعض، إذا اخرج يده لم يكد يراها، حتى أمسى ظلمانياً لا نور فيه، وجهلاً لا عقل معه، واضطراباً لا استقرار له، وخوفاً لا طمأنينة فيه، ولا سكينة تنـزل عليه. فلا يطمع في رحمة الله ويائس من روح الله مع أنّ إبليس (لعنه الله)، إذا قامت القيامة يطمع في رحمة الله كما ورد في الحديث، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾([40]).
وهؤلاء يوحون لشياطين الجن زخرف القول بأنفسهم الخبيثة المستكبرة. فشياطين الجن من شياطين الأنس تأخذ ومنهم تتعلم، قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾([41]).
وقال الحروري :
       وكنت فتى من جند إبليس فارتقى         بي الأمر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده           طرائق فسق ليس يحسنها بعدي ([42]).
وبقي شيء ... ولسائل أن يسأل، فالذي عند الكفرة أليس بعقل فهم يخترعون به الطائرة وأجهزة الاتصال المتطورة ؟! والجواب: سئل أبو عبد الله (ع) عن الذي كان عند معاوية فقال (ع): (تلك النكراء تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل) ([43]). فكل إنسان له نصيب في عالم الملكوت، ونصيبه نفسه وهي صورة مثالية وظل للعقل، وهذا الظل هو قوة الإدراك أو الناطقة المغروسة في الجنان. والحيوان الصامت يشاركنا فيها ولكن مرآة الإنسان أصفى، فإشراق العقل على نفسه أبهى وأوضح، فحظه من هذا الظل أكبر. ومن تتبع عالم الحيوان سيعلم أنّه لبعض الحيوانات القدرة على اختراع بعض الآلات، كما ورد عن بعض علماء الأحياء. وكمثال القنادس تنصب السدود لترفع منسوب الماء، فليس للإنسان فضل على الحيوان إلا أن ينظر في هذا الظل ليرى الحقيقة والعقل، ويسير نحوها للتكامل بالعبادة والشكر والأخلاق الحميدة، وإلاّ فان اكتفى بهذا الظل فهو كالأنعام، أي كالحيوان الصامت، وإن أزرى بنفسه بالأخلاق الذميمة فهو أضل سبيلاً ([44]).
والحمد لله وحده، وما أوتينا من العلم إلاّ قليلاً، ربي أدخلني والمؤمنين والمؤمنات في رحمتك أنت ولي في الدنيا والآخرة فنعم المولى ونعم النصير.

العقائد والأحكام
وتشمل:
العقائد الصحيحة:
الإيمان بوجود خالق وتوحيده، والتصديق بأنبيائه ورسله وأوصيائهم (ع)، والعدل والقضاء والقدر والبداء والجنة والنار، وعصمة خلفاء الله في أرضه (ع)، والملائكة والغيب وكل ما أخبر به الأنبياء والمرسلون وأوصياؤهم (ع)، ومالنا إلاّ التمسك بأذيالهم والاقتداء بآثارهم، قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾([45]).
وعن زرارة، قال: سُئل أبو عبد الله (ع) من بدء النسل من آدم كيف كان، وعند بدء النسل من ذرية آدم، فإن أناساً عندنا يقولون: إن الله عز وجل أوحى إلى آدم أن يزوج بناته ببنيه، وأن هذا الخلق كله أصله من الأخوة والأخوات.
فقال أبو عبد الله (ع): (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، يقول: من قال هذا ... بأنّ الله عز وجل خلق صفوة خلقه وأحباءه وأنبياءه ورسله والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام؟!!! ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من حلال!!! وقد أخذ ميثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطيب، فوالله لقد تبينت أن بعض البهائم نُكرت له أخته، فلما نزا عليها ونزل كُشف له عنها، فلما علم أنها أخته أخرج عزموله ثم قبض عليه بأسنانه حتى قطعه فخر ميتاً. وآخر نُكرت له أمه ففعل هذا بعينه فكيف الإنسان في أنسيته وفضله وعلمه، غير أن جيلاً من هذا الخلق - الذي ترون - رغبوا عن علم أهل بيوتات أنبيائهم، وأخذوا من حيث لم يأمروا بأخذه، فصاروا إلى ما ترون من الضلال والجهل بالعلم، كيف كانت الأشياء الماضية من بدء أن خلق الله ما خلق، وما هو كائن أبداً.
ثم قال: ويح هؤلاء أين هم عما لم يختلف فيه فقهاء أهل الحجاز ولا فقهاء أهل العراق، أن الله عز وجل أمر القلم فجرى على اللوح المحفوظ بما هو كائن إلى يوم القيامة قبل خلق آدم بألفي عام، وأن كُتب الله كلها فيما جرى فيه القلم في كلها تحريم الأخوات على الأخوة مع ما حرم. وهذا نحن قد نرى هذه الكتب الأربعة المشهورة في هذا العالم: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، أنزلها الله عن اللوح المحفوظ على رسله (ع) منها التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد، وعلى النبيين (ع) وليس فيها تحليل شيء من ذلك حقاً. أقول ما أراد من يقـول هذا وشبهه إلا تقويـة حجج المجوس، فما لهم قـاتلهم الله …) ([46]).
فالحمد لله الذي فضحهم وأخزاهم بجهلهم وعنادهم للصادقين من آل محمد (ع) حيث جعلوا الأنبياء (ع) أولاد زنا، حاشاهم عن ذلك فسود الله وجه كل من تصدّى أمام الصادقين من آل محمد (ع)، وادعى أنّه يعلم بسنة الرسول وبمحكم الكتاب ومتشابهه، ونصب نفسه إماماً يدعو إلى النار في أمور الدين، كما فعل الأمويون والعباسيون ومن تبعهم في أمور الدنيا ولم يبق عذر اليوم لأتباعهم إلاّ العناد والتكبر، وإلاّ أن يقولوا عنـزة ولو طارت!
وعمدة العقائد التي يجب الإيمان بها هي ما جاءت في آخر سـورة البقرة، وهي التي آمن بها النبي (ص)، وهي:
الأيمان بالله وبالملائكة وبالكتب السماوية وبالرسل، سواء كانوا أنبياء أو أوصياء أو أي مرسل من الله سبحانه، حتى ولو كان مرسل للقيادة الدنيوية فقط كطالوت (ع).
فعلى كل مسلم أن يؤمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، وأن يؤمن بنبوة محمد (ص)، وأن يؤمن بالملائكة والكتب والأنبياء السابقين وأوصيائهم وشرائعهم، وأن يحترمها وإن نسخت؛ لأنها كانت شريعة الله في يوم من الأيام على هذه الأرض. وعلى المسلم أن يؤمن بأوصياء النبي محمد (ص) الاثني عشر (ع)، وأن يقبل كل ما صح من الأخبار عنهم (ع)، كما على المسلم أن يؤمن أن الوصي الثاني عشر من أوصياء محمد (ص) هو الإمام محمد بن الحسن المهدي (ع)، وهو حي يرزق إلى اليوم وسيقوم بالسيف كما قام جدّه (ص)، وعلى المسلم موالاته والنصح له، وتقديمه على النفس والمال والولد، والعمل لإعلاء كلمته وإظهار أمره ومظلوميته، والتهيئة لدولته (ع)، ومعاداة عدوه من أئمة الجور المتسلطين على هذه الأمة، وأعوانهم وجنودهم الكافرين الخارجين من ولاية الله إلى ولاية إبليس (اللعين). وعلى المؤمن أن لا يخشى عددهم وعدتهم.
قال تعالى: ﴿وَمكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾([47]).

الأحكام:
أمّا الأحكام، فهي مجموع التشريعات التي يأتي بها الأنبياء والمرسلون منه سبحانه، والتي يكلف بها العباد وربما نسخ بعضها، أو زيدت تشريعات أخرى خلال مرور الزمن وفق علم الحكيم الخبير بما يصلح حال العباد والبلاد في كل زمن، ولا يصح النسخ والتغير والزيادة إلاّ ببعث نذير معصوم ناطق عن الله وعامل بأمره، ومن ابتغى وراء ذلك فقد ضل ضلالاً بعيداً، ولو نظرنا في الشرائع السماوية والأحكام الإلهية لوجدنا تطبيقها هو، وهو فقط المصلح للأرواح والأبدان والبلاد والاقتصاد، فمن شرّع أو غيّر ونسخ أو زاد في الشريعة من غير أولئك المعصومين الناطقين عن الله فقد ادّعى أنّه إله وعلى الخلق أن يعبدوه، وإن لم يصرح بهذا في قوله، فقد صرح القرآن أن اليهود كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم من دون الله؛ لأنّهم كانوا يحلّون لهم الحرام ويحرمون الحلال فيطيعونهم، عن أبي جعفر (ع) في تفسير قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾([48])، قال (ع): (وأمّا أحبارهم ورهبانهم فإنّهم أطاعوهم وأخذوا بقولهم واتبعوا ما أمروهم به، ودانوا بما دعوهم إليه، فاتخذوهم أرباباً بطاعتهم لهم، وتركهم ما أمر الله وكتبه ورسله فنبذوه وراء ظهورهم، وما أمرهم به الأحبار والرهبان اتبعوه وأطاعوهم وعصوا الله، وإنّما ذكر هذا في كتابنا لكي نتعظ بهم …) ([49]).
إذن فكل عقيدة يعتقدها الإنسان إن لم يأخذها من معصوم جاء بها من الله فهي عبادة من دون الله، وكل حكم شرعي يتعبد به الإنسان إن لم يأخذه من معصوم جاء به من الله فهو عبادة لذلك الشخص الذي أفتى وشرّع؛ لأنّه ادعى أنه إله، حيث إن المعصومين أنفسهم ليس لهم إلاّ نقل الحكم الشرعي عن الله.
قال الإمام الصادق (ع) في رسالته المشهورة إلى الشيعة: (أيتها العصابة المرحومة المفلحة، أن الله أتم لكم ما أتاكم من الخير، واعلموا أنّه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس، قد أنزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شيء. وجعل للقرآن ولتعلم القرآن أهلاً، لا يسع أهل علم القرآن الذين أتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى ولا رأي ولا مقائيس، أغناهم الله عن ذلك بما أتاهم من علمه أخصهم به، ووضعه عندهم كرامة من الله أكرمهم بها، وهم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الأمة بسؤالهم، وهم الذين من سألهم - وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم - أرشدوه، أعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلى الله بإذنه، وإلى جميع سبل الحق، وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم - الذي أكرمهم الله به وجعله عندهم - ألا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق، تحت الأظلة، فأولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم، وأولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان؛ لأنهم جعلوا أهل الإيمان في علم القرآن عند الله كافرين، وجعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين، وحتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الأمر حراماً، وجعلوا ما حرّم الله في كثير من الأمر حلالاً.
فذلك أصل ثمرة أهوائهم، وقد عهد إليهم رسول الله (ص) قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض الله عزّ وجل رسوله يسعنا أن نأخذ بما أجتمع عليه رأى الناس، بعدما قبض الله عزّ وجل رسوله (ص)، وبعد عهده الذي عهده إلينا وأمرنا به. مخالفاً لله ولرسوله (ص) ، فما أحد أجرأ على الله، ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك، وزعم أن ذلك يسعه.
والله إنّ لله على خلقه أن يطيعوه ويتبعوا أمره في حياة محمد (ص)، وبعد موته. هل يستطيع أولئك أعداء الله أن يزعموا أن أحداً ممن أسلم مع محمد (ص) أخذ بقوله ورأيه ومقائيسه؟ فإن قال: نعم، فقد كذب على الله وضل ضلالاً بعيداً. وإن قال: لا، لم يكن لأحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقائيسه، فقد أقر بالحجة على نفسه. وهو ممن يزعم أن الله يطاع ويتبع أمره بعد قبض رسول الله (ص)، وقد قال الله وقوله الحق: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾([50])، وذلك لتعلموا أن الله يطاع ويتبع أمره في حياة محمد (ص)، وبعد قبض الله محمداً (ص)، وكما لم يكن لأحد من الناس مع محمد (ص) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه، خلافاً لأمر محمد (ص)، فكذلك لم يكن لأحد من الناس بعد محمد (ص) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه) ([51]).
فإذا كان الأئمة (ع) مع تمام عقولهم وعلمهم بمحكم الكتاب ومتشابهه، وتنـزيله وتأويله، ليس لهم الفتوى، بل ينقلون عن الله وعن رسوله (ص) ، فكيف يكون لغيرهم مع نقصان عقولهم وجهلهم بالمحكم والمتشابه، والتنـزيل والتأويل.
قال الإمام الصادق (ع) لأبي حنيفة عندما دخل عليه: (يا أبا حنيفة، تعرف كتاب الله حق معرفته؟!!! وتعرف الناسخ والمنسوخ؟!!! قال: نعم، قال (ع): يا أبا حنيفة، لقد ادعيت علماً، ويلك ما جعل الله ذلك إلاّ عند أهل الكتاب الذين أنزل الله عليهم. ويلك ولا هو إلاّ عند الخاص من ذرية نبينا (ص)، ما ورثك الله من كتابه حرفاً، فإن كنت كما تقول ولست كما تقول، فأخبرني …) ([52]).
* * *
إنّ في قصصهم لعبرة
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ﴾([53]).
حريٌّ بكل مسلم أن يدرس تاريخ بني إسرائيل وسيرتهم مع موسى وهارون (عليهما السلام)، ثم مع عيسى (ع)؛ لأنّ بعث موسى وهارون (عليهما السلام) يكاد يكون بعث محمد وعلي (عليهما السلام)، وما حصل لموسى وهارون (عليهما السلام) لا يختلف كثيراً عمّا حدث لمحمد وعلي (عليهما السلام). وما فعله بنو إسرائيل في فترات غياب موسى (ع) أو بعد وفاة هارون وموسى (عليهما السلام)، لا يختلف كثيراً عمّا فعلته هذه الأمة بعد وفاة محمد (ص)، ثم بعد وفاة علي (ع) ، ثم بعد غياب خاتم أوصياء محمد (ص)، كما أنّ بعث عيسى (ع) لبني إسرائيل يكاد يكون بعث محمد بن الحسن العسكري المهدي (ع) لهذه الأمة، وما سيلاقيه المهدي (ع) من هذه الأمة، ومن بعض علماء السوء (غير العاملين) في هذه الأمة لن يختلف كثيراً عما لاقاه عيسى (ع) من اليهود وعلمائهم غير العاملين. ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾([54]).

بنو إسرائيل
يترقبون ولادة موسى (ع)
كان بنو إسرائيل قبل بعث موسى (ع) في حالة ترقب لهذا النبي العظيم والمصلح المنتظر، وكانوا يتباشرون حتى بولادته والاستعداد لاستقبال هذا الوليد المبارك، الذي سيخلصهم من حكم الطواغيت والفراعنة، الذين كانوا بدورهم في حالة ترقب سلبية لهذا المولود المبارك للانقضاض عليه وقتله، والخلاص منه قبل أن يكبر ويقضي على الحكم الطاغوتي، ويفضح الفراعنة وادعاءاتهم الزائفة، ويقود بني إسرائيل للنجاة، ولحمل كلمة لا إله إلاّ الله إلى أهل الأرض، وجاءت سنين الولادة الموعودة فقتل فرعون مواليد بني إسرائيل في تلك السنين التي كانوا يترقبون ولادة موسى(ع) فيها ظناً منه أنّه قادر على تغيير سنة الله، فشاء الله أن يخزيه ويبين له ضعفه أمام القدرة الإلهية والتدبير الرباني، فأنشأ سبحانه موسى في قصر فرعون بالذات، ولم يكن المربي لموسى إلاّ فرعون الطاغية، الذي كان يسعى الليل والنهار للقضاء على هذا المولود.
قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امرأة فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾([55])، بينما كان فرعون وجنوده يستضعفون بني إسرائيل ويذلونهم ويقتلون أبناءهم وخيارهم، كان موسى يكبر في قصر فرعون ويرى ما يحدث خارج القصر من ظلم واضطهاد للشعب المستضعف، ويرى ما يحدث في القصر من رسم خطط إرهابية وإعلامية الهدف منها استخفاف الشعب وحمله على طاعة فرعون، أو على الأقل التسليم بالأمر الواقع، وترك المقاومة، ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾([56]).
وكان موسى (ع) يرى سياسة فرعون وحزبه التي كانت تتمثل بمنع الدين الإلهي من الانتشار، ومنع الشعائر الدينية لبني إسرائيل، ونشر الفساد وبالتالي دفع الأجيال التي تنشأ في هذا الجو الفاسد إلى الفساد وترك التدين والالتزام بالشريعة الإلهية المقدسة. وهذا هو أهم العوامل التي يعتمد عليها الطاغية في حكمه، حيث يضمن أنّ الشعب قد تخلّى عن الله، عن القوة الحقيقية والناصر الحقيقي، القادر على القضاء على الطاغوت وعلى حزبه الشيطاني.

موسى (ع) المجاهد في سبيل الله،
المهاجر إلى الله، والنبي الداعي إلى الله
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾([57]).
دخل موسى (ع) معترك الحياة، ليجد ظلم الطاغية فرعون للشعب المستضعف من بني إسرائيل والمصريين، وموسى (ع) الطاهر النقي، والنبي المخلص المنتظر الذي يعرفه بنو إسرائيل، كيف يبقى في قصر فرعون ظهيراً له، ولو بالسكوت على ظلمه ومكثراً لسواده؟ فشاء الله أن تقع تلك الحادثة، وهي قتل أحد زبانية فرعون وجنوده الظلمة، وكان لهذه الحادثة وقع كبير في نفس موسى (ع) حيث التجأ إلى الحق، يستغفره ويتوب إليه مما اعتبره ذنباً، وهو عيشه في قصر فرعون الطاغية والأب المربي لموسى (ع)، ولما غفر له ربه سبحانه وتعالى عاهد الله على ما آتاه من نعمة المغفرة على أن لا يكون ظهيراً لمجرم وظالم، ولو بمداهنته أو السكوت على ظلمه، فكان لابد لموسى (ع) بعد هذه الحادثة أن يهاجر إلى الله، فخرج من المدينة خائفاً يترقب، وغاب عن بني إسرائيل عشر سنين، قضاها في أرض مدين يعيش حياة بسيطة وهادئة في أحضان نبي عظيم، وهو شعيب (ع)، يرعى قطيعاً من الأغنام، ويتعلم الكثير ليعود بعد ذلك لبني إسرائيل قائداً ربانياً شجاعاً ونبياً يدعو إلى الله، فيقود المؤمنين للنجاة من بطش فرعون، والاستضعاف والهوان الذي كانوا يلاقونه في مصر. وعَبر موسى (ع) والمؤمنون البحر، وأغرق الله فرعون وجنوده، ولكن بعد هذا العبور كان ما كان، فتمرد بنو إسرائيل على الأوامر الإلهية، وعصوا موسى وهارون (عليهما السلام)، وبعد أن رفض بنو إسرائيل الدخول إلى الأرض المقدسة وجهاد الجبابرة لنشر كلمة (لا إله إلاّ الله) والعبادة الخالصة لله، كتب الله عليهم التيه أربعين سنة في صحراء سيناء، وكم أوذي موسى وهارون (عليهما السلام) خلال هذه المدة، فاعترض الكثير منهم على موسى(ع)، واستخفوا به واعترضوا على هارون وكونه نبياً وخليفة لموسى (ع)، فأمرهم الله أن يكتب كل رئيس سبط من أسباط بني إسرائيل اسمه على عصا يابسة، وكتب هارون اسمه، ووضع موسى (ع) العصيّ في خيمة الاجتماع، وشاء الله أن تخضر العصا التي كتب عليها اسم هارون(ع) لتكون معجزة تؤيد نبوته وحقه في خلافة موسى (ع)، لكنهم لم يتوقفوا عن إيذاء هارون (ع) والاستخفاف به، حتى إنّهم لما صنعوا العجل وعبدوه واعترض عليهم هارون (ع) كادوا يقتلونه مع الفئة القليلة التي ناصرت الحق معه (ع)، ولم يكتف اليهود بهذا، بل حرّفوا التوراة بعد وفاة موسى وهارون (عليهما السلام)، وكتبوا بأيديهم الأثيمة فيها أن الذي صنع العجل وأضل بني إسرائيل هو هارون (ع) !!
