raya

تحميل الكتاب بي دي اف

إصدارات أنصار الإمام المهدي (ع) / العدد (1- ب)

العِجْــل
(الجزء الثاني)


المذنب المقصر
أحمد الحسن


طبعة محققة
الطبعة الثالثة


1431هـ - 2010 م
لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن (ع)


يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي :
www.almahdyoon.org


بسم الله الرحمن الرحيم


بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
أنصار الإمام المهدي (ع)
صوت مدوٍ وصرخة لابد أن تمر بها الدعوة الإلهية، صوت هدم وبناء، بيان وعمل، لابد أن يقوم داعية الله بها، يقوم بالهدم والتحرّك ضد قوى الضلالة، لابد من نسف العجل؛ ولذا كانت الدعوة السرية لحركة أنصار الإمام المهدي (ع) - أعني حركة ناصر آل محمد ويمانيهم السيد أحمد الحسن (ع) - تتطلب منه العمل على تحطيم العجل؛ ليتسنى للمجتمع بعدها العودة إلى جادة الحق.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ ([1]).
ولذا بادر (ع) إلى كتابة كتاب العِجل، ومن ثم كان أول إصدارات أنصار الإمام المهدي(ع)، وهو دعوة موجهة إلى هذا المجتمع المُعرِض كل الإعراض عن محمد وآل محمد (ع)، فما زال الرجل يدعوهم ليلاً ونهاراً، جهراً وإسراراً، حتى أعذر فيهم.
هذا وقد نشره السيد (ع) مخطوطاً في فترة الدعوة السرية بين طلبة النجف الأشرف؛ إذ رفض أصحاب المطابع طباعته؛ لما امتاز به من تحطيم العِجل كيفما كان، وأينما حل، سواء في هذا الحكام الفراعنة الفجرة أو فقهاء الدين الخونة.
ويستطيع القارئ أن يلتمس الأمر العظيم في الكتاب - أي إنّ السيد مرسل من الإمام المهدي(ع) - من خلال الآية التي ساقها السيد في ختام المقدّمة، حيث أورد التحصين ثم الآية القرآنية الكريمة، فقال:
(تحصنت بذي الملك والملكوت، واعتصمت بذي القدرة والجبروت، واستعنت بذي العزة واللاهوت، من كل ما أخاف وأحذر، وبمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي و محمد و علي والحسن ومحمد (ع)، والحمد لله وحده).
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ([2]).
فيا من تدعون الولاية لعلي بن أبي طالب وأبنائه (ع)، بم عرفتم حق علي بن أبي طالب؟!
أرجعوا لأنفسكم وانظروا في الأدلة التي تحتجون بها على غيركم من أبناء العامة؟! أليست هي بعينها التي رفعها السيد أحمد الحسن (ع).
إنّ للرجل حقاً عظيماً، انظروا الأحاديث التي تكلمت عنه، ومنها حديث الأصبغ بن نباته في حديثه مع أمير المؤمنين (ع)، فعلي وهو علي شغلته هذه الشخصية حتى أخذت لبه، وأجال فيها ذهنه، أنصت للحديث وتدبره جيداً فإنّك مسؤول عنه يوم القيامة.
قال الأصبغ بن نباته: أتيت أمير المؤمنين علياً (ع) ذات يوم فوجدته مفكراً ينكت في الأرض، فقلت: (يا أمير المؤمنين تنكت في الأرض أرغبة منك فيها؟ فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا ساعة قط، ولكن فكري في مولود يكون من ظهر الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، تكون له حيرة وغيبة، يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون، فقلت: يا أمير المؤمنين فكم تكون تلك الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين، فقلت: إنّ هذا لكائن؟ فقال: نعم كما أنه مخلوق، قلت: أدرك ذلك الزمان؟ فقال: أنى لك يا أصبغ بهذا الأمر، أولئك خيار هذه الأمة مع أبرار هذه العترة، فقلت: ثم ماذا يكون بعد ذلك؟ قال: يفعل الله ما يشاء، فإنّ له إرادات وغايات ونهايات) ([3]).
فعاودوا رشدكم وتفكّروا فإنّ تفكر ساعة خير من عبادة ألف عام.
فأين يراد بكم، بل أين تذهبون، كيف بكم غداً في ساحة العرض على الإمام المهدي (ع) في القيامة الصغرى، وما الجواب الذي تجيبونه به؟ كيف بكم عند الحسيب الرقيب يوم القيامة الكبرى، وما الحجة لديكم؟! أتقولون لم يصلكم حديث أهل البيت فيه! أم تقولون إنهم لم يصفوه أو يسموه! أم إنّه لم يدع إلى كتاب الله وسنة الأطهار من آل بيته (ع)! أم تقولون أنّه لم يبلغ البلاغ التام ولم يخبر عن نفسه!