فانظر إلى مظلومية هذا النبي العظيم هارون (ع)، وقارنها بمظلومية الوصي علي بن أبي طالب (ع)، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
* * *
فتنة العجل
قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾([58]).
وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ * وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([59]).
وقال تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً * إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾([60]).
حدثت فتنة العجل في سنين التيه الأربعين التي تاه فيها بنو إسرائيل في صحراء سيناء، عقوبة لتمردهم على الأوامر الإلهية، وإصلاحاً لما فسد في نفوسهم، حيث واعد الله سبحانه وتعالى موسى(ع) ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر، قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾([61]).
ولم يكن سبحانه وتعالى يجهل أنّ الميقات أربعين ليلة، ولم يكن سبحانه وتعالى يكذب على موسى سبحانه وتعالى علواً كبيراً، وإنّما واعده ثلاثين ليلة وكانت العشر التمام للأربعين معتمدة على أمر أخر لم يحدث بعد، كدعاء أو صدقة أو أي عمل يقوم به موسى (ع)، أو تقصير من جماعة بني إسرائيل يعاقبون عليه بغياب موسى (ع) عشر ليالي إضافية، ففي علم الله سبحانه أن موسى سيغيب أربعين ليلة، لكن في لوح المحو والإثبات أن موسى سيغيب ثلاثين ليلة، فإن حصل الأمر الفلاني من موسى (ع) أو بني إسرائيل فإنه سيتمها أربعين ليلة، قال تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾([62]).
وهذا يشبه دعاء أيٌ منّا ليدفع الله عنه البلاء، أو يرزقه من رحمته ما يشاء، فلو كانت الأمور لا تتبدل لبطل الدعاء ولأمسى لغواً لا نفع فيه، لكن الله سبحانه قدر المقادير ويداه مبسوطتان يوسع على من يشاء ويقتر كيفما يشاء وهو أحكم الحاكمين، وهذا هو البداء الحق المبين في الذكر الحكيم الذي أنكره الجاهلون، وقالوا: إنّ الله فرغ من كل شيء، وجعلوا يديه مغلولتين يضاهون قول اليهود([63]).
هذا، وهناك من علماء السنة من يثبت البداء كابن الجوزية في كتابه الجواب الكافي في فصل الدعاء، وهو وإن لم يصرح باللفظ فقد أثبت المعنى سواء بالروايات عن النبي (ص) أو بمناقشته لفائدة الدعاء.
وفي هذه الليالي الأربعين استغل السامري غياب موسى (ع)، وقام بصياغة عجل من الحلي وألقى السامري في هذا العجل حفنة تراب أخذها من تحت حافر فرس جبرائيل (ع)، فخرج العجل الجسد له خوار، أي صوت كصوت العجل الحي. قال موسى (ع): (يا رب العجل من السامري فالخوار ممن؟ قال: مني يا موسى، إني لما رأيتهم قد ولوا عني إلى العجل أحببت أن أزيدهم فتنة) ([64]).
وقال لهم السامري هذا إلهكم وإله موسى، أي إنّ إلهكم حل في هذا العجل!! وصدقه الكثير من بني إسرائيل بعد أن أعانوه على صناعة العجل!!
ويجدر بنا أن نتدبر هذه الحادثة في القرآن وندرسها، لعل الله يمن علينا بحياة السعداء وميتة الشهداء، كما وعدنا رسول الله (ص) عند دراسة القرآن ([65]).
فإذا قررتم أيها الأحبة دراسة هذه الحادثة فتعالوا معي نتساءل، من هو السامري؟ وهل كان عالماً من علماء بني إسرائيل؟ وهل كان متعبداً ناسكاً؟ حيث: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً …﴾([66]).
يبدو من سياق الآية أنّه كان يرى جبرائيل (ع) أو أموراً غيبية، لم يكن غيره يراها.
ثم هل كان السامري مجاهداً؟
ورد هذا المعنى في تفسير الآية: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾([67])، أنّه السامري فلو صح هذا لكان السامري مجاهداً، قاتل جنود الطاغية، فرعون في مصر قبل بعث موسى (ع) ([68]).
ثم من الذي نسى؟ موسى (ع)، أي نسى إلهه هاهنا وذهب إلى الطور فيكون الكلام بلسان السامري. والحق أن هذا بعيد؛ لأنّ بني إسرائيل يعلمون أنّ موسى ذهب إلى الطور بأمر الله، إذن فيكون الناسي هو السامري، أي ترك الإيمان الحقيقي والمعبود الحق، فيكون الكلام من الله سبحانه. ثم ما الذي سولت له نفسه؟ الحق أنّ هذا هو أصل كل الفتنة، الهوى والأنا والشيطان وزخرف الدنيا، سولت له نفسه الأمارة بالسوء أنّه أفضل من هارون (ع)، وتمرّد عليه ولم يطع أمره وتكبر، لقد سولت له نفسه أنّه عالم وعابد وناسك وربما مجاهد، وكشفت له بعض الأمور الغيبية، فهو أحق من هارون (ع) بقيادة بني إسرائيل في غيبة موسى (ع)، وحسد هارون و موسى (عليهما السلام) فأخذ التكبر منه كل مأخذ، و تمكن منه الهوى والأنا كل التمكن، و أرداه الشيطان في الهاوية وجعله يتكبر على الأنبياء العظام (ع) كما تكبر هو على آدم (ع)، فاستفزه الشيطان بندائه وأغواه بغوايته وأصابه بدائه، فنزلت الحجب على مرآة الروح لما اشترى الضلالة بالهدى، فلم يعد يرى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾([69]).
ونسي الحقيقة والمعبود الحق الذي لا يُرى بالأبصار ولا تدركه الأوهام، فعاد إلى أخس أنواع الشرك، إلى التشبيه. فأخرج ما انطوت عليه نفسه عجلاً جسداً له خوار، يكون فتنة يفرح بها قوم انطوت عليها نفوسهم قبل ظهورها، وأشربوا العجل قبل صياغته، فكم اعترضوا على موسى وهارون (عليهما السلام)، وكم آذوا موسى (ع)، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾([70]).
كان كثير من بني إسرائيل يرون أنّهم خير من موسى (ع)، أمّا هارون (ع) فلم يكن له وزن عند كثير منهم، جاء في التوراة: (وأخذ قورح بن يصهار بن فهاث بن لاوي، وداثان وابرام ابنا الياب واون بن قالت بنوراوبين يقاومون موسى مع أناس من بني إسرائيل … فاجتمعوا على موسى وهارون، وقالوا لهما كفاكما أن كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب. فلما سمع موسى سقط على وجهه، ثم كلم قورح وجميع قومه قائلاً غداً يعلن الرب من هو له ومن المقدس حتى يقربه أليه) ([71]).
(وكلم الرب موسى قائلاً كلم بني إسرائيل وخذ منهم عصا عصا لكل بيت أب من جميع رؤسائهم حسب بيوت آبائهم اثنتي عشرة عصا، واسم كل واحد تكتبه على عصاه واسم هارون تكتبه على عصا لاوي، لأنّ لراس بيت آبائهم عصا واحده. وضعها في خيمه الاجتماع أمام الشهادة حيث اجتمع بكم، فالرجل الذي اختاره تفرخ عصاه فاسكن عني تذمرات بني إسرائيل التي يتذمرونها عليكما، فكلم موسى بني إسرائيل، فأعطاه جميع رؤسائهم عصا عصا لكل رئيس حسب بيوت آبائهم اثنتي عشره عصا، وعصا هارون بين عصيهم. فوضع موسى العصي أمام الرب في خيمة الشهادة، وفي الغد دخل موسى إلى خيمة الشهادة، وإذا عصا هارون لبيت لاوي قد أفرخت وأخرجت فروخاً و أزهرت زهراً وانضحت لوزاً، فاخرج موسى جميع العصي من أمام الرب إلى جميع بني إسرائيل، فنظروا وأخذ كل واحد عصاه، وقال الرب لموسى رد عصا هارون إلى أمام الشهادة لأجل الحفظ، علامةٌ لبني التمرد فتكف تذمراتهم عني لكي لا يموتوا ففعل موسى كما أمره الرب كذلك فعل) ([72]).
(وارتحلوا من جبل هور في طريق بحر سوف ليدوروا بأرض أدوم، فضاقت نفس الشعب في الطريق، وتكلم الشعب على الله وعلى موسى قائلين لماذا أصعدتمانا من مصر لنموت في البرية، لأنه لا خبز ولا ماء وكرهت أنفسنا الطعام السخيف) ([73]).   
وهكذا كان السامري وعجله الجسد متنفساً لهؤلاء الفاسقين، ليخرجوا ما انطوت عليه نفوسهم من بغض وحسد لموسى وهارون (عليهما السلام)، ولهارون (ع) بالذات؛ لأنّ القدح بشخصه (ع) والطعن بنبوته وقيادته أيسر؛ وذلك لأنّ لموسى (ع) مكانة كبيرة وهيبة عظيمة في نفوس كثير من بني إسرائيل لما ظهر على يديه من المعجزات. وهكذا استضعف هؤلاء المنافقين الذين اتبعوا السامري هارون (ع) والجماعة الذين رابطوا معه على الحق، وحاولوا قتل هارون(ع)، ولكنه تعامل مع الفتنة بحكمة الأنبياء، ثم تربص حتى عاد موسى (ع)، ونصره الله وأظهر حقه وحكم العقيدة الفاسدة وأظهر مكانها العقيدة الصحيحة، والحق الذي يريده الله:
﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً * إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾([74]).

شبيه السامري
قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾([75]).
بلعم بن باعوراء عالم وناسك كان يرى بعض الغيب، فاستدعاه أحد الملوك الطواغيت الكفرة ليدعو على موسى (ع) فدعا عليه، مع علمه أنّ موسى نبي عظيم، حسداً له، ومع علمه أنّ هذا الملك طاغوت كافر بالله وبرسله وبدينه في الحقيقة، وإن أظهر شهادة لا إله إلاّ الله؛ لأنّ محاربته لأولياء الله ولدين الله دالة على كفره. ولكن بلعم بن باعوراء وأمثاله يجعلون الشبهات عاذراً لسقطاتهم ولعلهم يجعلون المحكم متشابه والحق مشتبه؛ لينتهكوا حُرم الله سبحانه.
وفي التوراة الموجودة أن بلعم بن باعوراء لم يدع على موسى، والظاهر أنهُ من تحريف اليهود فيها، حيث جاء في رواية عن الإمام الرضا (ع): (أنّه أعطى بلعم بن باعوراء الاسم الأعظم فكان يدعو به فيستجاب له، فمال إلى فرعون - وهذا غير فرعون مصر لعنهم الله - فلما مرّ فرعون في طلب موسى (ع) وأصحابه، قال فرعون لبلعم أدعو الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا، فركب حمارته ليمر في طلب موسى (ع) فامتنعت علية حمارته، فأقبل يضربها فأنطقها الله عز وجل، فقالت: ويلك على ما تضربني، أتريد أن أجيء معك لتدعو على موسى نبي الله وقوم مؤمنين؟ فلم يزل يضربها حتى قتلها، وانسلخ الاسم الأعظم من لسانه …) ([76]).
إذن فهذا عالم واطلع على بعض الغيب، فهو على يقين، ولكن يقينه لم ينفعه بشيء؛ لأنّه ركن للحاكم الجائر وأحب العلو والارتفاع، ولم يكن مخلصاً لله حيث انطوت نفسه على التكبر وحب الأنا والحسد لأولياء الله المصطفين !!
ولما تعرض لهذا الامتحان الإلهي انسلخ من آيات الله وأعرض عنها، وأظهر باطنه الأسود وظهرت حقيقته (كلب يلهث وراء الدنيا)، لكنه تسربل بلباس العالم العابد العامل لله. وهكذا أغواه الشيطان وأرداه فكان تابعاً مخلصاً له، بعد أن اقتفى أثره واتبعه، حيث كان الشيطان يعلم علم اليقين، ومع ذلك تكبر على آدم (ع) وتمرّد على الله. وكذلك هذا اللعين فمع علمه ويقينه حسد موسى (ع) ودعا عليه، بدل أن ينظم تحت لوائه ويكون تابعاً له، وهكذا كان العلم لـ (بلعم بن باعوراء) سبباً للتكبر وحسد موسى (ع)!! فجعل بلعم بن باعوراء العلم نقمة أردته في الهاوية، مع أنّه رحمة يصل العاملون بها إلى الله.
روي عن النبي (ص) أنّه قال: (العلماء كلهم هلكى إلاّ العاملون، والعاملون كلهم هالكون إلاّ المخلصون والمخلصون على خطر) ([77]).
ومع الأسف كثيرون يعدون أنفسهم علماء مع أنّهم لا يحسنون تفسير سورتين من القرآن الكريم، على ما ورد عن آل محمد (ع)، ولم يقرؤوا إلاّ اليسير من روايات المعصومين (ع)، مقتصرين على بعض الروايات الفقهية في الغالب. فبماذا يعدون أنفسهم علماء، أبالمنطق الذي وضعه أرسطو قبل آلاف السنين، وربما يوجد من الملاحدة من هو أعلم به منّا. أم بالمجادلات والإشكالات المنطقية وغيرها الخالية من ثمرة علمية أو عملية، ولا تعدوا كونها ترفاً علمياً وضياعاً للوقت ([78]).
ألسنا نروي عن رسول الله (ص) ما معناه: (إنّ المرء يحاسب عن عمره فيما أفناه) ([79]). أوليس
الله سبحانه يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾([80]).
فليحذر أولئك الذين يجلسون الساعات في المساجد يتجادلون، ويتمارون ويملؤون المساجد بكلام بعيد كل البعد عن الحق والهدى الذي يريده الله.
لقد ابتعدنا كثيراً عن الطريق، ولهذا تسلط جالوت وأمثاله علينا، قال رسول الله (ص): (سيأتي زمان على أمتي لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه، ولا من الإسلام إلاّ اسمه، يُسمَون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود) ([81]).
الحديث يدل على أنّ المساجد وإن كانت مليئة بالناس ولكنهم ليس على هدى آل محمد (ع).
وهل نعد أنفسنا عاملين ونحن لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر؟ حتى أصبح الناس يرون المنكر معروفاً والمعروف منكراً!! إنّ تكليف العالم هو إصلاح الأمة، قال تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾([82])، لا فرد ولا فردين. وللأسف الشديد كثيرون هم الذين يقولون: الناس لا يريدون الدين، لكنهم لا يلتفتون إلى أن الناس واقعون بين المطرقة والسندان، فالطاغوت يمنع الدين الإسلامي الأصيل من الوصول لهم، وأنتم لا تكلفون أنفسكم العناء لإيصال الدين لهم بحجة التقية. قال الصادق (ع) ما معناه: (أما إنكم لو دُعيتم لتنصرونا، لكانت التقية أحب إليكم من آبائكم وأمهاتكم) ([83]).
فالجاهل ربما يعذر في كثير من الموارد، ولكن أنتم يا علماء الإسلام ما هو عذركم؟
قال أمير المؤمنين (ع) ما معناه: (كان رسول الله كالطبيب الدوار بأدويته) ([84]).
فهل أنتم مقتدون بسنة نبيكم (ص) ؟!!! الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا ([85]).

طالــوت (ع)
قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾([86]).
بعد موسى (ع) بمدّة ليست بقصيرة تسلط جالوت الكافر وجنوده على بني إسرائيل، واستضعفوهم وأخرجوهم من ديارهم، ولم يكن هذا التسلط الطاغوتي على بني إسرائيل إلاّ بسبب ضعف الأيمان والتقوى، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والركون إلى الحياة الدنيا، وترك الجهاد والتمرد على الأنبياء والأوامر الإلهية. وعوامل كثيرة أدّت ببني إسرائيل إلى الرجوع لحالة شبيهة بحالتهم قبل بعث موسى (ع)، وهي حالة الخضوع والتسليم للطاغوت التي كان علاجها التيه في صحراء سيناء. فشاء الله سبحانه أن يتسلط على بني إسرائيل جالوت وجنوده، لعل بعضهم يثوب إلى رشده ويتوب إلى ربه، وتحصل حالة إصلاح في جماعة بني إسرائيل، كالتي حدثت في صحراء سيناء في سنين التيه الأربعين عندما نشأ جيل في تلك الصحراء، وحمل كلمة لا إله إلاّ الله إلى أهل الأرض، وبالفعل فقد نشأ هذه المرّة في بني إسرائيل جيل صالح، وأمة ربانية مجاهدة، وهم الثلاثمائة والثلاث عشر رجلاً الذين عبروا مع طالوت النهر، الفتنة التي امتحنهم الله بها ليرى مدى التزامهم بالأوامر الإلهية وطاعتهم لنبيهم ولطالوت القائد المعين من الله. كما نشأ في بني إسرائيل جماعة هم أقل أيماناً من هؤلاء النخبة، وهم الذين اغترفوا غرفة من النهر، ومن الضروري أن نعرف أنّ فتنة النهر كانت ضرورية لتمحيص المؤمنين، وإبراز المقربين وأهل الإخلاص منهم، ثم إنّها كانت كبيرة حيث كان جنود بني إسرائيل في حالة عطش شديدة عند وصولهم إلى النهر، فالذين شربوا من الماء كانوا لا يريدون الهلاك عطشاً حسب زعمهم، فكانت الحياة عندهم أهم من طاعة الله، أمّا الذين لم يشربوا من الماء فكانوا يرون الهلاك عطشاً في طاعة الله خير من البقاء أحياء في معصية الله، بل كانوا على يقين أنّ الله سبحانه الذي نهاهم عن الشرب من هذا النهر سيبدلهم خيراً منه، ولم يكن سبحانه ليتركهم يهلكوا عطشاً. وهكذا نرى أنّ هؤلاء الثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً انتصروا على جالوت وجنوده حال عبورهم النهر.
أمّا أولئك الذين شربوا من النهر، فإنّهم هُزموا وأحسوا بالوهن والضعف حال معصيتهم لله وأطاعتهم للهوى والشيطان، فلم يكن قولهم: (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) إلاّ تحصيل حاصل و إبراز للهزيمة التي انطوت عليها نفوسهم.
والتقى الجمعان، حزب الله بقيادة طالوت، وحزب الشيطان بقيادة جالوت. وكان جيش جالوت متفوقاً عدّة وعدداً، ولم يكن مع طالوت إلاّ القليل من المؤمنين الذين لم يشربوا من النهر والذين اغترفوا غرفة، وكان معه المنافقون الذين شربوا من النهر، وقبل أن تبدأ المعركة التجأ النخبة الإلهية والأمة الربانية إلى الله، وطلبوا منه الصبر والثبات والنصر، فأيدهم الله بنصره: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾([87])، فقتل أحد هؤلاء المؤمنين المخلصين لله جالوت، فهزم الجمع وولوا الدبر، ونكص الشيطان على عقبيه، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾([88])، ولم يكن هذا العبد الصالح الذي قتل جالوت إلاّ داود (ع) الذي اصطفاه الله سبحانه بعد ذلك وجعله نبياً عظيماً وملكاً عادلاً، بعد أن كان مؤمناً مخلصا لله ومجاهداً شجاعاً لا يخشى إلاّ الله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾([89]).

عيســـى (ع)
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً﴾([90]).
أرسل الله سبحانه وتعالى أحد الملائكة - وروي جبرائيل (ع) ([91]) - ليهب لمريم (ع) الصديقة الطاهرة المنقطعة إلى الله صبياً مباركاً، فنفخ الملك عليها نفخة شاء الله أن يجعلها سبباً في تكوَّن ذلك الجنين في رحم مريم (ع)، وخرجت من الدير لتلد ذلك الجنين المبارك، وجاءت به إلى قومها امتثالاً لأمر الله، وتكلم الوليد وهو في المهد، لتكون هذه المعجزة إشارة إلى عظمة هذا الوليد وبراءة أمه الطاهرة من اتهامات اليهود، وروي ([92]): أنّ أمه أخذته إلى الناصرة أو إلى مصر، ثم عادت إلى الناصرة؛ لينشأ هناك بعيداً عن الحاكم الطاغية هيرودس الذي كان يريد قتله.