بم تعتذرون حينما يعيد عليكم ما قاله اليوم: (ووالله لولا أنّ الله كتب على المؤمنين إنكار المنكر، ولولا أني اطلعت على كثير من الحقائق التي ملأت كبدي قيحاً، سواء من الحكام المفسدين أم من علماء السوء الفاسدين - ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ ([4]) - لألقيت حبلها على غاربها، ولما اخترت هذه المواجهة الدامية، مع ألوف مؤلفة مسلحة، بكل أنواع الأسلحة المادية والعسكرية والإعلامية).
نعم فإنّ رسول الله (ص) بلغ بأوصيائه إلى قيام الساعة، ولكن لابد من التمحيص. وكما قال سيدي ومولاي في هذا الكتاب: (هذا والنبي (ص)لم يترك المسلمين في حياته دون أن يوجههم إلى القيادة من بعده، وإلى الأوصياء من ولده (ع) حيث أمره الله سبحانه بذلك. ولكن لابد من الفتنه للتمحيص، ولابد من السامري، ولابد من العجل).
وفي الختام أقول: إنّ هذا الكتاب صرخة بوجه الأمة أن عودي لرشدك وانتبهي لأمرك، وارجعي لكتاب الله وسنة نبيه لتحظي بعيشة السعداء وميتة الشهداء كما ضمن الرسول (ص) لنا ذلك، ودعي فراعنة الزمان من حكام خونة وفقهاء فسقة فـ مع الأسف كثيرون يعدون أنفسهم علماء مع أنّهم لا يحسنون تفسير سورتين من القرآن الكريم، على ما ورد عن آل محمد (ع). ولم يقرؤوا إلاّ اليسير من روايات المعصومين (ع) مقتصرين على بعض الروايات الفقهية في الغالب. فبماذا يعدون أنفسهم علماء، أبالمنطق الذي وضعه أرسطو قبل آلاف السنين، وربما يوجد من الملاحدة من هو أعلم به منّا، أم بالمجادلات والإشكالات المنطقية وغيرها الخالية من ثمرة علمية أو عملية، ولا تعدوا كونها ترفاً علمياً وضياعاً للوقت؟!! ألسنا نروي عن رسول الله (ص) ما معناه: (إنّ المرء يحاسب عن عمره فيما أفناه) ([5]).
والحمد لله أولاً وأخراً، وظاهراً وباطناً
خادم الأنصار الأحقر
ضياء الزيدي
هذه الطبعة
بلطف الله وعنايته تفضل علي سيدي ومولاي السيد أحمد الحسن وصي ورسول الإمام المهدي (ع) متكرماً عليّ بان أقوم بمهمة تصليح كتاب العجل؛ وذلك لاحتواء طبعته الأولى على أخطاء مطبعية كثيرة جداً، وهذه الأخطاء غيرت المعاني كثيراً، بل إنّ هناك مواضع حذفت فيه آيات قرآنية، أو روايات، وقد يصل النقص في الطباعة إلى سطر أو عدة أسطر مقارنة بالنسخة الخطية.
والحمد لله تم تصليح ما أمكن تصليحه، سائلاً الله أن تكون هذه الطبعة قليلة الأخطاء. وتم تغير الكتاب شكلاً، فبدلاً من أن يكون كتاباً واحداً يحتوي على جزئيين كما هو الحال في الطبعة الأولى، أصبح كتابين كل جزء كتاب منفصل، وأسال الله العلي القدير أن يتقبل منا هذا العمل القليل، وأساله سبحانه وتعالى أن يثبتنا مع رسول الإمام المهدي ووصيه وخليفته وولده حتى نتمكن من الثبات بين يدي الإمام (ع).
(اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم اعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ظللت عن ديني).
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ آل عمران: 53.
                                                                                                                                                           السيد صالح الموسوي
الإهــداء
                                  
                                          إلى حملة كلمة لا إله إلا الله ...
                                                   إلى من حملوا أكفانهم وساروا إلى الله ...
                                                  إلى الأنبياء والمرسلين والأئمة عليهم السلام ...
أيها السادة الكرام
هذا المسكين يهديكم السلام ويهديكم هذه البضاعة المزجاة
ويقول وقلبه مفعم بتوحيد الله والتسليم لكم
لقد مسنا وأهلنا الضر فتصدقوا علينا أن الله يجزي المتصدقين
أحمد الحسن
27 شوال 1421 هـ . ق
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، الذي قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ * وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾ ([6]).
وصلى الله على الأنبياء والمرسلين وعلى خاتمهم المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الغر الميامين، وعلى خاتمهم الذي سيبعث نقمة على الكافرين.
قدّمت في الجزء الأول إنّ هذا البحث هو: نظرة من خلال قصص الأنبياء والمرسلين والأمم الغابرة إلى حال المسلمين في الحاضر وفي المستقبل المرتقب فيه ظهور الإمام المهدي (ع). كما أنّه دعوة للإصلاح ولمراجعة المسيرة، وخصوصاً لمن يدّعون تمثيل الإمام المهدي . وهو دعوة للاستعداد لنصرة الإمام المهدي (ع) وتجنب الوقوف ضدّه، سواء مع الطواغيت كالسفياني، أو مع علماء السوء السامريين. وقد توخيت فيها أن ألزم جانب اللين والرحمة، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ([7]).
فالواقع الإسلامي اليوم مخزٍ، والحال مرير، ولابدّ من الإصلاح، ولابدّ أن يتصدّى مؤمنون لهذا الإصلاح. ومن الطبيعي أن تكون هناك تضحيات في صفوف السائرين على هذا النهج الشريف، الذي هو كالسير على الجمر.
فعن الإمام الباقر (ع)، قال: (قال رسول الله (ص) ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: اللهم لقني إخواني مرتين. فقال من حوله من أصحابه: أما نحن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: لا، إنّكم أصحابي، وأخواني قوم في آخر الزمان، آمنوا ولم يروني، لقد عرفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، لأحدهم أشد بقية على دينه من خرط القتاد - أي الشوك - في الليلة الظلماء، أو كالقابض على جمر الغضا ([8])، أولئك مصابيح الدجى ينجيهم الله من كل فتنة غبراء مظلمة) ([9]).
فمن الصعب أن تقف بوجه الطواغيت و علماء السوء السامريين تقارعهم وتقاتلهم ويدك خالية حتى من حجر تدافع به عن نفسك، ولا ناصر ولا معين. وفي أيديهم أسلحة ودبابات وصواريخ وآلة إعلامية ضخمة، وأسماء رنّانة صرفت أموال طائلة لإحاطتها بهالة من القدسية الزائفة، وأموال طائلة تغدق على من يعبدهم من دون الله ويطبل ويزمر لهم ويسميهم زعماء وعلماء.
ولكن لي ولإخواني المؤمنين بموسى وهارون أسوة، عندما قارعا فرعون وهامان وقارون والسامري وبلعم بن باعورا (لعنه الله) الظاهر بلباس العالم العابد الناسك.
ولنا بعيسى (ع) عندما قارع قيصر وبيلاطس وجيوش الرومان وعلماء بني إسرائيل الضالين أسوة. ولنا بمحمد (ص) عندما قارع الطواغيت وعلماء السوء أسوة. ولنا بآل محمد (ع) عندما قارعوا طواغيت بني أمية وبني العباس وعلماء السوء السامريين في هذه الأمة أسوة.
ووالله لولا أنّ الله كتب على المؤمنين إنكار المنكر، ولولا أني اطلعت على كثير من الحقائق التي ملأت كبدي قيحاً، سواء من الحكام المفسدين أم من علماء السوء الفاسدين - ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ ([10])- لألقيت حبلها على غاربها، ولما اخترت هذه المواجهة الدامية مع ألوف مؤلفة مسلحة بكل أنواع الأسلحة المادية والعسكرية والإعلامية. وليس بين يدي إلاّ أن أقول: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ ([11]).
أيّها الأحبة إني لماّ تدبرت طويلاً وصية أمير المؤمنين (ع) وجدته يقول: (والله ما فاجئني من الموت وارد كرهته، ولا طالع أنكرته، وما كنت إلاّ كقارب ورد ([12])، وطالب وجد، وما عند الله خير للإبرار) ([13]).
ووجدت أنّ العاقل اللبيب المطيع لله الموتُ أحب إليه من الحياة. وما عند الله خير للإبرار. جعلني الله أنا الحقير المسكين ممن يتمرّغون في تراب وطئوه، وممن يسلك الصراط المستقيم الذي سلكوه. وإنّي لما تدبرت طويلاً حال الأنبياء والأوصياء وعباد الله المخلصين في القرآن وفي سيرتهم، وجدتهم أصحاب غيرة وأنوف حمية، تأبى اختيار طاعة الطاغوت والخضوع له، بل وجدتهم يقتلون ويقطّعون ويصلبون بعز وكرامة دونما لحظة خضوع أو مداهنة أو ركون لظالم.
وجدت إبراهيم (ع) يحمل فأساً ويكسر الأصنام، ولا يبالي بما سيفعله به الطواغيت وعلماء السوء، حتى يلقى في النار.