 
* * *
بعث عيسى (ع)
كان علماء بني إسرائيل يحبون المال والدنيا، ولذا انكب الناس على طلب الدنيا والمال، وبدؤوا يتركون وصايا الأنبياء (ع) وراء ظهورهم (إذا فسد العالِم فسد العالَم)، وكل شيء يفسد يصلحه الملح، ولكن إذا فسد الملح؟!
وهكذا ظهر في المجتمع طبقات مترفون يشبعون حتى التخمة، ومساكين يتضورون جوعاً طيلة أيام السنة، عمّال ومزارعون أنهكتهم الضرائب، ومع أنّهم كانوا يعملون كثيراً كانوا لا يكادون يأكلون إلاّ القليل. أناس يعملون ولا يأكلون، وآخرون يأكلون ولا يعملون، وعلماء مترفون لا يهتمون بتغيير تلك الأوضاع الفاسدة.
وفي ظل تلك الأجواء الملبدة بالغيوم بُعث عيسى (ع) ليقول للناس من كان يريد أن يتبعني فليستعد للموت والصلب، إنها دعوة إلى الثورة.
روي عنه (ع) أنّه قال: (لا تخافوا الذين يقتلون الجسد، ولا يقدرون أن يقتلوا النفس، بل خافوا الذي يقدر أن يهلك الجسد والنفس معاً في جهنم) ([93]). وكان (ع) يعلم أنّه لا يستطيع تغيير كثير من الفساد في ذلك الوقت، ولكن ليس أقل من إيقاع صدمة في ذلك المجتمع، بل وفي تاريخ الإنسانية على هذه الأرض، وانتظار النتائج الكبيرة في المستقبل سواء القريب بعد رفعه إلى السماء أو البعيد بعد عودته في القيامة الصغرى، أي زمن ظهور الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري(ع).
بُعث عيسى (ع) إلى بني إسرائيل وغيرهم، ولكن شريعته لم تكن ناسخة إلاّ لشريعة موسى(ع)، وهناك عدّة أسباب لهذا النسخ.
منها: إنّ بعض الأحكام فرضت على اليهود بما يناسب حالهم في ذلك الوقت الذي بعث فيه موسى (ع) إلى وقت بعث عيسى (ع)، كما أنّ بعض المحرمات على بني إسرائيل كانت بسبب ظلمهم وجرأتهم على الأنبياء واستخفافهم بالتشريع، فخُففت عنهم ببعث عيسى (ع)، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾([94]).
ولعل أهم أسباب نسخ وتجديد شريعة موسى (ع)، أنّ علماء اليهود غيروا الشريعة وحرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله، تبعاً لأهوائهم الشخصية وتخرصاتهم العقلية، وربما إرضاء لبعض الطواغيت الذين تسلطوا عليهم في بعض الأحيان كما جاء في بعض الروايات ([95])، فعاد السامري وعاد العجل، ولكن هذه المرّة باسم جديد وهيئة جديدة، عاد السامري بعلماء بني إسرائيل، وعاد العجل بتحريف الأحكام الشرعية.
ومع أنّ كثيراً من الأنبياء (ع) بعثوا للحفاظ على شريعة موسى (ع) وحفظها من التحريف لكن التيار المنحرف أو قل التيار السامري أخذ يسيطر على دفّة القيادة وأقصي الأنبياء (ع)، وطردوا إلى البراري والقفار، وقتل كثير منهم قبل بعث عيسى (ع)، كزكريا (ع) الذي قتله اليهود أنفسهم، ويحيى (ع) الذي قتلوه بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخضوعهم للطاغوت والركون له فقبض الحاكم الطاغية (هيرودس) على يحيى (ع) وسجنه مدّة ليست بقصيرة قبل أن يقتله، ولم يحرّك العلماء اليهود ساكناً، بل استقبل كثير منهم هذا الحدث بفرح كبير، ومع أنّهم يرون في الحاكم الجائر طاغوتاً ورجساً، يتنجسون بمجرد الدخول في قصره كانوا لا يتورعون عن التعاون معه لقتل أحد الأنبياء (ع)، أو العلماء العاملين المجاهدين؛ لأنّ الأنبياء (ع) متى استتبت لهم الأمور لن يرضوا دون استئصال الطواغيت وإقامة الحكومة الإلهية على الأرض، وبالتالي ذهاب سلطة الطاغوت وحكومته وذهاب سلطة ومكانة العلماء غير العاملين الذين حرفوا الشريعة وصوروا أنفسهم ورثة الأنبياء والأوصياء (ع)، طلباً لمكانتهم في قلوب الناس، ولهذا فمن الطبيعي أن يكون أوّل من يعادي عيسى (ع) الطواغيت وعلماء الدين في بني إسرائيل، الذين كانوا يدّعون أنّهم ينتظرون بعثه لهم لينصروه، ولكن عندما بعث وجدوه يقول: (خادمي يداي، ودابتي رجلاي، وفراشي الأرض، ووسادي الحجر، ودفئي في الشتاء مشارق الأرض، وسراجي بالليل القمر، وإدامي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، وفاكهتي وريحانتي ما أنبتت الأرض للوحوش والأنعام، أبيت وليس لي شيء، وأصبح وليس لي شيء، وليس على وجه الأرض أحد أغنى مني) ([96]).
وجدوه يدعوهم للزهد في هذه الدنيا، وتحمل الدعوة إلى الله. وهذا يؤدي بهم إلى الاصطدام بالطواغيت وأعوانهم الذين يعارضون الدعوة إلى الله.
وجدوه يدعو أتباعه للاستعداد للموت، وتحمل القتل في سبيل الله، وتحمل المصاعب في طريق الدعوة إلى الله.
وجدوه يجلس مع الخاطئين وجُبات الضرائب ليصلحهم، إذاً فعيسى (ع) لم يأتِ ليعزز مكانة العلماء غير العاملين وسلطتهم ويعظم قدرهم ويمدهم في طغيانهم، بل جاء ليفضحهم بعلمه وزهده
في هذه الدنيا.
فأخذ علماء بني إسرائيل يتكلمون عليه، ويتهمونه بشتى الاتهامات الباطلة، وجاءه تلاميذه وقالوا له: (أتعرف أنّ علماء اليهود استاءوا عندما سمعوا كلامك هذا)، فأجابهم (ع): (اتركوهم هم عميان قادة عميان، وإذا كان الأعمى يقود الأعمى سقطا معاً في حفرة) ([97]).
وهكذا كانت جبهة الباطل المواجهة لعيسى (ع) واسعة تضم علماء بني إسرائيل والشعب اليهودي الذي استخفوه بادعاءاتهم الباطلة، والحاكم الكافر بيلاطس وجنوده، ولعل بعضهم يستغرب وله الحق في ذلك إذا علم أن عداء العلماء غير العاملين من بني إسرائيل لعيسى (ع) كان أشد من عداء بيلاطس الحاكم الجائر وجنوده، ولهذا أخذ عيسى (ع) يبين خطأ هؤلاء العلماء غير العاملين على رؤوس الأشهاد.
قال (ع) مخاطباً الناس وتلاميذه: (معلمو الشريعة و الفريسيون على كرسي موسى جالسون، فافعلوا كل ما يقولونه لكم واعملوا به ، ولكن لا تعملوا مثل أعمالهم، لأنّهم يقولون ولا يفعلون، يحزمون أحمالاً ثقيلة شاقة الحمل ويلقونها على أكتاف الناس، ولكنهم لا يحركون إصبعاً تعينهم على حملها، وهم لا يعملون عملاً إلاّ ليشاهدهم الناس، يجعلون عصائبهم عريضة على جباههم وسواعدهم ويطولون أطراف ثيابهم ويحبون مقاعد الشرف في الولائم ومكان الصدارة في المجامع والتحيات في الأسواق وأن يدعوهم الناس يا معلم … الويل لكم يا معلمو الشريعة والفريسيون المراءون تغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس، فلا أنتم تدخلون ولا تتركون الداخلين يدخلون، الويل لكم يا معلمي الشريعة والفريسيون المراءون تأكلون بيوت الأرامل وأنتم تظهرون أنكم تطيلوا الصلاة سينالكم أشد العقاب، الويل لكم أيها القادة العميان! تقولون من حلف بالهيكل لا يلتزم بيمينه، ولكن من حلف بذهب الهيكل يلتزم بيمينه، فأيما أعظم أيّها الجهال العميان الذهب أم الهيكل الذي قدس الذهب؟… الويل لكم يا معلمي الشريعة والفريسيون المراءون تعطون العشر من النعنع والصعتر والكمون ولكنكم تهملون أهم ما في الشريعة: العدل والرحمة والصدق …) ([98]).
وحقيقٌ بنا أن نتدبر هذه الكلمات، فربما هي وجهت في يوم من الأيام إلى بني إسرائيل وعلمائهم، ولعلها اليوم موجهة لنا.
ومع الأيام كثر أتباع عيسى (ع)، وهم كأتباع أي نبي من الفقراء والمستضعفين، أو حسب ما يسميهم أعداء الأنبياء: ﴿أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْي﴾([99]).
وأخذ علماء بني إسرائيل يتآمرون على قتل عيسى (ع) بحجة أنّه يدعي الملك. وكثر أتباعه وهذا يؤدي إلى أنّ الرومان سيهاجمون الشعب اليهودي ويقضون عليه، وبالتالي قرّر رئيس علماء اليهود أنّ قتل عيسى (ع) وهلاكه أفضل من هلاك الشعب كلّه، فبحجة المحافظة على الشعب يجب أن يقتل عيس (ع) !!
وهذا هو الميزان العدل!! وهذا هو الحق بنظر هؤلاء المنكوسين الظلمة قتلة الأنبياء، الذين يرون المنكر معروفاً، فلكي لا يعكر صفو حياتهم الرومان، ولا تتعرّض مصالحهم وحياتهم للخطر، يجب أن يقتل عيسى(ع) ويخنق الحق ويطفأ النور، وليستبد الطاغوت والظلم والظلام، فالمهم أن يبقى علماء بني إسرائيل غير العاملين أحياء، ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾([100]). وحاولوا بكل طريقة أن يغروا به لقيصر حاكم الرومان وعامله بيلاطس وأتباعه اللعناء ليقتلوه!! ولأنّهم جبناء لم يكونوا أهلاً لاستيعاب شجاعة هذا النبي العظيم، جاء في الإنجيل: (حين أذن ذهب الفريسيون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة فأرسلوا إليه تلاميذهم من الهيروديسيين، قائلين يا معلم نعلم إنّك صادق، وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد لأنّك لا تنظر إلى وجوه الناس، فقل لنا ماذا تظن أيجوز أن تعطى الجزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع خبثهم وقال: لماذا تجبرونني يا مراءون أروني معاملة الجزية فقدموا له ديناراً فقال: لهم لمن هذه الصورة والكتابة قالوا له: لقيصر. فقال لهم أعطوا إذن مال قيصر لقيصر ومال الله لله ، فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا) ([101]).
وهكذا كانوا يريدون منه أن يقول بشكل صريح وعلى رؤوس الأشهاد أنّه يحرّم دفع الضرائب لحكومة القيصر اللعين، ليوقعوه بيد هذا الطاغوت وأرجاسه اللعناء. هذا وهم دفعوا الضرائب لقيصر وأفتوا للشعب بجواز دفعها لقيصر مع أنّها تقوي حكومة الطاغوت، فكانوا عبيداً للطاغوت، وانطوت نفوسهم على الجبن بسبب حبهم للحياة وحرصهم عليها.
أمّا جواب عيسى (ع) فمعناه: لا تعطوا الجزية لقيصر؛ لأنّ الصورة والكتابة على الدينار ليس لها قيمة إنما القيمة للذهب الذي سبك منه الدينار والذهب لله، وعلى كل حال في النهاية اعتقل علماء بني إسرائيل عيسى (ع).
وجاء في الإنجيل إنّهم بصقوا في وجهه الشريف، وضربوه وأهانوه، واتهموه أنّه يجدف ويكذب على الله سبحانه، ثم سلموه إلى بيلاطس، واتهموه أنه يدعي الملك ويهدد الإمبراطورية الرومانية، وطلبوا من بيلاطس قتله وصلبه وألَحوّا عليه بذلك.
ورد في الإنجيل: (وقام الحضور كلهم وجاءوا بيلاطس وأخذوا يتهمونه ويقولون: وجدنا هذا الرجل يثير الفتنة في شعبنا، ويمنعه أن يدفع الجزية إلى قيصر ، ويدعي أنه المسيح الملك) فسأله بيلاطس (أنت ملك اليهود؟)، فأجاب: (أنت قلت)، فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: (لا أجد جرماً على هذا الرجل)، لكنهم أصرّوا على قولهم: (أنه يثير الشعب بتعليمه في اليهودية كلها من الجليل إلى هنا) ([102]).
وعندما أراد بيلاطس الحاكم الجائر إطلاق صراحه في عيد الفصح، رفض علماء اليهود والشعب الذي استخفوه وطلبوا أن يطلق أحد القتلة بدلاً عنه وألَحوّا على قتل عيسى وصلبه، والغريب أنّهم عندما جاءوا بعيسى (ع) لقصر بيلاطس ليسلموه لم يدخلوا القصر؛ لأنهم كانوا يعتقدون بكفر بيلاطس، وبالتالي فمن يدخل قصره منهم يتنجس، ومع ذلك فقد وضعوا أيديهم بيد بيلاطس للقضاء على عيسى (ع).
أنظر كيف اجتمع أهل الباطل مع اختلافهم وتناحرهم للقضاء على الحق!!
وتدبر ولا تكن من الغافلين، فإنّ أهل الباطل مهما اختلفت طرقهم وتعارضت عقائدهم وآراؤهم فإنّ طاعة الشيطان تجمعهم، وحب الدنيا يوحّدهم.
وعلى كل حال يمكرون و يمكر الله والله خير الماكرين، فلم يمكنهم الله من قتل عيسى (ع)، ولكن رفعه إلى السماء وشبهه لهم، وظنوا أنّهم قتلوه، قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾([103]).
وادخر الله سبحانه عيسى (ع) حياً إلى آخر الزمان، وسينـزل من السماء إلى الأرض إن شاء الله هادياً إلى الصراط المستقيم، ووزيراً لخاتم أوصياء النبي (ص) المهدي (ع) عند قيامه بالحق وتطهيره الأرض من الشرك والإلحاد والظلم والفساد، ونشر التوحيد والعدل والرحمة بين العباد.
وحقيق بنا ونحن نستقرئ قصص هؤلاء الأنبياء العظام (ع) أن نستيقن أنّ الباطل مهما علا فهو كالزبد يذهب جفاء، وإنّ الحق مهما حاول الباطل أن يغطيه يبقى وينفع الناس كالماء تحت الزبد، قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾([104]). ومهما تفرعت أغصان شجرة الباطل وتكاثفت وغطت بعض أغصان شجرة الحق، وحاولت خنقها فسيأتي يوم تقلع فيه شجرة الباطل، وترمى في الجحيم لإنهاء بلا أصل وبلا جذور ما لها من قرار، وشجرة الحق وإن بقي منها غصن واحد يرفرف بعيداً خلف السحاب فستنمو وتتفرع أغصانها وتتكاثف حتى يستظل بها أهل الأرض جميعاً؛ لأنّ أصلها ثابت في الأرض وفرعها يرفرف في السماء، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾([105]).
 
* * *
تحريف التوراة والإنجيل
الأدلة على تحريف اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل كثيرة ولست بصدد استقصائها، فتحريفها لا يخفى على من قرأها بتدبر وهو صاحب فطرة سليمة وفكر مستقيم، وراجع ما كتبه أحد مفكريهم، وهو سبينوزا في كتابه (رسالة في اللاهوت والسياسة، الفصل الثامن)، وكمثال أنقل هذه الفقرات من كلامه، قال: (ولكي أسير في بحثي هذا بطريقه منظمة سأبدأ بالأحكام المسبقة المتعلقة بمن قاموا بتدوين الكتب المقدسة، وسأبدأ أولاً بمن قاموا بتدوين الأسفار الخمسة، لقد ظن الجميع تقريباً أنّه موسى، بل إنّ الفريسيين أيدوا هذا الرأي بإصرار شديد حتى إنّهم عدّوا من يظن خلاف ذلك من المارقين، ولهذا السبب فإنّ ابن عزرا وهو رجل كان فكره حرّاً إلى حدٍ ما، ولم يكن علمه يستهان به وهو أول من تنبه إلى هذا الخطأ - فيما أعلم - ولم يجرؤ على الإفصاح عن رأيه صراحة، واكتفى بالإشارة إليه بألفاظ مبهمة. أمّا أنا فلن أخشى توضيحها وإظهار الحق ناصعاً، هذه هي أقوال ابن عزرا في شرحه على التثنية (فيما وراء نهر الأردن … الخ، ولو كنت تعرف سر الاثنتي عشرة … كتب موسى شريعته …).
بهذه الكلمات القليلة يبين ويثبت في الوقت ذاته أنّ موسى ليس هو مؤلف الأسفار الخمسة، بل إن مؤلفها شخص آخر عاش بعده بزمن طويل، وإنّ موسى كتب سفراً مختلفاً وللبرهنة على ذلك يذكر 1- أن موسى لم يكتب مقدمة التثنية؛ لأنه لم يعبر نهر الأردن. 2- … الخ ) ([106]).
وكيف كان فإنّ تحريف التوراة والإنجيل الموجودة اليوم أمر مقطوع به، أو على الأقل راجح عند كل مفكر حر كسر قيود التقليد الأعمى وأين هم هؤلاء؟! وإلاّ فكيف يحتمل مؤمن بالله سبحانه وتعالى أن تنسب تلك البذاءة والفحش إلى أنبياء الله ورسله (ع) والتي اكتظت بها التوراة؟!
وعلى كل حال بقيت التوراة والإنجيل كنصوص تاريخية يمكن الاستفادة منها، وكحكم إلهية وأخبار بالغيب يمكن ترجيح صدور بعضها من الأنبياء (ع)، أو صدور معانيها على الأقل كونها مطابقة للمعاني التي جاء بها القران وسنّة النبي (ص) وآل بيته المعصومين (ع).
* * *
الإسلام أحياء لشريعة إبراهيم (ع)
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾([107]).
قبل بعث النبي محمد (ص) كانت في الجزيرة العربية ثلاث ديانات سماوية هي: الحنفية واليهودية و النصرانية. وكانت جميعها محرّفة عن الصراط المستقيم، وبالتالي فإنّ أتباعها منحرفون عن الصراط، إلاّ القليل من المرابطين على الحق الذين لا تخلو منهم فترة من الفترات، وكان معظم أهل مكة يدينون بالحنفية التي حرّفها بعض أئمة الضلال لما جاءوا بتماثيل حجرية وادعوا إنّ هذه التماثيل هي صور للملائكة، واستخفوا الناس وجعلوهم يقدّسونها ويتقرّبون لها بأنواع القربات، وجعلوا الناس يعتقدون أنّ الله يريد منهم أن يتقربوا له بواسطة هذه التماثيل، وجعلوهم يعتقدون إنّها تضر وتنفع من دون الله، بل جعلوها آلهة مع الله سبحانه وتعالى علواً كبيراً.
وكما حرفت العقائد في الشريعة الحنفية حرفت الأحكام الشرعية حيث إن تحريفها أسهل وأيسر.
روي أنّ رسول الله (ص) قال للأكثم بن الجون: (إني رأيت عمراً يجر قصبة في النار، وكان أول من غيّر دين إبراهيم، وأول من حمى الحمى، وسيب السوائب، وبحر البحيرة، ووصل الوصيلة، ونصب الأصنام، وغيّر دين إسماعيل فلم أرَ أحد أشبه به منك، قال: يا رسول الله هل يضرني ذلك شيئاً؟ قال: لا، لأنّك مؤمن وهو كافر) ([108]).
وروي أنّ رسول الله (ص) قال: (رأيت عمر بن عامر الخزاعي يجر قصبة من النار وكان أول من سيب السيب) ([109]).
ولم ينحرف جميع الأحناف في مكة، بل بقي منهم شرذمة قليلون مرابطون على الحق، منهم عبد المطلب جدّ النبي (ص)، وعبد الله والد النبي (ص)، وأبو طالب عم النبي (ص)، جاء في وصية النبي (ص) لعلي (ع): (يا علي، إنّ عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن أجراها الله عز وجل له في الإسلام: حرم نساء الآباء، فأنزل الله عزّ وجل: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾([110])، يا علي، أن عبد المطلب كان لا يستقسم بالأزلام، ولا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذبح على النصب، ويقول أنا على دين أبي إبراهيم (ع) ...) ([111]).