ووجدت يحيى (ع) يصرخ بوجه هيرودس: إنّك فاجر، حتى يقطع رأسه.
ووجدت الحسين (ع) يهتف بوجه يزيد (لعنه الله) إنّك كافر، حتى قتل صحبه وبنو عمه وإخوته وبنوه، فما خضع وما ركن للظالم حتى قتل، ورُفع رأسه على رمح، وسبيت نساؤه. فنصره الله لما نصر دين الله في أرضه.
ووجدت موسى بن جعفر (ع) يهتف بوجه طواغيت بني العباس المهدي والهادي والرشيد الضالين: إنّكم كفرة، حتى نقلوه من سجن إلى سجن، ومن طامورة إلى طامورة، فما خضع وما استسلم حتى قتله الرشيد (لعنه الله) في السجن بالسم.
ووجدت موسى بن عمران (ع) يقارع فرعون (لعنه الله) وقواته المسلحة بأحدث أنواع الأسلحة في حينها، وليس معه إلاّ عصا شاء الله أن يجعلها آية من آياته.
ووجدت أمير المؤمنين (ع) تثخنه الجراح في أُحُد، فلا يزداد إلاّ يقيناً وقوة في دين الله، تزيده قوّة في بدنه، يجندل بها صناديد قريش.
ووجدت حبيب الله محمداً (ص) بعد أن تثخنه الجراح، وتكسر رباعيته في وقعة أُحُد، يعود ويكر على المشركين بجمع من أصحابه، معظمهم جرحى يتكئون على قوائم سيوفهم ورماحهم، فيرحم الله سبحانه حالهم ويلقي الرعب في صفوف المشركين فيولون مدبرين بعد أن قرّروا استئصال النبي (ص) وأصحابه، فنصره الله دونما قتال.
ثم نظرت إلى حالنا اليوم فوجدت الطواغيت المتسلطين على هذه الأمة، لم يبقوا من الدين إلاّ اسمه، ومن القران إلاّ رسمه، ويا ليتهم تركوه على حاله، بل عمدوا إليه وأهانوه ونجسوه تقرّباً للشيطان الرجيم، وامتثالاً لأوامر السحرة والكهان (لعنهم الله وأخزاهم)، والمسلمون وعلماؤهم صامتون، كأنّ على رؤوسهم الطير، وكأنّ القرآن لا يعنيهم بشيء ([14]).
الويل لكم أيّها الصامتون، هذا هو الكتاب الذي لا يمسّه إلاّ المطهرون، هذا هو أحد الثقلين، فكيف خلفتم رسول الله فيه، كيف تسكتون على من ينجسه بدمه الخبيث، أخوفاً من الموت أو القتل؟! أذن لا تمتعون إلاّ قليلاً.
أم تقولون تقية، ويحيى بن زكريا (ع) قُتل وقطع رأسه من أجل أمر أقل من هذا بكثير، من أجل زنا بمحرم ([15]).
أنتم يا علماء الإسلام، يا من تدعون تمثيل الأنبياء، ماذا بقي بعد الاستخفاف بكتاب الله وتنجيسه؟! ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ ([16]).
قال عيسى (ع): (إنكم علماء السوء الأجر تأخذون والعمل تضيعون. يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه) ([17]).
لقد نبذ الكتاب حملته وتناساه حفظته، فكفروا به فسوف يعلمون. لقد شُغلوا بدراسة المنطق والنحو وتدريسها عن دراسة كتاب الله وتدريسه، وشُغلوا بتقديس المنطق عن كتاب الله وتقديسه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ ([18]).
بماذا ستعتذرون أمام الله عن خذلانكم لكتاب الله بالتقية؟! إذاً لو كنتم في كربلاء لوقفتم مع جيش عمر بن سعد (لعنه الله) وقتلتم الحسين (ع) واعتذرتم بالتقية، أو على الأقل لوقفتم جانباً واعتزلتم القتال، واعتذرتم بهذا العذر القبيح، نعم فقتلة الحسين كانوا يدَّعون أنهم شيعة وراسلوا الحسين (ع) وادعوا أنهم سينصرونه، فلما وجدوا أنّ نصرته ستفقدهم حياتهم المادية قتلوه ونصروا أولاد البغايا! وخذلوا ابن فاطمة (ع) من خستهم والخبث والجبن الذي انطوت عليه نفوسهم. وهكذا أنتم لو خذلتم كتاب الله اليوم، فحتماً ستخذلون غداً ابن الحسين (ع) الإمام المهدي(ع).
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿المر * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ([19]). لا يؤمنون بالحق؛ لأنّه مر. ولا يسلكون طريق الحق؛ لأنّهم يستوحشون من السير فيه لقلة سالكيه، ويعجبهم الخبيث لكثرته، كأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون ﴾ ([20]).