وفي كتب التاريخ إنّ السيد عبد المطلب عرف مكان زمزم بعد أن اندرس بالوحي الإلهي، بـ (الرؤيا)، فحفر في المكان الذي رآه فكان هو مكان زمزم ([112])، أمّا أبو طالب فهو سيد الأحناف ووصي من أوصياء إبراهيم (ع)، بل خاتمهم وهو الحجة على النبي قبل أن يبعث، ثم كان تابعاً لرسول الله (ص) بعد البعثة، فهو سيد المسلمين في مكة، والقوم يروون الكثير في فضله، ويروون شعراً كثيراً له دلالة على إسلامه، ويروون مواقف كثيرة له في نصرة الإسلام، ومع هذا يقولون مات أبو طالب كافراً لا لشيء ولكن بغضاً لولده علي (ع)، الذي أطبق ذكره الخافقين ولم يجدوا مثلبة ليعيبوه بها من خَلق أو خُلق أو دين، ولو لم يكن لأبي طالب إلاّ قوله:
ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً           نبياً كموسى خط في أول الكتب
لكفى به دليلاً على إسلامه فكيف ومواقفه في نصرة الدين الإسلامي أبين من شمس في رابعة النهار وإن أخفى إسلامه مدّة من الزمن كمؤمن آل فرعون ([113]).

* * *
الإسلام ثمرة الأديان الإلهية في الأرض
ومحمد هو عيسى وموسى وإبراهيم (ع)
والقرآن هو التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم
قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه﴾([114]).
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾([115])، ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾([116]).
الإسلام كدين إلهي لا يختلف عن الدين اليهودي أو النصراني أو الحنفي، وليس شيئاً مبتدعاً، بلى ربما اختلفت بعض تفاصيل التشريع في هذه الأديان وجاء الإسلام ببعض التفاصيل المختلفة بما يناسب مسيرة الإنسانية التكاملية على هذه الأرض. فالعقائد الإلهية لجميع الأديان واحدة، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، فهم أمة واحدة ودعوتهم واحدة.
أمّا ما يدعيه بعض من أخطأ سمعاً فأساء إجابة بأنّ المسيحية أو غيرها هي دعوة للعزوف عن الحياة المادية والاهتمام بالحياة الروحية فقط، ولذلك فهي فاشلة، والإسلام هو دعوه لإصلاح الروح والجسد معاً ولذلك فهو أصلح.
أقول: في الحقيقة إنّ هذا ادعاء غير صحيح، وعلى من يريد نشر الإسلام أن يكون ناقداً موضوعياً لا أن يتخبط العشواء، ويسب أنبياء الله ورسله من حيث يعلم أو لا يعلم. بل وينسب إلى الله الجهل وعدم الحكمة بحجة أنّه يريد نشر الإسلام. فها نحن اليوم نسمع من بعض علماء المسلمين من يتكلم عن الصهاينة (لعهنم الله) فيقول سليمانهم وهيكلهم. كلا أيها العزيز بل هو سليماننا وهيكلنا، فنحن المسلمين أولى بالأنبياء وآثارهم من اليهود وغيرهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ * وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾([117]).
فالإسلام والمسيحية و اليهودية جميعها أديان سماوية، ومحمد وعيسى وموسى (ع) جميعهم أنبياء، وجميع هؤلاء الأنبياء دعوتهم واحدة، فهم دعوا الناس إلى طريق الله سبحانه والسير عليه والتوجه إلى الكمالات الروحية والمعنوية، وشرائعهم (عليهم صلوات ربي) فيها كثير من أحكام المعاملات الشرعية التي من شأنها إصلاح العالم المادي وترفيه المجتمع الإنساني اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، أمّا ما يلاحظ من كلامهم من كثرة الدعوة إلى التوجه إلى الكمالات الروحية والمعنوية والإعراض عن العالم المادي، فهو ليس إلاّ قضية معادلة لما يرَونه عن عزوف الناس عن كمالاتهم المعنوية وتوجههم إلى العالم المادي، وانقطاعهم إليه بشكل غير طبيعي، كما أننا اليوم لا نحتاج توجيه الناس في مجتمعنا الإسلامي إلى العالم المادي وهم على طول الخط منقطعون إليه لا يكادون يبصرون ما وراءه، بل نحن بحاجة لأن ندعوهم إلى التوجه إلى الله، قال تعالى في توبيخ هذه الإنسانية المنقطعة إلى الماديات والعازفة عن الروحانيات: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾([118])، أي يلههم العمل والانغماس في الدنيا.
أمّا ما ورد في كلام الأنبياء (ع) - وهو في الحقيقة قليل إذا قورن بما سواه - من توجيه بعض الفئات في المجتمع الإلهي إلى العمل والكسب والتمتع بما رزقهم الله، فهو لأنّ شرذمةً قليلةً جداً من المؤمنين ربما يعتقدون أنّ الله سبحانه يكره لهم التمتع بما رزقهم من الطيبات المادية، كما أنّ بعض الطفيّليين يريد أن يجلس ويتعبد - على ما يدعي - والناس تأتيه برزقه وتضعه في فمه، وهذا في الحقيقة ليس من الدين في شيء، فهذا طالب راحة يريد أن يجلس في مكان بارد ولا يتعب بدنه، والفلاح الذي تصهره الشمس يأتيه برزقه ويضعه في فمه.
* * *
قل ما كنت بدعاً من الرسل
ومحمد (ص) ليس بدعاً من الرسل، فدعوة جميع الأنبياء والأوصياء (ع) لم تلاق القبول من علماء الدين، وكبراء المجتمعات التي بعثوا فيها، فمحمد (ص) حاربه رؤساء مكة وعلماؤها الذين حاربوا الشريعة، ولم يؤمن به علماء اليهود وعلماء النصارى ومن استخفوه من عوامهم، مع أنّهم كانوا يبشرون به ويترقبون ظهوره ([119]).
وموسى (ع) لم يرضَ عنه كثير من بني إسرائيل، ووقف ضده بعض علمائهم وحاولوا حرف الشريعة واستخفاف الناس، كالسامري وبلعم بن باعورة ([120]).
أما عيسى (ع) فلم يرضَ عنه معظم علماء بني إسرائيل وكبراؤهم؛ لأنّ وجوده (ع) بينهم كان توبيخاً لهم، وزهده فضيحة أخزتهم.
ورد في الإنجيل: (وحينئذٍ وبخ يسوع الشعب بأشد عنف؛ لأنهم نسوا كلمة الله، واسلموا أنفسهم للغرور فقط، ووبخ الكهنة لإهمالهم خدمة الله ولجشعهم، ووبخ الكتبة لأنهم علموا تعاليم فاسدة وتركوا شريعة الله، ووبخ العلماء لأنهم أبطلوا شريعة الله بواسطة تقاليدهم. وأثر كلام يسوع في الشعب حتى إنهم بكوا جميعهم من صغيرهم إلى كبيرهم يستصرخون رحمته ويضرعون إلى يسوع لكي يصلي لأجلهم ما خلا كهنتهم ورؤسائهم، الذين أضمروا في ذلك اليوم العداء ليسوع؛ لأنه تكلم ضد الكهنة والكتبة والعلماء فصمموا على قتله، ولكنهم لم ينبسوا بكلمة خوفاً من الشعب، الذي قبله نبياً من الله. ورفع يسوع يديه إلى الرب الإله وصلى، فبكى الشعب وقالوا ليكن كذلك يا رب ليكن كذلك، ولما انتهت الصلاة نزل يسوع من الهيكل وسافر ذلك اليوم من أورشليم مع كثيرين من الذين اتبعوه وتكلم الكهنة فيما بينهم بالسوء في يسوع) ([121]).
وسيلاقي المهدي (ع) ما لاقاه أسلافه من الأنبياء والأوصياء من علماء الدين والطواغيت، ولعل مصيبته ستكون أكبر كما تدل عليه بعض الروايات. وسيأتي البحث في رواية تأول علماء الدين للقرآن واحتجاجهم على المهدي (ع) بآيات القرآن الكريم، بعد أن يفسروها بعقولهم الناقصة وأهوائهم الشخصية ([122]).
* * *
محمد (ص)
الداعي إلى الله في مكة
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾([123]).
كان المجتمع المكي ينقسم إلى فئتين أو ثلاث:
الأولى: هم الذين يقودون عملية الانحراف بالشريعة الحنيفية وأتباعهم. وهؤلاء قد تلبسوا بالعبادات الباطلة، سواء في عقائدهم كعبادة الأصنام أو أحكامهم الشرعية، كتحريم البحـيرة والحام([124])، وهؤلاء هم سادة القوم وعلماؤهم، فمن الطبيعي أن يكون أتباعهم معظم أهل مكة.
أمّا الفئة الثانية: فهم الذين وجدوا آباءهم ضالين، أو الذين ضلوا في ذلك المجتمع المنحرف عن الصراط المستقيم، ولكنهم كانوا غير راضين عن حالهم المزري، بل إن بعضهم كان في حالة ثورة داخل نفسه على تلك الأوضاع الفاسدة.
أمّا الفئة الثالثة: فهم شرذمة قليلون مرابطون على الحق، أي الديانة الحنيفية الصحيحة، أو ما وصل لهم منها، وعلى أقل تقدير منهم موحدون. فلما بعث النبي (ص) كان بشرى بالنسبة لهؤلاء المؤمنين الذين كانوا يترقبون بعثه ويتضرعون إلى الله ليريهم مناسكهم، كما كان النبي (ص) ملجأً حصيناً وكهفاً أميناً لكل ضال يتخبط في ظلمات الجاهلية، ويبحث عن نور الحق وميزان العدل والصراط المستقيم.
وهكذا بعث النبي (ص) في مكة أم القرى المدينة التي يحج إليها الناس، والمدينة التي تمثل المرجعية الدينية للأحناف، ليبدأ بالإصلاح من المركز الديني في الجزيرة العربية، المركز الذي طاله كثير من الفساد في العقائد والأحكام، وبعث النبي (ص) بالشريعة الإسلامية المجددة للحنيفية والناسخة لبعض أحكامها. فشريعة إبراهيم (ع) هي الأقرب للنفوس والأوفر حظاً أن ينظم تحت لوائها اليهود والنصارى الذين يقدسون إبراهيم (ع) ويعتبرونه أباً للأنبياء العظام (ع)، وبدأ النبي محمد (ص) الشجاع الذي لا يخشى في الله لومة لائم بإنذار المنحرفين من عشيرته بأمر الله سبحانه، وكانت حادثة الدار المعروفة ([125])، وبلّغ النبي (ص) أقرباءه ببعثه ونبوته، كما عيّن في ذلك اليوم بأمر الله سبحانه وتعالى وصيه ووزيره وخليفته في حياته وبعد موته علي بن أبي طالب (ع)، وبدأت الدعوة إلى الله تنتشر في مكة وبدا لسادة مكة أن مصالحهم مهددة، فأخذوا يخططون بشتى الطرق لإيذاء النبي (ص) وقتله لو أمكن وضرب الإسلام، والنبي (ص) ووصيه والمؤمنون يدعون إلى الله دون توقف، وهكذا أخذ عدد المسلمين بالازدياد. كما أنّ أذى المشركين اشتد وبدؤوا يعذبونهم ويمنعون النبي (ص) من تبليغ رسالة السماء.
وهكذا دُفِعَ النبي (ص) إلى المرحلة الثانية (الهجرة إلى الله). قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾([126]).
وبدأ النبي (ص) يبحث عن قاعدة إسلامية ومدينه يهاجر إليها، وأخذ يلقى الناس في مواسم الحج، ويقول لهم: (هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريش قد منعوني أن ابلغ كلام ربي)([127])، وقريش لم يتركوه حتى في موسم الحج، بل كانوا يحملون الناس على تكذيبه والاستهزاء به، وهو يقابلهم بالتسامح والصبر.
روي أنّه كان يقول ما معناه: (ربي اغفر لقومي إنهم لا يعلمون) ([128]).
وفي ظل تلك الظروف المؤلمة جاء لرسول الله (ص) وفد من نصارى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب (ع) عند عودته إلى مكة بعد هجرته، وجماعة من أصحاب رسول الله (ص) إلى الحبشة، وكان النصارى بضعاً وثلاثين رجلاً: (فلما جلسوا إلى رسول الله (ص) واطّلعوا على صفاته وأحواله وسمعوا ما تلي عليهم من القرآن آمنوا كلهم، فلما علم بذلك أبو جهل اقبل إليهم قائلاً: ما رأينا ركباً أحمق منكم! .. أرسلكم قومكم تعلمون خبر هذا الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، فقالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيراً، فنزل في حقهم قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾([129])…) ([130]).

* * *
الهجرة إلى الله
وعندما ألح أهل مكة وقريش بالأذى على رسول (ص)، أضطر إلى الهجرة، وهاجر أولاً إلى الطائف، إلى ثقيف الذين كان يأمل منهم الإيمان به ونصرته، ولكنهم خذلوه ولم يقبلوا دعوته، بل وآذوه فجلس يتحسر على قومه الذين يدعوهم إلى ما يحييهم، وهم يريدون هلاكه والقضاء عليه. ورفع رأسه إلى السماء وتفوه بتلك الكلمات المملوءة بالألم: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلاّ بك) ([131]).
وشاء الله بعد هذه المدة أن يقيّض لرسول الله (ص) جماعة من الأوس والخزرج، ليحملوه إلى يثرب، المدينة التي أسست لانتظاره، مدينة اليهود الذين يترقبون ظهوره وقيامه.
فهذه المدينة أسسها اليهود لينتظروا النبي الخاتم (ص) الذي بشّر به أنبياءهم، ولينصروه حسب زعمهم، فهاجروا من بلاد الشام إلى الجزيرة العربية بحثاً عن المكان الموعود الموصوف لهم بين جبلي أحد وعِير، وأخيراً وجدوه واستقروا فيه وأسسوا مدينة يثرب، ولما جاءهم الملك اليمني تبع بجيشه سألهم عن سبب هجرتهم، فأخبروه أنهم ينتظرون نبي يبعث ويستقر في هذا المكان، فأبقى من ذريته في يثرب لينصروا النبي (ص) عند بعثه، وهؤلاء هم الأوس والخزرج، فكان اليهود كل ما وقع خلاف بينهم وبين الأوس والخزرج هددوهم بالنبي الأمي (ص) الذي سيبعث، وحسب زعمهم إنهم ينتظرونه وسيكونون أتباعه وأنصاره وحواريه.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾([132]).
وهاجر المسلمون إلى المدينة بعد مرحلة عناء طويلة قضوها في مكة، وتبعهم النبي (ص) وهو يحمل صورة مؤلمة ومزرية لأهل مكة، قومه الذين كذبوه وآذوه ومن آمن معه وأخيراً أخرجوه خائفاً يترقب وتوجه تلقاء المدينة، وكان المفروض أن يكون اليهود أول المستقبلين له والمرحبين بقدومه المبارك إلى مدينتهم التي أسسوها لاستقباله، وأن يكونوا أول من يؤمن به وينصره، ولكنهم خذلوه وكذّبه علماؤهم وحاولوا استخفاف الناس وحملهم على الكفر به وبنبوته، فلم ينتفعوا بالعلم الذي كان عندهم، بل جعلوه سبباً لتكبرهم وتعاليهم على النبي (ص)، وضرب الله لهم بلعم بن باعورا مثلاً في القرآن ([133])؛ ليرتدعوا ويثوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى ربهم، ولكنهم ازدادوا عناداً وتكبراً كالجيفة عندما ينـزل عليها المطر الطاهر تزداد نتـناً وعفونة.
ولو أمعنا النظر في حال اليهود لوجدناهم قد فوجئوا بأمور:
الأول: إنّ النبي (ص) ليس إسرائيلياً، فإذا كانوا قد اعترضوا على طالوت (ع) لعدم كونه من ذرية يوسف بيت الملك ولا من ذرية لآوى بيت النبوة ([134])، مع أنّ طالوت من ذرية بنيامين شقيق يوسف، أي: إنّه إسرائيلي، فإنّ اعتراضهم على النبي (ص) أمر متوقع، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾([135]).
أمّا الأمر الثاني: فهو أنّ بعض العقائد والأحكام الشرعية التي أتى بها رسول الله (ص) تختلف عن عقائدهم وأحكامهم الشرعية المحرّفة التي كانوا يدعون إنها شريعة موسى (ع)، مع أنّ علماءهم قد حرّفوا الكثير منها حتى قبل بعث عيسى (ع).
والثالث: إنّ رسول الله (ص) سيسلب من علماء بني إسرائيل مكانتهم ورئاستهم الدينية الباطلة، كما أنّ عدالته في توزيع الأموال ستسلبهم الخصوصية التي كانوا يتمتعون بها، فإن اتبعوه لن يتمكنوا من الاستئثار بأموال الصدقات. ورد في تفسير: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾([136]).
عن الإمام العسكري (ع): (وكان هؤلاء قوم من رؤساء اليهود وعلمائهم احتجبوا أموال الصدقات والمبرّات، فأكلوها واقتطعوها ثم حضروا رسول الله (ص) وقد حشروا عليه عوامهم،
يقولون: أنّ محمد تعدّى طوره وادعى ما ليس له …).
ثم قال الأمام العسكري (ع): (قال رسول الله (ص) مخاطباً اليهود وعلماءهم: يا معاشر اليهود هؤلاء رؤساؤكم كافرون ولأموالكم محتجبون ولحقوقكم باخسون ولكم في قسمة ما اقتطعوه ظالمون يخفضون ويرفعون، فقالت رؤساء اليهود: حدثّ عن موضع الحجة بنبوتك ووصاية أخيك هذا، ودع دعواك الأباطيل وإغرائك قومنا بنا، فقال رسول الله (ص): لا، ولكن الله عزّ وجل قد آذن لنبيه أن يدع بالأموال التي خنتموها لهؤلاء الضعفاء ومن يليهم) ([137]).
وكانت النتيجة أن أخذ حب الأنا واتباع الهوى من علماء بني إسرائيل كل مأخذ، ومنعهم التكبر من اتباع النبي الأمي (ص)، ولم يؤمن بالنبي منهم إلاّ قليل. وهكذا فشل المنتظرون مرّة أخرى في الانتظار،كما فشلوا في انتظار عيسى وموسى (عليهما السلام) من قبله.
والحقيقة التي يجب أن يلتفت إليها هي: أنّ هؤلاء اليهود الذين فشلوا في انتظار النبي محمد (ص) هم ذراري أولئك الذين هاجروا في سبيل الله وأسسوا مدينة يثرب لانتظار النبي الخاتم (ص)، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾([138]).
أمّا النصارى، فقد كان لغلوهم بعيسى (ع) ولتحريفهم لسيرته وتعاليمه، أو ما يسمى بـ (الإنجيل أو العهد الجديد)، كما كان لفهمهم الخاطئ في بعض الأحيان لكلامه (ع)، والأنبياء (ع) يتكلمون أحياناً بالرموز والأمثال والحكم ليقربوا بعض الحقائق للناس.
أقول: إنّ مجموع هذه الأمور تضافرت ليجد القوم في طياتها السبل للخروج عن جادة الصراط المستقيم، وتأليه عيسى (ع)، ثم عدم الإيمان بنبوة محمد (ص) ووصاية علي (ع) مع أن بعضهم آمنوا بالنبي (ص) كما مرّ أنّ أول وفد آمن بالنبي (ص) هو وفد من نصارى الحبشة، وفي التوراة والأناجيل الأربعة الموجودة اليوم والمقبولة لدى النصارى توجد بعض الإشارات إلى النبي محمد (ص) وعلي (ع)، وكثير من الإشارات إلى المهدي (ع) من ولده.
أمّا في إنجيل برنابا فهناك تصريح من عيسى (ع) أنّه جاء ليبشر بمحمد (ص) ورجل آخر رمز له بالمختار، أو واحد من المختارين والذي سيظهر دين محمد (ص)، كما قال (ع) أنّه جاء ليمهد الطريق لمحمد (ص)، ولشريعته التي ستكون في زمن نزول عيسى (ع) شريعة أهل الأرض جميعاً.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾([139])، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾([140])، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾([141]).