بلى سمعوها ووعوها، ولكنهم كما قال أمير المؤمنين (ع): (حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها) ([21]). واجتمعوا على جيفة أُفتضحوا بأكلها، ومن حلي في عينه شيء أعشى بصره وأعماه([22]).
قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ ([23]).
بلى مثلهم كالمنافقين في صدر الإسلام، أوقدوا شعلة الإسلام مع الرسول (ص) فلما أسلم الناس نافقوا هم وطلبوا الدنيا، فذهب الله بقشورهم الدينية التي غلفوا بها بواطنهم السوداء.
* * *
الانحراف في الأمة الإسلامية عن الصراط المستقيم
قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ([24]).
الانحراف عن الصراط المستقيم وقع حتماً في الأمة الإسلامية، سواء في العقائد أو الأحكام الشرعية: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ ([25])، ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ ([26]).
وقال رسول الله (ص): (والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، حتى لا تخطئون طريقهم ولا يخطئكم سنة بني إسرائيل) ([27]).
والمستفاد من الروايات أنّ أول ما سيقوم به المهدي (ع) عند ظهوره وقيامه هو تعديل هذا الانحراف، وإعادة الأمة إلى جادة الصراط المستقيم، وإعادة الإسلام غضّاً طريّاً كما كان في عهد رسول الله (ص)، بعد أن حرّفه أئمة الضلال السامريون.
عن أبي بصير، قال: قال الإمام الصادق (ع): (الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء. فقلت: اشرح لي هذا أصلحك الله. فقال (ع): يستأنف الداعي منّا دعاء جديداً كما دعا رسول الله (ص)) ([28]).
وعن الصادق (ع)، قال: (يصنع - أي القائم - ما صنع رسول الله (ص)، يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله (ص) أمر الجاهلية، يستأنف الإسلام جديداً) ([29]).
وعن ابن عطاء، قال: (سألت أبا جعفر الباقر (ع) فقلت: إذا قام القائم (ع) بأي سيرة يسير في الناس؟ فقال (ع): يهدم ما قبله كما صنع رسول الله (ص)، يستأنف الإسلام جديداً) ([30]).
عن الباقر (ع)، قال: (إذا قام قائمنا دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا رسول الله (ص)، وإنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) ([31]).
وربما يُظن إنّ الانحراف طال السُـنَّة فقط، باعتبارهم تركوا التمسك بآل النبي الأئمة الاثني عشر (ع)، مما أدّى بهم في النتيجة إلى الانحراف سواء في العقائد أو الأحكام، ولكن الحقيقة إنّ الأحاديث الواردة عن أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم دالة على أنّ الانحراف يطال الجميع قبل قيام الإمام المهدي (ع)، كما أنّ الخلافات في العقائد وفي الأحكام الشرعية وفي طرق استنباط الأحكام الشرعية بين علماء المسلمين سواء بين السنة والشيعة، أو بين علماء كل فرقة أنفسهم دالة على ذلك.
ولهذا فمن الضروري أن نعرف الأمور التي وقع فيها خلاف بين علماء المسلمين ولو بشكل موجز، لكي لا نقع غداً عند ظهور الإمام المهدي (ع) فريسة سهلة لأحد أئمة الضلال السامريين، فيصيرنا - بسب جهلنا للحقائق - أعداءً للإمام المهدي (ع) ونحن نظن أننا على الصراط المستقيم وأننا نحسن صنعاً، ولهذا فسأحاول عرض بعض هذه الأمور وبشكل موجز، وربما مجمل في بعض الأحيان ومن الله التوفيق.
* * *
أولاً: التحريف في القران الكريم
وردت روايات كثيرة عن أهل بيت النبي (ص) دالة على التحريف، كما وردت روايات عن صحابة النبي (ص) عن طريق السنة في كتبهم دالة على وقوع التحريف ([32]).
والمقصود بالتحريف: أنّ القرآن الذي بين أيدينا غير كامل، وإنّ بعض كلماته تبدلت أو بُدلت بقصد. ورجح بعض علماء المسلمين وقوع التحريف كما رجح بعضهم عدم وقوع التحريف.
ويَستدل القائلون بعدم التحريف بعدّة أمور هي:
1- آية الحفظ: ﴿إِنا نَحنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ([33]).
وهذه الآية يمكن أن تفسّر بحفظ القرآن من التحريف، وبقائه عند الأمّة سالماً من الزيادة والنقص والتغيير، ومن أن تمتد يد أهل الباطل وأئمة الضلال إليه.
2- قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ([34]).