وما بقاء عيسى (ع) إلى اليوم إلاّ لنصرة دين الله عندما ينزل في زمن ظهور الإمام المهدي (ع) ويصلي خلفه وتعد شريعته الإسلامية الحنيفية السمحاء كما روى الفريقان عن صاحب الشريعة (ص).
 * * *
الاستبدال
كَذَّبَ رسول الله (ص) قومُهُ وعشيرتُهُ وأهلُ مدينته وعلماءُ اليهود والنصارى، ولم يؤمن به الشيوخ ورؤساء القوم، ولكن آمن به وقبله الغرباء أهل المدينة الطيبة المباركة يثرب، وآمن به الفقراء والمستضعفون والشباب، وهكذا استبدل الله علماء الدين ورؤساء القوم وبعض من كان يدعي أنّه ينتظر بعث محمد (ص) بآخرين هم أصحاب محمد (ص) المنتجبون الذين قدمهم أمامه إلى الجنة، وقُتل معظمهم في حياته شهداء محتسبين، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾([142]).
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾([143]).
هؤلاء ثلة غيروا وجه التاريخ وبيضوا وجه الإنسانية، جعفر بن أبي طالب، وأبو دجانة الأنصاري، وحنظلة غسيل الملائكة، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، والمقداد، وعمار، وجندب بن جنادة، وسلمان المحمدي الفارسي الأصل وكثيرون غيرهم، ربما لم يذكر التاريخ لبعضهم اسماً ولا رسماً ممن حاربوا الفساد والمفسدين، ولم يطلبوا علواً في الأرض، معروفون في السماء مجهولون في الأرض، فطوبى لهم وحسن مآب وجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء لنصرهم دين الله في أرضه، ونصرتهم لسيد الأنبياء وسيد الأوصياء محمد وعلي عليهما وعلى آلهما صلوات ربي وسلامة.
وقريب من هذا ما حدث مع من سبق محمد (ص) من الأنبياء كما مرّ علينا أنّ علماء اليهود لن يؤمنوا بعيسى (ع)، ولم يؤمن بعيسى أهل مدينته الناصرة التي تربى فيها، جاء في الإنجيل: (وخرج من هناك وجاء إلى بلدة يتبعه تلاميذه، وفي السبت أخذ يعلم في المجمع فتعجب أكثر الناس حين سمعوه وقالوا من أين له هذا؟ وما هذه الحكمة المعطاة له وهذه المعجزات التي تجري على يديه؟ أما هو النجار بن مريم، وأخو يعقوب ويوسي و يهوذا و سمعان؟ أمّا أخواته عندنا هنا ورفضوه. فقال لهم يسوع: لا نبي بلا كرامة إلاّ في وطنه، وبين أقربائه وأهل بيته. وتعذر على يسوع أن يصنع أي معجزة هناك، سوى أنّه وضع يديه على بعض المرضى فشفاهم، وكان يتعجب من قلة إيمانهم، ثم سار في القرى المجاورة يعلم) ([144]).
كما ورد في بعض الروايات أنّ بعض الشيعة لن يؤمنوا بالمهدي (ع)، كما لم يؤمن السنة بآبائه (ع)، (سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً).
بل إنّ بعض العلماء غير العاملين الذين يعتقد الجاهل أنّهم قريبون منه لن يؤمنوا به، قال الإمام الصادق (ع): (… وكذلك القائم فإنّه تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه، ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة من الشيعة، الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف والتمكين ولهم الأمر المنتشر في عهد القائم … وقال (ع): كل ذلك لتتم النظرة التي أوجبها الله لعدوه إبليس، إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ويحق القول على الكافرين ويقرب الوعد الذي بينه الله في كتابه بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾([145])، وذلك إذ لم يبقَ من الإسلام إلا اسمه ومن القران إلا رسمه، وغاب صاحب الأمر بإيضاح العذر له في ذلك لاشتمال الفتنه على القلوب، حتى يكون أقرب الناس إليه أشدهم عداوة له، وعند ذلك يؤيده الله بجنود لم تروها، ويظهر دين نبيه على يديه، ويظهره على الدين كله ولو كره المشركون)([146]).
 * * *
ماذا بعد الهجرة ؟
في المدينة بدأ النبي (ص) ببناء مجتمع إسلامي يتعامل وفق تعاليم شريعة الله المقدسة، بدأ النبي (ص) في المدينة بكلمة لا إله إلاّ الله لينتهي إلى تدبير شؤون المجتمع وسياسة الناس لما فيه صلاحهم وكمالهم. وكان لخلقه العظيم وللمعجزات التي تظهر على يديه الكريمتين أثر كبير في الناس، وازدياد عدد المسلمين وتوجههم إلى كمالاتهم المعنوية والعزوف عن زخرف الدنيا، وهكذا بدأت تلك الصحراء المقفرة تخضر، ولو ترك محمد (ص) يدعو الناس إلى الله سبحانه الرحمن الرحيم ولكن هيهات لو ترك القطا لنام.
ومن قبل ما ترك نمرود إبراهيم (ع)، ولا فرعون موسى (ع)، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾([147]).
أنظر إلى منطق هذا الكافر المتكبر فهو ينشر الصلاح بخموره وفجوره، وموسى يفسد في الأرض بنشر كلمة لا إله إلا الله، وإقامة الحكم الإلهي في الأرض، وهذا هو منطق الفراعنة الذين تسلطوا على المسلمين اليوم.
فإذا عرفنا هذا عرفنا أنّ الصدام المسلح أمر حتمي الوقوع، كما أنّ الجهاد لنشر كلمة لا إله إلاّ الله ضروري، ليكون الدين خالصاً لله وتكون كلمة الله هي العليا، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾([148]).
وبدأ المسلمون يدافعون عن كيانهم الإسلامي الذي بدأ صغيراً في المدينة ثم اتسع بفضل الله، وبعد أن استقرت الأمور هاجموا الحكومات الطاغوتية المتسلطة على رقاب الناس ليخلوا بعد ذلك الناس تحت ظل الدولة الإسلامية، دولة لا إله إلاّ الله يختارون الدخول في الإسلام أو البقاء على إحدى الديانات الإلهية السابقة مع دفع الجزية التي هي نظير الزكاة التي يدفعها المسلمون، هذا هو قانون الإسلام العادل في القرآن، ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾([149]).
أمّا الذين لا يدينون للخالق جلّ وعلا، وليس لهم دين سماوي فهؤلاء يُقاتلون حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله.
وهكذا انتشر الإسلام بفضل الله وبجهاد النبي والوصي والمؤمنين، كان النبي (ص) كالطبيب الدوار بأدويته كما وصفه أمير المؤمنين (ع) ([150])، كان يسير بين الناس يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويعمل ليلاً ونهاراً لنشر كلمة لا إله إلاّ الله، وهذه هي السيرة التي عمل بها الأئمة (ع) بعده كما أنّها كانت سيرة الأنبياء والمرسلين قبله، فعيسى (ع) كان سائحاً في الأرض يدعو الناس إلى الله، وهكذا بقية الأنبياء إبراهيم وموسى وغيرهم (ع).
فهذه قصصهم في القرآن تهتف بالعمل الجاد المتواصل لنشر كلمة لا إله إلاّ الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* * *
بعد وفاة النبي (ص)
قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾([151]).
خير من يصف ما حدث بعد وفاة النبي (ص) هي الزهراء (ع)، أقرب الخلق إلى رسول الله (ص)، حيث قالت في خطبتها في مسجد النبي (ص) بعد وفاته: (… فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى اصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الاقلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحشمكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم ووردتم غير مشربكم، هذا والعهد قريب والكلم رحيب، والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) ([152]).
ولما جاءت نساء المهاجرين والأنصار لعيادتها، قلن لها: كيف أصبحت عن علتك؟ فقالت: (أصبحت والله عائفة لدنياكم قالية لرجالكم، لفظتهم قبل أن عجمتهم وشنئتهم بعد أن سبرتهم، فقبحاً لفلول الحد، وخور القناة، وخطل الرأي، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم، أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُون لا جرم لقد قلدتهم ربقتها، وشننت عليهم عارها فجدعاً وعقراً وسحقاً للقوم الظالمين، ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الوحي الأمين، والطبين بأمر الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين. وما نقموا من أبي الحسن، نقموا والله منه نكير سيفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله عز وجل.
والله لو تكافوا عن زمام نبذه رسول الله (ص) إليه لاعتلقه، ولسار بهم سيراً سجحاً، لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً تطفح ضفتاه. ولأصدرهم بطاناً قد تحير بهم الري غير متحل منه بطائل، إلا بغمر الماء وردعة شررة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
ألا هلم فاسمع، وما عشت أراك الدهر العجب، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث. إلى أي سناد استندوا وبأي عروة تمسكوا، استبدلوا الذنابي والله بالقوادم، والعجز بالكاهل. فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ.
أما لعمر الهك لقد لقحت، فنظره ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً، وذعافاً ممقراً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما سن الأولون، ثم طيبوا عن أنفسكم أنفساً، وطامنوا للفتنة جأشاً، وأبشروا بسيف صارم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيداً، وزرعكم حصيداً. فيا حسرتي لكم، وأنى بكم وقد عميت قلوبكم عليكم، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) ([153]).
وهكذا قُدم المؤخر، وأُخر المقدّم بعد وفاة النبي (ص)، واستولى أبو بكر وعمر وأشياعهم على السلطة، ونُحي وصي رسول الله (ص) علي بن أبي طالب (ع)، وأوذي هو والزهراء (عليهما السلام)، وماتت (ع) أثر اقتحام عمر وجماعة من المنافقين دارها لإجبار الإمام علي (ع) على مبايعة أبي بكر، وضربها بالسوط وضغطها بين الحائط والباب حتى كسر ضلعها ونبت المسمار في صدرها وأسقط جنينها. ووردت على أبيها مظلومة، مقهورة من قوم كانوا يسمعون النبي (ص) يقول ما معناه: (إنّ الله يغضب لغضب فاطمة) ([154]).
فتعساً للقوم لما انتهكوا من حرم الله، واستخفوا بخيرة خلقه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾([155]).
هذا والنبي (ص)لم يترك المسلمين في حياته دون أن يوجههم إلى القيادة من بعده، وإلى الأوصياء من ولده (ع)، حيث أمره الله سبحانه بذلك. ولكن لابد من الفتـنة للتمحيص، ولابد من السامري، ولابد من العجل، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾([156]).
وإنّي لما أردت أن أختار بعض الروايات عن النبي (ص) الدالة على أنه أرشد المسلمين إلى الصراط المستقيم، وإلى الأوصياء من بعده وخلفاء الله في أرضه، احترت أيّها أختار لكثرتها سواء في كتب الشيعة أو السنة. وإنّي وإن اقتصرت على القليل منها، ولكني أسأل الله أن يجعل فيها نصراً للدين، ونفعاً للمسلمين وتأييداً للمؤمنين:
روى الحافظ محب الدين أحمد الطبري، وهو من علماء السنة ومحدثيهم في كتاب ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: عن أنس قال: (كان عند النبي (ص) طير فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك ليأكل معي هذا الطير، فجاء علي بن أبي طالب فأكل معه) ([157]).
وعن معاذة الغفارية قالت: دخلت على النبي (ص) في بيت عائشة وعلي خارج من عنده فسمعته يقول: (يا عائشة، إنّ هذا أحب الرجال إليَّ وأكرمهم عليّ، فاعرفي له حقه وأكرمي مثواه) ([158]).
وعن البراء بن عازب قال: قال النبي (ص): (علي مني بمنزلة رأسي من جسدي) ([159]).
وعن المطلب بن عبد الله ابن حنطب قال: قال رسول الله (ص) لوفد ثقيف حين جاءوا: (لتسلمن أو لأبعثن عليكم رجلاً مني - أو قال مثل نفسي - ليضربن أعناقكم وليسبين ذراريكم، وليأخذن أموالكم. قال عمر: فوالله ما تمنيت الأمارة إلاّ يومئذٍ، إذ فجعلت انصب صدري رجاء أن يقول هو هذا. قال: فالتفتَ إلى علي فاخذَ بيدهِ، وقال: هو هذا، هو هذا) ([160]).
وعن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله (ص): (ما من نبي إلاّ وله نظير في أمته وعلي نظيري) ([161]).
وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله (ص): (لقد صلت الملائكة عليَّ وعلى علي؛ لأنّا كنا نصلي ليس معنا أحد يصلي غيرنا) ([162]).
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله (ص): (لما اسري بي مررت بملك جالس على سرير من نور، وإحدى رجليه في المشرق والأخرى في المغرب، وبين يديه لوح ينظر فيه والدنيا كلها بين عينيه والخلق بين ركبتيه ويده تبلغ المشرق والمغرب، فقلت: يا جبريل من هذا؟ فقال: هذا عزرائيل تقدم فسلم عليه، فتقدمت فسلمت عليه، فقال: وعليك السلام يا أحمد ما فعل ابن عمك علي. فقلت: هل تعرف ابن عمي علياً؟ قال: وكيف لا أعرفه، وقد وكلني الله بقبض أرواح الخلائق ما خلا روحك وروح ابن عمك علي بن أبي طالب فإنّ الله يتوفاكما بمشيئته)([163]).
وعن أم سلمه، عن رسول الله (ص) قال: (من أحب علياً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض علياً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل) ([164]).
وعن ابن عباس، قال: (كنت أنا والعباس جالسين عند رسول الله (ص) إذ دخل علي بن أبي طالب (ع) فسلم، رد عليه رسول الله (ص) السلام وقام إليه وعانقه وقبله بين عينيه وأجلسه عن يمينه. قال العباس: يا رسول الله أتحب هذا؟ فقال رسول الله: يا عم والله، الله أشدّ حباً له مني، إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب هذا) ([165]).
وعن عمران ابن حصين عن النبي (ص)، قال: (إنّ علياً مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي) ([166]).
وعن أبي رافع قال: لما قتل علي أصحاب الألوية يوم أحد، قال جبريل (ع): (يا رسول الله إنّ هذه لهي المواساة، فقال النبي (ص): إنّه مني وأنا منه، فقال جبريل: وأنا منكما يا رسول الله)([167]).
وعن أبي الخميس، قال: قال رسول الله (ص): (أُسري بي إلى السماء فنظرت إلى ساقي العرش الأيمن، فرأيت كتاباً فهمته محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته به) ([168]).
وعن بريده، عنه (ص): (لكل نبي وصي ووارث وإنّ علياً وصيي ووارثي) ([169]).
وعلق عليه الطبري واستدل بروايات أنّ المقصود بالوصاية هي أنّ النبي أوصى أن يلي غسله علي (ع) ([170]).
وإن تعجب فمن هؤلاء القوم، يروون كل هذه الروايات ثم يميلون يميناً وشمالاً!!
وروي عن أنس، قال: كنت عند النبي (ص) فرأى علياً مقبلاً، فقال: (يا أنس، قلت: لبيك، قال: هذا المقبل حجتي على أمتي يوم القيامة) ([171]).
وعن البراء ابن عازب، قال: كنّا عند النبي (ص) في سفر فنزلنا في غدير خم، فنودي فينا الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله (ص) تحت شجرة فصلى الظهر وأخذ بيد علي، وقال: (ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، فأخذ بيد علي وقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعادي من عاداه)، قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال: هنيئاً لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنه ([172]).
وفي المناقب زاد عليه: (وانصر من نصره وأحب من أحبه) ([173]).
وهذا هو حديث الغدير أشهر من نار على علم، ومتواتر عن الفريقين، ولكن القوم يؤولون الولاية مع أنّ رسول الله (ص) قرن ولاية علي (ع) بولايته (ص)، وولايته (ص) بولاية الله سبحانه.
وروى الطبري عن عمر أنّه: (قال لرجل ويحك ما تدري من هذا، هذا مولاي ومولى كل مؤمن ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن) ([174]).
وليت شعري إذا كنت تعترف أنّه سيدك ومولاك فلماذا غصبتم حقه أنت وصاحبك وأردت إحراق داره، بل تآمرتم على قتله، أحسداً كحسد السامري لهارون (ع)، وتكبراً كتكبر إبليس على آدم (ع)؟! وليت شعري من علّم إبليس التكبر، ومن أغواه؟!
وروى الطبري عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي (ص) قال لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي) ([175]). وهذا الحديث أشهر من نار على علم.
أقول: إذا كنتم ترون أنّه كهارون من موسى فهل عميت عليكم مكانة هارون من موسى؟! أليس القرآن يهتف بكم أن هارون خليفة موسى، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾([176]).
فوالله إنّ وصايته ووصاية ولده من بعده وخلافتهم لرسول الله (ص) أبين من الشمس في ما يروي السنة عن رسول الله (ص) فضلاً عما يروي الشيعة، وما يصرح به القرآن في آيات كثيرة، بل إنّ ذكرهم موجود حتى في التوراة والإنجيل الموجودة حالياً، وإن حاول اليهود والنصارى طمس ذكرهم في ما مضى، كما حاول ويحاول اليوم بعض المسلمين مع الأسف الشديد مع أنّ القرآن أوصى بهم ورسول الله (ص) أوصى بهم. ولكن يا قومي أنلزمكموها وأنتم لها كارهون، فانتظروا إنّا منتظرون.
ومن أراد المزيد في كتب السنة فعليه مراجعة ذخائر العقبى للطبري، وينابيع المودة، وفرائد السمطين، وسنن الترمذي، ومسند أحمد، والمناقب، ومطالب السؤول للشافعي، ومسند البخاري، ومسند مسلم أو ما يسمونهما بالصحيحين، وسنن أبي داوود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم النيسابوري، وكفاية الطالب، وغيرها.
وروى العلامة الفقيه محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (رحمه الله) وهو من صدور علماء الشيعة الإمامية ومن معاصري الشيخ المحقق الطوسي (رحمه الله)، وهو عند علماء الشيعة في الطبقة العليا من الاعتبار، واختياراته من الطراز الأول كما قيل عنه وفي كتابه الاستنصار، قال: أخبرني الشيخ المفيد وذكر السند إلى أبي جعفر الثاني (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين، قال: قال رسول الله (ص): (آمنوا بليلة القدر، فإنه ينزل فيها أمر السنة، وإن لذلك الأمر ولاة من بعدي علي ابن أبي طالب وأحد عشر من ولده (ع)) ([177]).
وبإسناد عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع)، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال رسول الله (ص): (تمسكوا بليلة القدر، فإنها تكون بعدي لعلي بن أبي طالب وأحد عشر من ولده بعده (ع)) ([178]).
وعن أبي جعفر الأول - أي الباقر (ع) - عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله (ص): (إني واثنا عشر من أهل بيتي، أولهم علي بن أبي طالب أوتاد الأرض التي أمسكها الله بها أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهبت الاثنا عشر من أهلي ساخت الأرض بأهلها ولم تنظروا) ([179]).
وعن أبي جعفر (ع)، قال قال رسول الله (ص): (من أهل بيتي أثنا عشر نقيباً محدَّثون مفهّمون، منهم القائم بالحق يملأها عدلاً كما ملئت جوراً) ([180]).
وعن أبي عبد الله (ع)، عن آبائه، قال: قال رسول الله (ص): (إنّ الله اختار من الأيام يوم الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر.
واختار من الناس الأنبياء، واختار من الأنبياء الرسل، واختارني من الرسل، واختار مني علياً، واختار من علي الحسن والحسين (عليهما السلام)، واختار من الحسين الأوصياء، وهم تسعه من ولد الحسين ينفون من هذا الدين تحريف الغالّيين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، تاسعهم ظاهرهم ناطقهم قائمهم، وهو أفضلهم) ([181]).
وما رواه الصادق (ع) عن آبائه، عن رسول الله (ص)، قال: (ابشروا ثم ابشروا ثم ابشروا - ثلاث مرّات - إنما مثل أمتي كمثل غيث لا يدرى أوله خير أم آخره، إنما مثل أمتي كمثل حديقة أطعم منها فوجاً ما لعل آخرها فوجاً يكون أعرضها بحراً وأعمقها طولاً وأطولها فرعاً وأحسنها جنى، وكيف تهلك أمه أنا فيها أولها، وإثنا عشر من ولدي من السعداء أولي الألباب، والمسيح ابن مريم آخرها، ولكن يهلك بين ذلك نتج الهرج ليس مني ولست منه)([182]).