وهذه الآية يمكن أن تفسّر بأنّ القرآن محفوظ من ولوج الباطل بين طياته، سواء أكان هذا الباطل بتبدّل بعض الكلمات أو بزيادة أو نقص بعض السور والآيات.
3- الروايات الدالة على التحريف يمكن حمل بعضها على أنّها دالة على التحريف المعنوي، أي التحريف في التأويل لا التنـزيل، وهذا أمر واقع يقرّه جميع المسلمين.
4- إنّ بعض الروايات الدالة على التحريف ضعيفة السند.
5- الروايات التي لا تقبل التأويل والدالة على التحريف اللفظي أو النقص يضرب بها عرض الجدار؛ وذلك لأنّها مخالفة للقرآن، وقد ورد عن المعصومين (ع) ما معناه: ما جاءكم عنا مخالف لكتاب الله فدعوه ([35]).
6- القرآن المجموع في زمن النبي (ص) هو الذي بين أيدينا؛ لأنّ من غير المعقول أنّ رسول الله (ص)لم يهتم بكتابة وجمع القرآن في حياته.
ثم جاء بعده أبو بكر وعمر وزيد بن ثابت ليجمعوه، وجاء بعدهم عثمان ليجمع الناس على مصحف واحد ويحرق أو يتلف البقية التي تختلف عنه بشكل أو بآخر، فيكون الذي بين أيدينا هو المصحف العثماني كما يروي العامة والخاصة.
7- القول بتحريف القرآن يلزم هدم إثبات نبوة محمد (ص) اليوم؛ لأنّ القرآن هو المعجز الذي جاء به النبي (ص).
8- مع القول بالتحريف لا يبقى للقرآن الذي بين أيدينا فائدة، ولا يمكن التعويل عليه في العقائد، فضلاً عن الأحكام الشرعية وغيرها.
أمّا أدلة القائلين بالتحريف فهي:
1- الروايات الدالة على التحريف، وهي كثيرة جداً عن طريق الشيعة والسنة، وكمثال على ما روي عن طرق السنة، إنّ رسول الله (ص) قال: (من سرّه أن يقرأ القرآن غضاً كما نزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) ([36]).
وعلى هذا يكون ابن مسعود من خير الصحابة الذين حفظوا القرآن.
ثم إنّهم يروون عن ابن مالك، قال: (أمر بالمصاحف أن تغير، قال: قال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفه فليغله، فإنّ من غل شيئاً جاء به يوم القيامة، قال: ثم قال - أي ابن مسعـود -: قرأت من فم رسول الله (ص) سبعين سـورة، أفأترك ما أخذت من في رسول الله (ص)؟) ([37]). وعندهم السند صحيح كما قال أحمد محمد شارح مسند أحمد.
ورواه أبو داود، وابن كثير في التفسير، وروى معناه ابن سعد في الطبقات ([38]).
ومعنى الحديث واضح: إنّ ابن مسعود يرى أنّ القرآن الذي كتبه عثمان ناقص، أو حدث فيه بعض التغير على الأقل، فقوله: (أفأترك ما أخذت من في رسول الله (ص))، دال على أنّ ما أخذه يختلف بشكل أو بآخر عمّا كتبه عثمان. وابن مسعود (رحمه الله) ظل مصراً على رأيه ورفضه لما كتبه عثمان حتى قتله عثمان عندما أحرق المصاحف وأحرق مصحفه، وجلده حتى مات بعدها.
والروايات التي وردت في كتب السنة الدالة على نقص القرآن كثيرة، وقد اختاروا اسم نسخ التلاوة للسور والآيات التي وردت عندهم بالروايات، ولم تكتب بالمصحف الموجود اليوم ([39]).
أمّا الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) فهي كثيرة، ولكنّهم (ع) أمرونا أن نقرأ كما يقرأ الناس، حتى يقوم القائم منهم صلوات الله عليه وعليهم ([40]).
وسئل الشيخ المفيد (رحمه الله) في المسائل السرورية: ما قوله أدام الله تعالى حراسته في القرآن؟ أهو ما بين الدفتين الذي في أيدي الناس، أم هل ضاع مما أنزل الله تعالى على نبيه منه شيء أم لا؟ وهل هو ما جمعه أمير المؤمنين (ع)، أم ما جمعه عثمان على ما يذكره المخالفون؟
فأجاب: (لا شك إنّ الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله تعالى وتنـزيله، وليس فيه شيء من كلام البشر، وهو جمهور المنـزّل، والباقي مما أنزله الله تعالى (قرآناً) ([41]) عند المستحفظ للشريعة، المستودع للأحكام - أي المهدي (ع) -، لم يضْيع منه شيء، وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله في جملة ما جمع، لأسباب دعته إلى ذلك، منها: قصوره عن معرفة بعضه. ومنها ما شك فيه. ومنها ما عمد بنفسه. ومنها ما تعمد إخراجه منه.
وقد جمع أمير المؤمنين (ع) القرآن المنـزل من أوله إلى أخره وألّفه بحسب ما وجب تأليفه، فقدم المكي على المدني، والمنسوخ على الناسخ، ووضع كل شيء منه في حقّه.
فلذلك قال جعفر بن محمد الصادق (ع): (أما والله لو قرئ القرآن كما أُنزل ألفيتمونا فيه مسمين، كما سمي من كان قبلنا) ([42]).
وقال (ع): (نزل القرآن أربعة أرباع، ربع فينا، وربع في عدونا، وربع قصص وأمثال، وربع قضايا وأحكام، ولنا أهل البيت فضائل القرآن) ([43]).
وقال المجلسي(رحمه الله): (غير أنّ الخبر قد صح عن أئمتنا (ع) أنهم أمروا بقراءة ما بين الدفتين، وأن لا نتعدّاها بلا زيادة فيه ولا نقصان منه حتى يقوم القائم (ع) فيقرئ الناس القرآن على ما أنزله الله تعالى، وجمعه أمير المؤمنين (ع)) ([44]).
2- قيام عثمان بإحراق المصاحف بعد أن اختار أحدها، مع وجود اختلاف بينها، بل وأحرق مصحف عبد الله بن مسعود وأنكر علية قراءته، وضربه حتى مات، مع أنّ رسول الله  (ص) قال - على ما روي عنه -: (من سرّه أن يقرأ القرآن غضاً كما أُنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد) ([45]).
3- اقتفاء سنن الماضين، فاليهود حرفوا التوراة، والمسيح حرفوا الإنجيل، قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾([46]).
وقد ورد حديث اقتفاء سنن الماضين عن النبي (ص) وأهل بيته المعصومين (ع)، والحديث صحيح مستفيض الرواية ([47]).
ومعنى اقتفاء سنن الماضين موجود في أرض الواقع، وشيء حاصل بيّن لكل من تصفح التاريخ ولو إجمالاً ([48]).
4- آية الحفظ متشابهة، تحتمل وجوه كثيرة من التفسير والتأويل، ومنها: إنّ القرآن محفوظ عند المعصوم (ع).
وهذا الوجه في التفسير تدل عليه الروايات عنهم (ع) ([49]).
وكذلك الآية الأخرى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾([50])، متشابهة تحتمل وجوه.
والعجيب أن يُرجع بعضهم روايات صحيحة السند محكمة الدلالة وردت عن أهل بيت العصمة إلى آيات متشابهة، وهم يدعون فقه القرآن والسنة. فليت شعري المحكم يرجع إلى المتشابه أم المتشابه إلى المحكم؟!
5- لا سبيل لردّ الروايات الصحيحة؛ لأنّ بعضها محكمة في دلالتها على التحريف والنقص، والآيات السابقة متشابهة والمتشابه يرجع إلى المحكم ليفهم معناه لا العكس، كما أنّ تغيير حرف أو كلمة في آية لا يعد، وما في القراءات السبعة من الاختلاف.
ومن هنا فإنّ قبول قراءة المعصوم أولى من قبول قراءة غيره، وعلى أقل تقدير فلتقبل قراءته كقراءة غيره، فلا وجه لحصر القراءات بسبعة مع أنّه توجد قراءات مروية غيرها.
6- القرآن الذي بين أيدينا جمع في زمن أبي بكر وعمر، والدال عليه الروايات عن طريق السنة والشيعة، بل إنّ هذه الحادثة متواترة في التاريخ وكانت هناك عدة مصاحف أحرقها عثمان وجمع الناس على مصحف واحد ([51]).
أمّا القرآن الذي جمعه النبي (ص) فهو عند علي (ع)، وقد عرضه على القوم ولم يقبلوه وهو عند الإمام الثاني عشر (ع) اليوم، والدال عليه روايات كثيرة وردت عن أهل البيت (ع).
عن سالم بن سلمة، قال: قرأ رجل على أبي عبد الله (ع) وأنا استمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله (ع): (كف عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم (ع) قرأ كتاب الله (عز وجل) على حدّه، وأخرج المصحف الذي كتبه علي (ع)). وقال: (أخرجه علي (ع) إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، وقال لهم: هذا كتاب الله (عز وجل) كما أنزله الله على محمد وقد جمعته من اللوحين، فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القران لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنما كان عليَ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه) ([52]). وفي رواية أخرى عن النبي (ص) قبل وفاته أعطى القراطيس التي كتب فيها القرآن لعلي (ع)، وأمر بجمعه وحفظه.