وروى العلامة ابن عياش (رحمه الله) في كتابه مقتضب الأثر بإسناده إلى سلمان الفارسي، قال: كنا مع رسول الله (ص) والحسين بن علي (ع) على فخذه، إذ تفرس في وجهه، وقال له: (يا أبا عبد الله أنت سيد من السادة، وأنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعه، تاسعهم قائمهم إمامهم أعلمهم أحكمهم أفضلهم) ([183]).
والأدلة على إمامة علي وولده الأحد عشر (ع) وخلافتهم لرسول الله (ص) كثيرة جداً، ولعل أعظمها هو سورة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
فهذه السورة دالة على أنّ الملائكة والروح تتـنزل بالأمر بعد النبي (ص) على خلفائه المعصومين، وإلاّ لقيل بمضيها مع النبي (ص)، مع أنّ المسلمين مجمعون على بقائها، وهاهم يطلبونها في العشر الأواخر من شهر رمضان كل عام، ومن أبى إلاّ العناد فليقل: عنـزه ولو طارت!!
قال الإمام الباقر (ع): (يا معشر الشيعة خاصموا بسورة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ تفلحوا، فوالله إنها لحجة الله تبارك وتعالى على الخلق بعد رسول الله (ص)، وإنها لسيدة دينكم، وإنها لغاية علمنا يا معشر الشيعة. يا معشر الشيعة خاصموا بـ ﴿ حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ فإنّها لولاة الأمر خاصة بعد رسول الله (ص) …) ([184]).
وعن الصادق (ع)، عن آبائه، عن النبي (ص)، قال: (لما اسري بي أوحى إلي ربي جل جلاله ..... وساق الحديث إلى أن قال: فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة ابن الحسن القائم في وسطهم كأنه كوكب درّي، قلت: يا رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الأئمة، وهذا القائم الذي يحل حلالي ويحرم حرامي، وبه أنتقم من أعدائي، وهو راحة لأوليائي وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللات والعزى - أي الأول والثاني - طريّين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذٍ أشد من فتنة العجل والسامري) ([185]).
وروى الصدوق في إكمال الدين وعيون أخبار الرضا (ع) معاً، قال: عن أبي وابن الوليد معاً، وأسند الحديث إلى الأمام الصادق، عن الإمام الباقر (ع)، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه رأى في يد فاطمة (ع) لوحاً أهداه الله عز وجل إلى الرسول (ص)، وأعطاه الرسول (ص) لفاطمة (ع)، مكتوب فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز العليم لمحمد نوره وسفيره وحجابه ووليه، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين.
عظّم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي. إني أنا الله لا إله إلاّ أنا قاصم الجبارين، ومبير الظالمين، ومذل الظالمين وديان يوم الدين ([186])، إني أنا الله لا إله إلاّ أنا فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذاباً لا أعذبه ([187]) أحداً من العالمين، فإياي فاعبد وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبياً فأكملت أيامه وانقضت مدته إلاّ جعلت له وصياً، وإني فضلتك على الأنبياء، وفضلت وصيك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك ([188]) بعده وسبطيك الحسن والحسين ([189])، فجعلت حسناً معدن علمي، بعد انقضاء مدّة أبيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامة معه، والحجة البالغة عنده ([190])، بعترته أثيب وأعاقب. أولهم علي سيد العابدين، وزين أوليائي الماضين ([191])، وابنه سمي جدّه ([192]) المحمود محمد الباقر لعلمي، والمعدن لحكمي. سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد علي، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر، ولأسرّنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه. انتجبت بعده موسى، وانتجبت ([193]) بعده فتنة عمياء حندس؛ لأنّ خيط فرضي لا ينقطع ([194])، وحجتي لا تخفى، وإنّ أوليائي لا يشقون، ألا ومن جحد واحد منهم فقد جحد نعمتي، ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي، وويل للمفترين الجاحدين. عند انقضاء مدة عبدي موسى، وحبيبي وخيرتي، (ألا) ([195]) إن المكذّب بالثامن مكذّب بكل أوليائي، وعلي وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمنحه ([196]) بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر، يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح، إلى جنب شر خلقي. حق القول مني لأقرّن عينه بمحمد إبنه ([197])، وخليفته من بعده، فهو وارث علمي، ومعدن حكمي، وموضع سرّي، وحجتي على خلقي (لا يؤمن عبد به إلاّ) ([198]) جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين (ألفاً) ([199]) من أهل بيته، كلهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لإبنه علي ولييّ وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن لعلمي الحسن، ثم أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين، عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيوب ([200]).
سيذلّ أوليائي في زمانه، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنين ([201]) في نسائهم، أولئك أوليائي حقاً، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل، وأرفع الآصار([202])والأغلال﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾([203])) ([204]).
قال عبد الرحمن ابن سالم، قال أبو بصير: (لو لم تسمع في دهرك إلاّ هذا الحديث لكفاك فَصنهُ إلاّ عن أهله) ([205]).
وروي مثله عن رسول الله (ص) بخط أمير المؤمنين في البحار ([206]).
ومع كل ما سمع الصحابة، وما رووا عن النبي (ص) ومواقفه مع علي (ع) وتأكيده (ص) على اتباعه، واتباع ولده الأحد عشر الأوصياء من بعده، فإنّ معظم المسلمين اختاروا اتباع أئمة الضلال، ووقعوا في فتنة العجل واتبعوا السامري!! وفعلوا مع علي (ع) عند وفاة النبي كما فعل بنو إسرائيل مع هارون (ع) عند غيبة موسى، وهكذا حدثت الردّة التي حذرهم الله من الوقوع فيها، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾([207])، وانقلب القوم على أعقابهم إلاّ نفراً قليلاً من أصحاب النبي هم عمار وأبو ذر والمقداد وسلمان. ثم أخذ كثير من الصحابة بالرجوع إلى الحق وإلى موالاة علي (ع) بعد أن خذلوه ولم ينصروا حقه في البداية، وبعد أنّ رأوا الظلم الذي أخذ يتزايد يوماً بعد يوم نتيجة لتسلط الجبت والطاغوت على دفة القيادة وخلافة النبي (ص)، وبدأت دواوين التميز في العطاء من بيت المال حتى وصل الأمر إلى أن يعطي عثمان خمس أفريقيا لمروان ابن الحكم ([208])، ومعاوية الطليق عدو الإسلام يصبح والي بلاد الشام في عهد عمر، ويتحكم بأبي ذر (رحمه الله) ويهينه ويؤذيه ويطرده من بلاد الشام، بعد أن فضح أبو ذر ترف معاوية واستيلاءه على أموال المسلمين، وأخيراً يجهز عثمان على أبي ذر (رحمه الله) بنفيه إلى الربذة، وتركه يموت فيها وحيداً مقهوراً يعاني الفقر والجوع، في حين أن تركة عبد الرحمن بن عوف من الذهب تكسر بالفؤوس، وطلحة وعثمان وسعد وغيرهم يملكون الكثير الكثير، وإن لم أقل جميعه فمعظمه من بيت مال المسلمين.
ومن أراد المزيد فليراجع تاريخ القوم في كتب التاريخ ([209]).
ولو سألنا أبا ذر (رحمه الله) لماذا كل هذه الآلام والمصائب في حياتك يا أبا ذر؟
لقال ما معناه: قال لي حبيبي رسول الله (ص): قل الحق يا أبا ذر، وقد قلت الحق وما أبقى لي الحق من خليل ([210]).
طوبى لك يا أبا ذر فقد ذل سجّانك، وما قتلوك ولكن قتلتهم، وهم ماتوا في حياتهم وأنت إلى اليوم حي في قلوب المؤمنين، بل أنت معنا ومثل أعلى في قلب كل إنسان حر شريف يطالب بحقوق الفقراء والمساكين والمستضعفين أينما كان.
ويكفيك قول سيد الموحدين بعد رسول الله (ص) علي بن أبي طالب (ع): (يا أبا ذر، أنك غضبت لله فارج من غضبت له. إنّ القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غداً، والأكثر حسداً. ولو إنّ السماوات والأرض كانتا على عبد رتقاً ثم أتقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً، لا يؤنسنك إلاّ الحق ولا يوحشنك إلاّ الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبوك ولو قرضت منها لأمنوك) ([211]).
وقبل هذه الحادثة حوادث ومصائب نالت من الإسلام والمسلمين، فأبو بكر يرسل خالد ابن العتل الزنيم ليقتل مالك بن نويرة (رضي الله عنه) ويعتدي على زوجته في نفس الليلة التي قتله فيها، لماذا؟ لأنّ مالكاً رفض أن يدفع زكاة أموال بني تميم البطاح لأبي بكر؛ لأنّه مغتصب لخلافة رسول الله من صاحبها الذي يعرفه المسلمون، ورأوا وسمعوا رسول الله (ص) نصبه خليفة له في غدير خم وفي غيره من المناسبات، وهو علي بن أبي طالب. والعجيب أنّ عباس محمود العقاد يمر على قول مالك بن نويرة:
فقلت خذوا أموالكم غير ناظر    ولا خائف فيما يجيء من الغد
فان قام بالأمر المخوف قائـم      منعنا وقلنا الدين دين محمد ([212]).
فيقول: (أغلب الظن أنّه بدد ما جمع من الصدقات في حياته وملاهيه، ثم ليم في ذلك؟ فأجاب لائميه بهذه الأبيات)!!
وليت شعري كيف قرأت هذه الأبيات، وفهمت هذا المعنى ؟‍‍! والحال أنّ الرجل يقول خذوا أموالكم، أي: إنّه أعادها لهم. ثم بعد ذلك يحاول العقاد أن يجعل جريمة قتل مالك بن نويرة، والاعتداء على زوجته غامضة لا يتضح فيها جرم أبي بكر وخالد ابن العتل الزنيم، ليجعل بعد ذلك خالد بن الوليد عبقرياً فذّاً، شغله الجهاد عن حفظ سورة واحدة من القرآن يقرأها في صلاته عندما يؤم المسلمين، ما هكذا الأنصاف يا عقاد، (وما هكذا يا سعد تورد الإبل).
فحسبنا الله ونعم الوكيل، وسيعلم الذين يحملون الناس على أكتاف آل محمد أي منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.
وعلى كل حال فالخطب جليل بعد وفاة النبي (ص) والممارسات غير المشروعة والظالمة كثيرة جداً، ويكفي حادثة مالك بن نويرة لمن ألقى السمع وهو شهيد، وقد انتهكت فيها دماء وأموال وأعراض المسلمين فهل بقي شيء؟!
ولسائل أن يسأل: لماذا لم يرفع علي بن أبي طالب سيفه؟ ولماذا طلب منه رسول الله (ص) أن يصبر على الظلم من بعده؟!
ومع أنّ الإجابة فيما قدمت من البحث وفي قول أمير المؤمنين (ع): (فإن أقل يقولوا حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا جزع من الموت، هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل أندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة) ([213]).
ولكن لا بأس من التوضيح قليلاً، وأذكر هنا سببين:
الأول: إنّ الإسلام لم يترسخ في نفوس الناس، فإسلامهم ظاهري وليس إيماناً حقيقياً راسخاً لا يخشى على أهله من الارتداد، فحالهم كحال التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، إلاّ القليل منهم، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾([214]).
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً﴾([215]).   
وفي القرآن آيات كثيرة دالة على أنّ حال كثير من المسلمين متزلزل ومع وجود المنافقين، لك أن تعرف النتيجة، وعلى هذا فعلى الوصي أن يرضى بالظاهر، ويصبر كما رضي رسول الله (ص) بالظاهر وصبر على المنافقين، ومن يستمع لكلامهم. وإلاّ فسيهدم هذا البناء الذي أجهد رسول الله (ص) ووصيه (ع) أكثر من عشرين سنة لتشييده. فالفائدة العظيمة المرجوة من هذا الدين وهي تمام نور الله في أرضه، وعبادة أهل الأرض لله ونشر كلمة لا إله إلاّ الله.
ورفع راية الله أكبر على كل بقعة في الأرض لن تحقق في زمن النبي (ص) أو الوصي، بل في زمن خاتم الأوصياء المهدي (ع)، وهذه سنة إلهية في الأمم السابقة، فقد أُرسل موسى إلى قوم من بني إسرائيل وعبروا معه البحر، ولكن في صحراء سيناء تمردوا عليه ورفضوا قتال الجبابرة.
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾([216])، وبالتالي رفضوا حمل كلمة لا إله إلاّ الله إلى الناس، وعاقبهم الله سبحانه وتعالى بالتيه في صحراء سيناء أربعين سنة.
وكان نتيجة هذا التيه العقوبة الإصلاحية خروج أمة ربانية صالحة، وهم أبناء هؤلاء الفاسقين وأحفادهم، وقد حملوا كلمة لا إله إلاّ الله مع يوشع بن نون وصي موسى (ع)، وقاتلوا الجبابرة والطواغيت ونصروا دين الله في أرضه.
إذن فالنتيجة المرجوة من هذه الأمة هي في آخر الزمان، أي في زمن ظهور المهدي (ع)، ونرجوا من الله أن يكون زماننا كما يدل عليه كثير من الروايات، والله أعلم.
وقد مر فيما سبق عن رسول الله (ص)، قال: (.. إنما مثل أمتي كمثل حديقة أطعم منها فوجاً ما لعل آخرها فوجاً يكون أعرضها بحراً وأعمقها طولاً وأطولها فرعاً وأحسنها جناً ...) ([217]).
إذن فالرسول يرجو أن يكون آخر فوج من أمته هو أفضلها، بل لعل هذه الأمة أي أصحاب المهدي وأنصاره لا يقرنون بمن سبقهم، سواء من هذه الأمة أو من سواها على طول مسيرة الإنسانية على الأرض، وقد مر وصفهم بالحديث القدسي: (وانتجبت لذلك الوقت عباداً لي امتحنت قلوبهم للأيمان، وحشوتها بالورع والإخلاص واليقين والتقوى والخشوع والصدق والحلم والصبر والوقار والتقى والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عندي، وأجعلهم دعاة الشمس والقمر، واستخلفهم في الأرض … أولئك أوليائي، اخترت لهم نبياً مصطفى، وأميناً مرتضى، فجعلته لهم نبياً ورسول، وجعلتهم له أولياء وأنصار، تلك أمة اخترتها …) ([218]).
والروايات عن أهل بيت العصمة في فضل أصحاب المهدي (ع) وأنصاره كثيرة، ولو لم يكن من فضلهم إلاّ إعلاء كلمة الله ونشر التوحيد في كل بقعة من بقاع الأرض لكفى.
ثانياً: إنّ صبر أمير المؤمنين (ع) كان حجة بالغة له، فهو قد بين حقه ثم أعرض عن منازعة القوم الإمارة والحكم، ليبين أنّه (ع) زاهد بهذه الإمارة وإنّما طلبه لها لإقامة الحق ونشر العدل ونصرة الدين، وقد أبصر أمير المؤمنين (ع) عبر القرون بقية هذه الأمة وذراريهم، وعلم أنهم سيعلمون ما جرّه عليهم تنحية الوصي عن الإمارة واغتصاب حقه من قبل الجبت والطاغوت، حتى وصل الأمر إلى تسلط أولاد البغايا والزانيات على هذه الأمة، وقد مر عليك هذا المعنى في خطبة الزهراء (ع) حيث قالت: (أما لعمر الهك لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً وزعاقاً مرّاً هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما سن الأولون) ([219]).
وفي النهاية رجعت الخلافة إلى الإمام علي (ع) بعد هن وهن، وحمل الناس على الحق واستقبل بهم القبلة والصراط المستقيم، ولكنهم لم يحتملوا مرارة الحق، وبعد أن قضوا وطراً في الانحراف عن صراط الله المستقيم لم يحتملوا عدالة علي (ع) ومساواته لهم بالعطاء، بعد أن اعتادوا التميّز والأثرة من الماضين فبعد أن اعتادوا عبادة العجل وطاعة السامري، لم يرق لهم طاعة علي وعبادة الله الواحد الأحد، وقبول شريعته التي أراد علي (ع) العمل بها في مجتمع مزّقه فساد الماضين، ومع هذا فقد رفع علي (ع) للحق راية وأرشد الناس إلى أتباعها، ولكنهم خذلوه وخذلوا ولده المعصومين من بعده الذين لم يدخّروا جهداً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سبيل إرشاد المسلمين إلى الصراط المستقيم حتى قضوا بين مسموم ومقطع بالسيوف.
فعن أبي الهيثم ابن التيهان، إنّ أمير المؤمنين (ع) خطب الناس في المدينة فقال: (الحمد لله الذي لا إله إلاّ هو، أيها الأمة التي خدعت فانخدعت، وعرفت خديعة من خدعها فأصرت على ما عرفت، واتبعت أهوائها وضربت في عشواء غوائها، وقد استبان لها الحق فصدت عنه والطريق الواضح فتنكبته، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لو اقتبستم العلم من معدنه، وشربتم الماء بعذوبته، وادخرتم الخير من موضعه، وأخذتم الطريق من واضحه، وسلكتم من الحق نهجه، لنهجت بكم السبل، وبدت لكم الأعلام، وأضاء لكم الإسلام، فأكلتم رغداً، وما عال فيكم عائل ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد، ولكن سلكتم سبيل الظلّام، فأظلمت عليكم دنياكم برحبها، وسدت عليكم أبواب العلم، فقلتم بأهوائكم، واختلفتم في دينكم، فأفتيتم في دين الله بغير علم، واتبعتم الغواة فأغوتكم، وتركتم الأئمة فتركوكم، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم، إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذكر، فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه، فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه؟ رويداً عمّا قليل تحصدون جميع ما زرعتم، وتجدون وخيم ما اجترمتم، وما اجتلبتم.
والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد علمتم إني صاحبكم، والذي به أُمرتم، وإني عالمكم والذي به نجاتكم ووصي نبيكم، وخيرة ربكم ولسان نوركم، والعالم بما يصلحكم، فعن قليل رويداً ينزل بكم ما وعدتم، وما نزل بالأمم قبلكم، وسيسألكم الله عز وجل عن أئمتكم، معهم تحشرون وإلى الله عز وجل غداً تصيرون، أمّا والله لو كان لي عدّة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر وهم أعدادكم، لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحق، وتنيبوا للصدق، فكان أرتق للعتق، وأخذوا بالرفق، اللهم فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين) ([220]).
* * *
صلح الإمام الحسن (ع)، وولاية العهد للإمام الرضا (ع)
وأخيراً لابد لنا من المرور على حدثين مهمين في حياة أوصياء النبي الخاتم (ص) الأئمة الاثنا عشر (ع)، لارتباطهما بهذا البحث:
الأول: هو صلح الإمام الحسن (ع) مع الطاغية معاوية ابن هند (لعنه الله)
وهو صلح ضروري، بعد أن أخذت دولة المنافقين التي يقودها معاوية بالاتساع والاستيلاء على الأرض الإسلامية، وبعد أن خذل المسلمون الإمام الحسن (ع). فهو إذاً كصلح النبي (ص) للمشركين في الحديبية.
وقد صرح الإمام الحسن (ع) بأنّ صلحه كان استبقاء للشيعة، وهم أهل الحق وببقائهم يبقى الحق. وإذا نظرنا بعين البصيرة وجدنا أنّ صلح الإمام الحسن (ع) كان للتهيئة لثورة الإمام الحسين (ع)، التي هي بدورها تهيئة لثورة الإمام المهدي (ع)، فالإمام الحسن (ع) لما اضطر إلى تنحية السيف بدأ حرباً جديدة مع معاوية، هذه المرّة حرب إعلامية الهدف منها تهيئة الأمة لثورة الحسين (ع)، وعلى أقل تقدير أن تكون الأمة مستعدة لقبول هذه الثورة والتعاطف معها، بل والتفاعل معها ولو بعد قيامها، ومن اطلع على أحوال الأمة في زمن الإمام الحسن (ع) يعلم أن هذا هدف كبير يرجى من أمة نكس أبناؤها وخذلوا قائدهم المعصوم، حتى أصبحوا يرون المنكر معروفاً، وكاد أن لا يبقى للتشيع اسم ولا رسم لولا الحركة الإعلامية للإمام الحسن (ع). فلم يكن صلح الإمام الحسن (ع) صلحاً بهذا المعنى، إنما كان هدنة اضطر لها الإمام الحسن (ع) ليتبعها أخيه الحسين (ع) - الذي هو كنفسه - بثورة لا يزال صداها يهز الدنيا إلى اليوم، فكما أنّ الإمام أمير المؤمنين (ع) كان ينظر إلى المستقبل وإلى دولة لا إله إلاّ الله العالمية، كذلك كان الإمام الحسن (ع)، فجميع المعصومين (ع) كانوا ينظرون إلى اليوم الذي يظهر فيه هذا الدين على الدين كله، فمسيرة الإنسانية هي مسيره تكاملية في الجملة وإن تعرّضت لبعض الانتكاسات،
حيث إن نتيجتها هو صلاح معظم أهل الأرض في زمن ظهور الإمام المهدي (ع).
والأئمة (ع) كانوا يفعلون كل ما من شأنه توجيه هذه الأمة لحمل الرسالة الإلهية في يوم من الأيام إلى أهل الأرض جميعاً، فكانوا (ع) يؤثرون رضا الله ومصلحة الإنسانية على أنفسهم، ويتحملون أشدّ أنواع الأذى النفسي والجسدي في سبيل هذا الهدف العظيم، وهو إيمان أهل الأرض بلا إله إلاّ الله محمد رسول الله.
الثاني: ولاية العهد للإمام الرضا (ع)
والثاني هو ولاية العهد التي قبلها الإمام الرضا (ع) بعد أن أجبره المأمون العباسي عليها، وهي نظير وزارة يوسف (ع) لملك مصر التي كانت بالإجبار، وإن كان فيها بعض النفع لعامة الناس، فهي إذن فتنة وامتحان للمؤمنين كما امتحن سبحانه بني إسرائيل عندما جعل موسى (ع) يتربى ويعيش في قصر فرعون الطاغية (لعنه الله)، فهذه كتلك: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾([221]).
وفي نهاية المطاف سم المأمون العباسي الإمام الرضا (ع) بعد أن وجد المأمون نفسه غير قادر على تحجيم عمل الإمام الرضا (ع)، مع أنّه كان في قصره وتحت يده.
وهكذا كانت حياة الأئمة (ع) أوصياء النبي الخاتم (ص) صورة لحياة الأنبياء السابقين على هذه الأرض، فهم بين طاغوت متسلط مستبيح لدمائهم المقدسة ومن تبعه أو ركن له من علماء السوء غير العاملين، وبين أمة خذلتهم واختارت عبادة العجل واتباع السامري إلاّ القليل ممن وفى بعهد الله، ولما وصل الأمر إلى خاتم الأوصياء (ع) بقية الله في أرضه محمد بن الحسن المهدي (ع) شاء الله له الغيبة عن أنظار الناس والطواغيت، ليحفظ بحفظه القرآن والشريعة حتى يأذن له بالظهور وإظهار الحق عندما تتهيأ الأمة لنصرته، وقد ورد عنه (ع): (وأمّا علة ما وقع من الغيبة فإنّ الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ) ([222]).
والحر تكفيه الإشارة، والسلام على نور الله في أرضه وبقيته في عباده الذي سماه آباؤه (ع) المظلوم، وهو المظلوم حقاً حتى من شيعته الذين لا يكادون يذكرونه مع غيبته وشديد محنته.
والسلام على المؤمنين والمؤمنات ورحمة الله وبركاته.
 بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾([223]).
* * *
والحمد لله رب العالمين
 
الهوامش
[1]- البقرة :256.
[2]- الشعراء :10 ـ 15.
[3]- الكافي: ج1 ص338.
[4]- الكهف : 18.
[5]- أمالي الصدوق: ص93.
[6]- الحديد : 13 ـ 15.
[7]- الكافي: ج5 ص56.
[8]- أخرج القندوزي في ينابيع المودة: عن ابن عباس في قوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً* وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) الدهر: 7 ـ 8. قال: (مرض الحسن والحسين (رضي الله عنهما) فعادهما جدهما [رسول الله] (ص) وعادهما بعض الصحابة، فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك [نذراً] . فقال على (رضي الله عنه): إن برء ولداي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكراً لله . وقالت فاطمة (رضي الله عنها) مثل ذلك . وقالت جارية [لهم نوبية] يقال لها (فضه) مثل ذلك . وقال الصبيان: نحن نصوم ثلاثة أيام . فألبسهما الله العافية، وليس عندهم قليل ولا كثير، فانطلق على (رضي الله عنه) إلى رجل من اليهود يقال له شمعون بن حابا . فقال له: هل تأتيني جزة من صوف تغزلها لك بنت محمد (ص) بثلاثة أصواع من شعير؟ قال : نعم، فأعطاه، ثم قامت فاطمة (رضي الله عنها) إلى صاح وطحنته واختبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص، وصلى علي (رضي الله عنه) مع النبي (ص)المغرب ثم أتى فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم مسكين فوقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد (ص) أنا مسكين أطعموني شيئاً، فأعطوه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القراح. وفي الليلة الثانية أتاهم يتيم، فقال : أطعموني، فأعطوه الطعام. وفي الليلة الثالثة أتاهم أسير، فقال : أطعموني، فأعطوه. ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القراح، فلما أن كان في اليوم الرابع وقد قضوا نذرهم، أخذ علي بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين (رضي الله عنهم) وأقبل نحو رسول الله (ص)وهما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصرهم النبي (ص) انطلق إلى ابنته فاطمة (رضي الله عنها) فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلى وقد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رآها رسول الله (ص) قال: واغوثاه! يا الله! أهل بيت محمد يموتون جوعاً؟! فهبط جبرائيل (ع)، فأقرأه: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً) إلى آخر السورة. ينابيع المودة لذوي القربى : ج1 ص279، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: ج2 ص403، تفسير ابن كثير : ج4 ص649، وغيرها.
[9]- الكافي : ج1 ص33.
[10]- التوبة : 122.
[11]- فيض القدير: ج4 ص206، العلم والحكمة في الكتاب والسنة: ص446، موسوعة العقائد الإسلامية: ج2 ص486.
[12]- إنجيل متى: الاصحاح23 آية 13.
[13]- عن محمد بن عبد الخالق وأبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع): (يا أبا محمد إن عندنا والله سراً من سر الله، وعلماً من علم الله، والله ما يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، والله ما كلف الله ذلك أحداً غيرنا، ولا استعبد بذلك أحداً غيرنا، وإن عندنا سراً من سر الله وعلماً من علم الله، أمرنا الله بتبليغه، فبلغنا عن الله عز وجل ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعاً ولا أهلاً ولا حمالة يحتملونه حتى خلق الله لذلك أقواماً، خلقوا من طينة خلق منها محمد وآله وذريته (عليهم السلام)، ومن نور خلق الله منه محمداً وذريته، وصنعهم بفضل رحمته التي صنع منها محمداً وذريته، فبلغنا عن الله ما أمرنا بتبليغه، فقبلوه و احتملوا ذلك [فبلغهم ذلك عنا فقبلوه واحتملوه] وبلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا، فلولا أنهم خلقوا من هذا لما كانوا كذلك، لا والله ما احتملوه، ثم قال: إن الله خلق أقواماً لجهنم والنار، فأمرنا أن نبلغهم كما بلغناهم واشمأزوا من ذلك ونفرت قلوبهم وردوه علينا ولم يحتملوه وكذبوا به وقالوا ساحر كذاب، فطبع الله على قلوبهم وأنساهم ذلك، ثم أطلق الله لسانهم ببعض الحق، فهم ينطقون به وقلوبهم منكرة، ليكون ذلك دفعا عن أوليائه وأهل طاعته، ولولا ذلك ما عبد الله في أرضه، فأمرنا بالكف عنهم والستر والكتمان، فاكتموا عمن أمر الله بالكف عنه، واستروا عمن أمر الله بالستر والكتمان عنه، قال : ثم رفع يده وبكى وقال: اللهم إن هؤلاء لشرذمة قليلون فاجعل محيانا محياهم ومماتنا مماتهم، ولا تسلط عليهم عدواً لك فتفجعنا بهم، فإنك إن أفجعتنا بهم لم تعبد أبداً في أرضك وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما) الكافي: ج1 ص402.
[14]- الشعراء : 10 - 15.
[15]- ص : 71 ـ 85.
[16]- التوحيد للشيخ الصدوق: ص152، عيون أخبار الرضا(ع) : ج2 ص110، مسند أحمد: ج2 ص244، صحيح البخاري: ج7 ص125.
[17]- قال عزّ وجل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ النمل : 14.
[18]- القصص : 83.
[19]- الأعراف : 16- 17.
[20]- الحجر : 37- 38.
[21]- منتخب الأنوار المضيئة : ص357، بحار الأنوار: ج52 ص376.
[22]- الإصحاح: 20.
[23]- سعد السعود للسيد ابن طاووس: ص34، بحار الأنوار: ج52 ص385، إلزام الناصب: ج2 ص259، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج5 ص199.
[24]- الحجر : 49.
[25]- نهج البلاغة: الخطبة القاصعة، نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج2 ص183، بحار الأنوار: ج14 ص466.
[26]- الشورى : 52 - 53.
[27]- العنكبوت : 54.
[28]- التوبة : 73.
[29]- السجدة : 17.
[30]- يشير (ع) بهذه الكلمة لما روي عن أهل البيت (ع)، فقد روى الشيخ الكليني بسنده: عن أبي جعفر(ع) قال: (لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر. ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهى وإياك أعاقب، وإياك أثيب) الكاف : ج1 ص10. فالسعيد هو الذي لبى نداء الله عزّوجل وأقبل عندما أمره تعالى أن يقبل.
[31]- غافر : 67.
[32]- النجم : 8 - 9.
[33]- آل عمران : 61.
[34]- مناقب ابن شهر آشوب: ج3 ص31، المعجم الأوسط للطبراني: ج9 ص142، كنز العمال: ج11 ص621، بحار الانوار: ج39 ص313.
[35]- مختصر بصائر الدرجات: ص125، موسوعة الإمام علي (ع) في الكتاب والسنة: ج8 ص185، مشارق أنوار اليقين: ص172.
[36]- الكافي: ج1 ص21، الخصال للصدوق: ص589، تحف العقول: ص401، بحار الأنوار: ج75 ص316.
[37]- يشير (ع) إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ آل عمران : 61، ونفس رسول الله (ص) هو علي بن أبي طالب(ع)، والأبناء هما الحسن والحسين (عليهما السلام)، والنساء هي فاطمة (عليها السلام)، فراجع سبب نزول هذه الآية في تفسير مجمع البيان: ج2 ص 309 وغيره.
[38]- قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الحجر:39.
[39]- مناقب آل أبي طالب: ج1 ص327، عيون الحكم والمواعظ: ص304، بحار الأنوار: ج40 ص165، ميزان الحكمة: ج1 ص223.
[40]- الأنفال : 48.
[41]- الأنعام : 112.
[42]- بحار الأنوار : ج12 ص330.
[43]- الكافي: ج1 ص11، معاني الأخبار: ص240، الوسائل: ج15 ص206.
[44]- يشير (ع) إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا﴾ الفرقان:44.
[45]- آل عمران : 31.
[46]- علل الشرائع: ج1 ص19.
[47]- النمل : 50 ـ 52.
[48]- التوبة : 31.
[49]- تفسير القمي: ج1 ص289، بحار الأنوار: ج9 ص212.
[50]- آل عمران : 144.
[51]- الكافي: ج8 ص5 - 6، وسائل الشيعة: ج27 ص37، بحار الأنوار: ج75 ص213.
[52]- علل الشرائع: ج1 ص90، وسائل الشيعة: ج27 ص48.
[53]- الروم : 58 ـ 60.
[54]- الأعراف:176.
[55]- القصص : 8 ـ 9.
[56]- غافر : 29.
[57]- القصص : 14 - 22.
[58]- البقرة : 93.
-[59] الأعراف : 148 - 153.
[60]- طه : 87 - 98.
[61]- الأعراف : 143.
[62]- الرعد : 39.
[63]- يزعم اليهود أنّ يد الله تعالى مغلولة، وأنّه تعالى فرغ من الخلق والأمر ولا يستطيع تغيير أي شيء! وقد ردّ الله سبحانه وتعالى على هذا القول فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ المائدة :64.
وقد وافق أكثر علماء السنة اليهود في هذا، فقالوا: إنّ الله تعالى قد فرغ من الأمر فلا يمكنه التغيير! ورووا في ذلك روايات، منها ما رواه أحمد في مسنده : عن ابن عمر قال: (قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه أفي أمر قد فرغ منه أو مبتدأ أو مبتدع، قال : فيما قد فرغ منه فاعمل يا ابن الخطاب، فان كلا ميسر، أما من كان من أهل العادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء) مسند أحمد : ج2 ص52، ولاحظ صحيح البخاري:ج6 ص86، صحيح مسلم: ج8 ص48، تفسير ابن كثير: ج4 ص554، وغيرها.
فلهذه النصوص الصحيحة عندهم قالوا بالجبر على الله تعالى، كما قالوا به في أفعال الانسان! ونجد البخاري يحمّل الله تعالى مسؤولية خطيئة آدم (ع)، فقد روى عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص): (احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق؟ فقال رسول الله (ص): فحج آدم موسى مرتين) صحيح البخاري: ج3 ص131. فأنكروا البداء جهلاً منهم بحقيقته.
[64] - تفسير القمي: ج2 ص62، بحار الأنوار: ج13 ص210، قصص الأنبياء الجزائري: ص 268.
[65] - عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (إن أهل القرآن في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النبيين والمرسلين، ولا تستضعفوا أهل القرآن وحقوقهم، فان لهم من الله لمكاناً) ثواب الأعمال للصدوق : ص99-100.
[66]- طه : 96.
[67]- القصص : 15.
[68] - في تفسير القمي: ( .... وكان السامري على مقدمة موسى يوم أغرق الله فرعون وأصحابه، فنظر إلى جبرئيل وكان على حيوان في صورة رمكة، فكانت كلما وضعت حافرها على موضع من الأرض تحرك ذلك الموضع، فنظر إليه السامري وكان من خيار أصحاب موسى ... ) تفسير القمي: ج2 ص61 - 63.
وهذا يدل على أن السامري كان قائداً وعلى مقدمة أصحاب موسى (ع)، ولا أقل أن يكون من خيار أصحاب موسى (ع).
[69]- الأعراف : 198.
[70]- الصف : 5.
[71]- الكتاب المقدس - العهد القديم / الإصحاح السادس عشر : ص238.
[72]- الكتاب المقدس - العهد القديم / الإصحاح السابع عشر : ص241.
[73]- الكتاب المقدس - العهد القديم / الإصحاح الحادي والعشرون : ص247.
[74]- طه : 97- 98.
[75]- الأعراف :176.
[76]- تفسير القمي: ج1 ص 248، قصص الأنبياء للجزائري: ص352.
[77]- ميزان الحكمة: ج1 ص756، كشف الخفاء للعجلوني: ج2 ص312، جامع السعادات للنراقي: ج1ص220.
-[78] لقد وضعت الحوزات العلمية الشيعية اليوم منهجاً في دراساتها الدينية معتمداً على دراسة المنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية وعلم أصول الفقه وعلم الرجال الموروثان من أهل السنة، وأصبحت هذه العلوم وما شابهها من العلوم العقلية آلات من خلالها يتوصل الطالب الحوزوي لمعرفة العقائد الدينية الإلهية والأحكام الفرعية العملية، فأصبحت هذه العلوم هي الحاكمة على كلام محمد وآل محمد (ص)، وأخذوا يفسرون كلامهم طبقاً لتلك المناهج التي وضعها الملاحدة، مما أدى إلى سقوطهم في مخالفات كثيرة لكلام محمد (ص) وعترته (ع)، ورفضوا الكثير من الروايات وأسقطوها نتيجة إيمانهم بهذا المنهج المبتدع. كما أن الكثير من القواعد في تلك العلوم إنما تدرس للترف العلمي فقط، إذ لا توجد ثمرة عملية تترتب عليها، وهم يقرّون هذه الحقيقة إلاّ أنهم اعتادوا على هذا المنهج واعتبروه منهجاً مقدساً لا يمكن الخدشة فيه، إذ هو الميزان للمعرفة عندهم !! والحال أنه يُبعد الطالب عن أهل البيت (ع) فيفني الطالب ريعان شبابه في علوم الملاحدة ويترك الثروة العلمية والروحية التي ذكرها القرآن الكريم و الرسول وعترته (ع)، فلا يدرس في الحوزات العلمية القرآن ولا روايات محمد وآله (ع)، ولهذا تجد الكثير من الحوزويين لم يحفظوا إلاّ اليسير من آيات القرآن و روايات محمد وآله (ص). ومن أحب الاطلاع على هذه الحقيقة يمكنه ذلك من خلال التعرّف على ما يدرس في الحوزات العلمية.
[79]- روى الشيخ الصدوق في الخصال والعلل: عن النبي (ع) أنّه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾، (أنّه لا يجاوز قدما عبد حتى يسئل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه وفيما أنققه، وعن حبنا أهل البيت) الخصال: ص253، علل الشرائع: ج1 ص218.
[80]- الإسراء : 16.
[81]- الكافي: ج8 ص308، ثواب الأعمال: ص253، بحار الأنوار: ج2 ص109.
[82]- التوبة : 122.
[83]- روى الشيخ الطوسي في التهذيب: عن الإمام الصادق (ع)، قال: (لم تبق الأرض إلاّ وفيها منا عالم يعرف الحق من الباطل، قال: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية، وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنما نتقي، ولكانت التقية أحب اليكم من آبائكم وأمهاتكم، ولو قد قام القائم (ع) ما احتاج إلى مسائلتكم عن ذلك) تهذيب الأحكام: ج6 ص173، وسائل الشيعة: ج16 ص235، جواهر الكلام: ج21 ص392.
[84]- قال أمير المؤمنين في إحدى خطبه وهو يصف الرسول (ص) : (طبيب دوار بطبه قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي، وآذان صم، وألسنة بكم، متبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة) نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج1 ص 207.
[85]- روي ذلك عن رسول الله (ص). لاحظ : فيض الغدير للمناوي : ج5 ص72، كما أنه روي عن علي أمير المؤمنين (ع) كما جاء ذلك في بحار الأنوار: ج4 ص43.
[86]- البقرة : 146 – 152.
[87]- الأنفال : 17.
[88]- الأنفال : 48.
[89]- سـبأ : 11.
[90]- مريم : 16- 19.
-[91]راجع ما قاله المفسرون عند تفسيرهم للآيات أعلاه.
[92]- راجع تفسير الآلوسي : ج6 ص96.
[93]- إنجيل متى الإصحاح : 28.
[94]- الأنعام : 46 .
[95]- عن محمد بن منصور، قال: (سألته عن قول الله عز وجل: "وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ"، قال، فقال: هل رأيت أحداً زعم أن الله أمر بالزنا وشرب الخمر أو شئ من هذه المحارم؟ فقلت: لا، فقال: ما هذه الفاحشة التي يدعون أن الله أمرهم بها؟ قلت: الله أعلم ووليه، قال: فإن هذا في أئمة الجور، ادعوا أن الله أمرهم بالائتمام بقوم لم يأمرهم آل له بالائتمام بهم، فرد الله ذلك عليهم فأخبر أنهم قد قالوا عليه الكذب وسمى ذلك منهم فاحشة) الكافي: ج1 ص373 باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل ح9.
[96]- قصص الأنبياء للجزائري: ص460، عدة الداعي: ص107، بحار الأنوار: ج14 ص239.
[97]- إنجيل متى / الإصحاح : 14- 15 .
[98]- إصحاح متى : 23.
[99]- قال تعالى مبيناً ما قيل لعبده ونبيه نوح (ع): ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ هود: 27، وقال عزّ وجل: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُـونَ ... ﴾ الشعراء : 111.
[100]- البقرة : 96.
[101]- إصحاح متى : 22.
[102]- إصحاح لوقا : 23.
[103]- النساء : 157- 159.
[104]- الرعد : 17.
[105]- إبراهيم : 24 - 27.
[106]- رسالة في اللاهوت والسياسة: ص266.
[107]- الأنعام : 161 - 163.
[108]- الأوائل لأحمد بن أبي عاصم: ص40، ولاحظ : مسند أحمد: ج2 ص366، صحيح البخاري: ج4 ص160.
[109]- الأوائل لأحمد بن أبي عاصم: ص26، ولاحظ المصادر في الهامش السابق.
[110]- النساء : 22.
[111]- من لا يحضره الفقية: ج4 ص366، مكارم الأخلاق: ص440.
[112]- روى الشيخ الكليني، قال : علي بن إبراهيم وغيره رفعوه، قال: (كان في الكعبة غزالان من ذهب وخمسة أسياف، فلما غلبت خزاعة جرهم على الحرم ألقت جرهم الأسياف والغزالين في بئر زمزم وألقوا فيها الحجارة وطموها وعموا أثرها، فلما غلب قصي على خزاعة لم يعرفوا موضع زمزم وعمي عليهم موضعها، فلما غلب عبد المطلب وكان يفرش له في فناء الكعبة ولم يكن يفرش لأحد هناك غيره فبينما هو نائم في ظل الكعبة فرأى في منامه أتاه آت، فقال له: احفر برة، قال : وما برة؟ ثم أتاه في اليوم الثاني، فقال: احفر طيبة، ثم أتاه في اليوم الثالث، فقال : احفر المصونة، قال: وما المصونة؟ ثم أتاه في اليوم الرابع، فقال : احفر زمزم لا تنزح ولا تذم سقي الحجيج الأعظم عند الغراب الأعصم عند قرية النمل، وكان عند زمزم حجر يخرج منه النمل فيقع عليه الغراب الأعصم في كل يوم يلتقط النمل، فلما رأى عبد المطلب هذا عرف موضع زمزم، فقال لقريش: إني أمرت في أربع ليال في حفر زمزم وهي مأثرتنا وعزنا فهلموا نحفرها، فلم يجيبوه إلى ذلك، فأقبل يحفرها هو بنفسه وكان له ابن واحد وهو الحارث وكان يعينه على الحفر، فلما صعب ذلك عليه تقدم إلى باب الكعبة ثم رفع يديه و دعا الله عز وجل ونذر له إن رزقه عشر بنين أن ينحر أحبهم إليه تقرباً إلى الله عز وجل، فلما حفر وبلغ الطوى طوى إسماعيل وعلم أنه قد وقع على الماء كبر وكبرت قريش، وقالوا: يا أبا الحارث هذه مأثرتنا ولنا فيها نصيب، قال لهم: لم تعينوني على حفرها هي لي ولولدي إلى آخر الأبد) الكافي: ج 4 ص 219.
[113]- عن الإمام الحسن بن علي العسكري عن آبائه (ع): (إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى رسوله (ص)إني قد أيدتك بشيعتين: شيعة تنصرك سراً، وشيعة تنصرك علانية، فأما التي تنصرك سراً فسيدهم وأفضلهم عمك أبو طالب، وأما التي تنصرك علانية فسيدهم وأفضلهم ابنه علي بن أبي طالب. ثم قال: وإن أبا طالب كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه) الغدير: ج7 ص 395، وراجع الكافي: ج1 ص448، بحار الأنوار: ج17 ص141، وغيرها.
[114]- الشورى :13.
[115]- الأحقاف : 9 - 10.
[116]- الأعلى : 19.
[117]- آل عمران : 68 - 71.                                    
[118]- الحجر: 2.
[119]- روي العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) في قوله: (وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ) فقال: (كانت اليهود تجد في كتبها أن مهاجر محمد (عليه الصلاة والسلام) ما بين عير وأحد، فخرجوا يطلبون الموضع فمروا بجبل يسمى حداداً، فقالوا حداد وأحد سواء، فتفرقوا عنده، فنزل بعضهم بفدك وبعضهم بخيبر وبعضهم بتيماء، فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض إخوانهم فمر بهم إعرابي من قيس، فتكاروا منه، وقال لهم: أمر بكم ما بين عير واحد، فقالوا له: إذا مررت بهما فأرناهما، فلما توسط بهم أرض المدينة، قال لهم: ذاك عير وهذا أحد، فنزلوا عن ظهر إبله فقالوا له: قد أصبنا بغتينا فلا حاجة لنا في إبلك، فاذهب حيث شئت، وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك وخيبر: إنا قد أصبنا الموضع فهلموا إلينا، فكتبوا إليهم: إنا قد استقرت بنا الدار واتخذنا الأموال وما أقربنا منكم، وإذا كان ذلك فما أسرعنا إليكم، فاتخذوا بأرض المدينة الأموال، فلما كثرت أموالهم بلغ تبع فغزاهم فتحصنوا منه فحاصرهم، فكانوا يرقون لضعفاء أصحاب تبع، فيلقون إليهم بالليل التمر والشعير، فبلغ ذلك تبع فرق لهم وآمنهم فنزلوا إليه، فقال لهم: إني قد استطبت بلادكم ولا أرى إلا مقيماً فيكم، فقالوا له : انه ليس ذلك لك، إنها مهاجر نبي وليس ذلك لأحد حتى يكون ذلك، فقال لهم: فاني مخلف فيكم من أسرتي من إذا كان ذلك ساعده ونصره، فخلف فيهم حيين الأوس والخزرج فلما كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود، فكانت اليهود تقول لهم: أما لو بعث محمد لنخرجنكم من ديارنا وأموالنا، فلما بعث الله محمداً (عليه الصلاة والسلام) آمنت به الأنصار وكفرت به اليهود، وهو قول الله (وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ "إلى" فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ) تفسير العياشي: ج1 ص49.
[120]- لقد أشار (ع) إلى مواقفهما المخزية فيما تقدم فراجع.
[121]- إنجيل برنابا : الفصل 12.
[122]- عن الفضيل بن يسار، قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إن قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشد مما استقبله رسول الله (ص) من جهال الجاهلية. قلت: وكيف ذاك؟ قال: إن رسول الله (ص) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وإن قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم يتأول عليه كتاب الله يحتج عليه به، ثم قال: أما والله ليدخلن عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقر) الغيبة للنعماني: ص 307 باب 17 ح1.
[123]- التوبة : 128 ـ 129.
[124]- روى العياشي: عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) في قول الله: ﴿مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾، قال: (وان أهل الجاهلية كانوا إذا ولدت الناقة ولدين في بطن قالوا: وصلت، فلا يستحلون ذبحها ولا أكلها، وإذا ولدت عشراً جعلوها سائبة فلا يستحلون ظهرها ولا أكلها، والحام: فحل الإبل لم يكونوا يستحلون، فأنزل الله إن الله لم يحرم شيئاً من هذا) تفسير العياشي: ج1 ص347.
 
[125]- روى أحمد في المسند وغيره: عن شريك بن الاعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبدالله الأسدي، عن علي رضي الله عنه، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قال: (جمع النبي (ص) من أهل بيته فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا، قال: فقال لهم: من يضمن عنى ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي، فقال رجل لم يسمه شريك : يا رسول الله أنت كنت بحراً من يقوم بهذا!! قال: ثم قال الآخر، قال: فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي رضي الله عنه: أنا) ج1 ص111. وروى الصدوق في العلل: عن علي بن أبي طالب (ع) قال: لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَرهْطِكَ المُخْلصِينَ﴾ دعا رسول الله (ص)بنى عبد المطلب وهم إذ ذاك أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، فقال : أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي؟ فعرض عليهم ذلك رجلاً: كلهم يأبى ذلك، حتى أتى عليّ، فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: يا بني عبد المطلب هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي، فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام) ج1 ص17، ولاحظ : الإرشاد للشيخ المفيد: ج1 ص49، مناقب ابن شهر آشوب: ج1 ص305، وغيرها.
[126]- النساء : 100.
[127]- مسند احمد: ج3 ص390، وراجع : سنن الدارمي: ج2 ص440، سنن ابن ماجة: ج1 ص73، وغيرها.
[128]- إقبال الأعمال: ج1 ص384، بحار الانوار: ج95 ص167، مسند احمد: ج1 ص427، صحيح البخاري: ج4 ص151.
[129]- القصص : 52 ـ 55.
[130]- فقه السيرة للبوطي: ص126، سيرة ابن إسحاق: ج4 ص200، تفسير القرطبي: ج6 ص356، تفسير ابن كثير: ج3 ص405، البداية والنهاية: ج3 ص103.
[131]- مناقب ابن شهر آشوب: ج1 ص61، وعنه : بحار الانوار: ج19 ص22، مجمع الزوائد للهيثمي: ج6 ص35.
[132]- البقرة : 89 .
[133]- يشير (ع) إلى قول الله تبارك وتعالى في عالم بني إسرائيل بلعم ابن باعورا الذي جاء ذكره في سورة الأعراف: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الأعراف: 175 ـ 176.
[134]- روى الشيخ الكليني: عن أبي بصير، عن أبي جعفر (ع) في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ قال : (لم يكن من سبط النبوة ولا من سبط المملكة،...) الكافي:ج8 ص316.
[135]- آل عمران : 19.
-[136] البقرة : 44.
[137]- تفسير الإمام العسكري: ص235 ، بحار الأنوار: ج9 ص309.
[138]- مريم : 59.
[139]- التوبة : 33.
[140]- الفتح : 28.
[141]- الصف : 8 - 9.
[142]- الأحزاب : 23.
[143]- الفتح : 29.
[144]- إنجيل مرقس: إصحاح 6.
[145]- النور : 55.
[146]- كمال الدين: ص356، غيبة الطوسي: ص172، بحار الأنوار: ج51 ص222.
[147]- غافر: 26 ـ 27.
[148]- النساء : 76.
[149]- البقرة :256 .
[150]- قال أمير المؤمنين (ع) في وصف الرسول (ص): (طبيب دوار بطبه قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه . يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي، وآذان صم، وألسنة بكم . متبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة) نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج1 ص207.
[151]- آل عمران : 144.
[152]- الاحتجاج : ج1 ص136.
[153]- معاني الأخبار: ص355، دلائل الإمامة للطبري: ص128، أمالي الطوسي: ص376، الاحتجاج: ج1 ص149، بحار الأنوار: ج 43 ص159.
[154]- ينابيع المودة للقندوزي: ج2 ص56، ذخائر العقبى: ص39، أمالي الشيخ الصدوق: ص467.
[155]- البقرة : 17.
[156]- العنكبوت : 2 - 4.
[157]- ذخائر العقبى: ص61، سنن الترمذي: ج5 ص300، تحفة الأحوذي: ج10 ص153.
[158]- ذخائر العقبى: ص62، ينابيع المودة : ج1 ص245، أسد الغابة: ج5 ص548.
[159]- ذخائر العقبى: ص63، ينابيع المودة: ج2 ص152.
[160]- ذخائر العقبى: ص64، المصنف لعبد الرزاق الصنعاني: ج11 ص226، بحار الأنوار: ج38 ص308، أعيان الشيعة: ج1 ص354، وغيرها.
[161]- ذخائر العقبى: ص64، الغدير: ج3 ص23، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (ع) : ج1 ص61.
[162]- ذخائر العقبى: ص64، الغدير: ج3 ص220، تاريخ دمشق: ج42 ص39.
[163]- مناقب آل أبي طالب: ج2 ص75، ذخائر العقبى: ص65.
[164]- مناقب آل أبي طالب: ج2 ص217، وراجع المستدرك للحاكم: ج3 ص130، وغيره.
[165]- نيل الأوطار للشوكاني: ج6 ص139، تاريخ بغداد: ج1 ص333، تاريخ دمشق: ج42 ص259، ميزان الاعتدال: ج2 ص586.
[166]- مناقب آل أبي طالب: ج2 ص59، ذخائر العقبى: ص68.
[167]- مناقب آل أبي طالب: ج2 ص316، ذخائر العقبى: ص86.
[168]- ذخائر العقبى: ص69، مناقب أبن شهر أشوب: ج1 ص254،مجمع الزوائد: ج9 ص121، المعجم الكبير للطبراني: ج22 ص200.
[169]- ذخائر العقبى: ص71، مناقب آل أبي طالب: ج2 ص35، ينابيع المودة: ج2 ص163.
[170]- قال أحمد بن عبدالله الطبري في ذخائر العقبى بعد أن أورد الحديث المتقدم: وإن صح هذا الحديث فالتوريث محمول على ما رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال علي: (يا رسول الله ما أرث منك؟ قال: ما يرث النبيون بعضهم من بعض كتاب الله وسنة نبيه). والوصية محمولة على ما رواه أنس: أن النبي (ص) قال: (وصيي ووارثي يقضى ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب رضي الله عنه). أخرجه أحمد في المناقب .... أخرجه أحمد في المناقب وخرجه ابن السراج، أو على ما رواه حسين بن علي عن أبيه عن جده قال: أوصى النبي (ص) عليا أن يغسله، فقال علي: (يا رسول الله أخشى أن لا أطيق ذلك، قال : إنك ستعان عليّ، فقال علي رضي الله عنه : والله ما أردت أن أقلب من رسول الله (ص) عضواً إلاّ قلب لي). ويعضد هذا التأويل بما ورد من الأحاديث الصحيحة في نفى التوريث والايصاء، وإنه لم يعهد إليهم عهداً غير ما في كتاب الله وما في صحيفة فيها شئ من أسنان الإبل ومن العقل على ما قررناه في كتاب الرياض النضرة في فضائل العشرة رضي الله عنهم . ذخائر العقبى: ص71.
[171]- ذخائر العقبى: ص77، ينابيع المودة: ج2 ص170، جواهر الإمام علي بن أبي طالب(ع) : ج1 ص193.
[172]- مسند أحمد: ج4 ص281، ذخائر العقبى: ص76.
[173]- مناقب آل أبي طالب: ج2 ص236.
[174]- بشارة المصطفى للطبري: ص362، ذخائر العقبى: ص68، شواهد التنـزيل للحاكم: ج1 ص349، وفيه : ويلك بدل ويحك.
[175]- ذخائر العقبى: ص63، صحيح ابن حبان: ج15 ص371، المعجم الأوسط للطبراني: ج5 ص287، المعجم الصغير: ج2 ص22.
[176]- الأعراف : 142.
[177]- الاستنصار: ص8، الارشاد للمفيد: ج2 ص346، الكافي: ج1 ص533، مناقب آل أبي طالب: ج1 ص257
[178]- الاستنصار: ص8.
[179]- الاستنصار: ص8، تقريب المعارف للحلبي: ص419.
[180]- الكافي: ج1 ص534، الاستنصار: ص8.
[181]- كمال الدين: ص281، مقتضب الأثر: ص10، الاستنصار: ص8.
[182]- الخصال: ص476، عيون أخبار الرضا (ع) : ج2 ص56، كمال الدين: ص269.
[183]- مقتضب الأثر: ص11، بحار الأنوار: ج36 ص372، وجاء في الخصال باختلاف يسير: ص475، ولاحظ عيون أخبار الرضا(ع) : ج2 ص56.
[184]- الكافي: ج1 ص294، بحار الأنوار: ج25 ص72.
[185]- كمال الدين: ص253، غيبة الطوسي : ص173، بحار الأنوار: ج52 ص379، إلزام الناصب: ج1 ص169.
[186]- في الكافي: ومديل المظلومين وديان الدين.
[187]- في بعض نسخ الكافي: لا أعذب به.
[188]- في بعض نسخ الكافي: بسليلك .
[189]- في الكافي: حسن وحسين.
[190]- في غيبة النعماني: فهو أفضل من استشهد في، وأرفع الشهداء درجة عندي، ... ، وحجتي البالغة عنده.
[191]- في بعض نسخ الكافي: وزين أولياء الله الماضين.
[192]- في بعض نسخ كمال الدين: شبيه جدّه.
[193]- في الكافي : أبيحت. كما أنه في بعض نسخه: أتيحت. وهذا هو الموجود في غيبة النعماني.
[194]- في بعض نسخ كمال الدين: لأن خيط وصيتي. وفي بعض نسخ غيبة النعماني: ألا إن خيط فرضي.
[195]- جاءت في كمال الدين.
[196]- في غيبة الطوسي: وأمتعه، وفي العوالم: وأمنحنه.
[197]- بابنه : (م ح م د).
[198]- جاءت هذه العبارة في شرح اصول الكافي للمازندراني: ج7 ص363.
[199]- جاء ت هذه الكلمة في غيبة الطوسي: ص146. وفي غيبة النعماني: ص71.
[200]- في الهداية الكبرى للخصيبي: عليه إكمال صفوة آدم ورفعة إدريس وسكينة نوح وحلم إبراهيم وشدة موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب.
[201]- في الكافي: الرنا. والرنة : هي الصياح في المصيبة.
[202]- في بعض نسخ كمال الدين: القيود .
[203]- البقرة : 157.
[204]- إكمال الدين: ص308، عيون أخبار الرضا (ع) : ج2 ص48، الكافي: ج1 ص527، الاختصاص للمفيد: ص211، الاحتجاج: ج1 ص84، غيبة الطوسي: ص145، غيبة النعماني: ص71، مناقب آل أبي طالب: ج1 ص255.
[205]- عيون أخبار الرضا: ج2 ص50، كمال الدين: ص311، الكافي: ج1 ص529.
[206]- بحار الأنوار: ج36 ص200.
[207]- آل عمران: 144.
[208]- قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: (وثالث القوم هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، كنيته أبو عمرو، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. بايعه الناس بعد انقضاء الشورى واستقرار الأمر له، وصحت فيه فراسة عمر، فإنه أوطأ بنى أمية رقاب الناس، وولاهم الولايات وأقطعهم القطائع، وافتتحت إفريقية في أيامه، فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان، فقال عبد الرحمن بن حنبل الجمحي : ......
وأعطيت مروان خمس البلاد . . . فهيهات سعيك ممن سعى !) شرح نهج البلاغة: ج1 ص198.
[209]- راجع كتاب الغدير للشيخ الأميني: ج8 ص292 وما بعدها، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج3 ص54، وغيرهما.
[210]- روي في وصايا الرسول محمد (ص) لأبي ذر (ع): (... قلت: يا رسول الله، زدني. قال: قل الحق وإن كان مراً. قلت: يا رسول الله، زدني . قال: لا تخف في الله لومة لائم ...) الأمالي للطوسي: ص539 - 541.
[211]- نهج البلاغة : ج2 ص17.
[212]- راجع ترجمة مالك بن نويرة في الإصابة: ج5 ص560، ووفيات الأعيان لابن خلكان: ج6 ص14، معالم المدرستين: ج2 ص82.           
[213]- نهج البلاغة: ج1 ص36.
[214]- الحجرات : 14.
[215]- الأحزاب : 14.
[216]- المائدة : 24.
[217]- الخصال: ص476، عيون أخبار الرضا(ع): ج2 ص56، كمال الدين: 269.
[218]- سعد السعود لابن طاووس: ص34، بحار الأنوار: ج52 ص384، إلزام الناصب: ج2 ص259.
[219]- معاني الأخبار: ص355، دلائل الإمامة للطبري: ص128، أمالي الطوسي: ص376، الاحتجاج: ج1 ص149.
[220]- الكافي: ج8 ص32.
[221]- العنكبوت : 2 - 3.
[222]- كمال الدين: ص485، الغيبة للطوسي: ص292، الاحتجاج: ج2 ص284، بحار الأنوار: ج52 ص92.   
-[223] النور : 40 .

  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • علي صلوات الله عليه نصر رسول الله محمد (ص) في أول بعثته فكان أول المؤمنين ثم وهو شاب صغير في العمر قدم حياته قربانا بين يدي الله سبحانه وفي كل مرة يخرج بجرح أو جروح مميتة ولكنها لا تثنيه أن يتقدم للموت مرة أخرى، قدم عبادة وإخلاصا، تصدق بكل ما يملك، بخاتمه، وبطعامه وهو صائم، وما كان ليعلم به احد لولا أن الله أنزل قرآنا يذكر فعله، كان علي صلوات الله عليه يخفي بكائه بين يدي الله سبحانه حتى على فاطمة صلوات الله عليها، علي سحق أناه ولم يطلب أن يذكر فوهبه الله حكما وعلما وفضله على العالمين.
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • 1
  • 2