أمّا الإدعاء بأنّ القرآن الذي بين أيدينا جمع في زمن النبي (ص) فهي دعوى جزافية لا دليل عليها، بل مردودة بما قدمت.
7- إنّ إثبات النبوة لمحمد (ص) بأخلاقه وأمانته وصدقه وسيرته قبل بعثته ومعجزات كثيرة القرآن أحدها. وقد نقل الكثير منها بشكل متواتر من جيل إلى جيل، وفي كتب التاريخ.
ومنها ما كان في ليلة ميلاده كانشقاق إيوان كسرى، وهدم أربعة عشر شرفة من شرفاته، وخمود نيران فـارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغور بحيرة ساوة، وفيض وادي السمـاوة،
وتهافت النجوم على الشياطين بالرجوم، ومنعها من السمع ([53]).
ومنها: المقرونة بدعوى النبوة والتحدّي، كانشقاق القمر، وانشقاق الشجر، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى بيده، ونبع الماء من أنامله، ونطق الجمادات والحيوانات لأجله، وتسليم الغزال عليه، ونطق اللحم المسموم بين يديه، وكلام ذئب الفلاة لأجله، ودر شاة أم مُعبد، وبرق الصخرة يوم الخندق، وأكل الخلق الكثير من الطعام القليل ([54]).
كما أنّ القرآن الذي بين أيدينا عند القائلين بالتحريف هو قرآن من عند الله ولكنّه ليس جميعه، وبهذا يبقى على إعجازه، ويعتمد عليه في العقائد والأحكام وغيرها، مع أنّ إعجاز القرآن مختلف فيه أصلاً كونه البلاغة أو الأسلوب أم الحكم والمواعظ أو الأخبار بالمغيبات أو سلامته من التناقض أو التشريع العادل؟
وربما يقال: جميع هذه الأمور هي إعجاز القرآن. وربما قيل: إنّ إعجازه نفسي باطني.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ ([55])، ويؤيده طمأنينة نفس المؤمن عند قراءته، ويؤيده أنّه شفاء للصدور، ويؤيده إنّ بعض آياته إذا قرأت لها تأثير على الموجودات الملكوتية واللطيفة كالجن، بل المادية كجسم الإنسان.
ورد عن المعصومين (ع) ما معناه: (إنّ الفاتحة إذا قرأت سبعين مرّة على ميت فلا تتعجبوا إذا قام حياً) ([56])، ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾.
وربما لن يظهر هذا الإعجاز بشكل واضح للجميع إلاّ في زمن ظهور القائم (ع)؛ حيث ورد أنّ أصحابه يسيرون على الماء ([57])، بل لو تدبّرنا التحدّي في القرآن لوجدناه شاملاً للجميع لأهل العربية وغيرهم، وللإنس والجن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ([58]). فلو كان الإعجاز في تركيب الألفاظ أي بالبلاغة أو الأسلوب أو غيرها، لكان التحدّي لغير أهل العربية لا معنى له مع أنّ الآية تشملهم، فإذا كان الأمر كذلك أي إن إعجاز القران باطني نفسي كان بقاء آية واحدة من القرآن كافياً لبقاء إعجازه، بل جزء من آية كافٍ، مثل: ﴿اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ([59])، أو ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، بل الباء في البسملة كافية لإثبات إعجازه.
روي أنّ أمير المؤمنين (ع) تكلم في أسرار الباء في البسملة ليلة كاملة ([60]).
وقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ
مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ([61]).
فلا تتوهم أنّ سبب إيمان هؤلاء العلماء الربانيين القسيسين والرهبان هو: البلاغة أو الأسلوب، بل الحقائق التي وراء تلك الألفاظ، والتي جعلت أعينهم تفيض من الدمع. وهؤلاء وأمثالهم هم الحجة في كشف إعجاز القرآن لبني آدم، لا من أقتصر علمه على القشور والألفاظ فقط.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ([62]).
فمن كشف معجزة موسى (ع) لبني آدم؟! إنّهم السحرة عندما عرفوا أنها ليست بوهم، بل حقيقة من رب العالمين فلم يستكبروا وخروا ساجدين.
والخلاصة: إنّ القول بالتحريف لا يعدو القول بالنقصان أو بتغيير بعض الكلمات اعتماداً على الروايات التي وردت عن المعصومين (ع) وعن بعض الصحابة. وكلاهما - أي النقصان وتغير بعض الكلمات - لا يقدح بكون الذي بين أيدينا قرآناً، حيث إنّ القول بالنقصان يعني أن الذي بين أيدينا بعض القرآن، فلا إشكال في أنّه من الله سبحانه.
أمّا القول بتغير بعض الكلمات مثل : (أمة بـ أئمة)، و (اجعلنا بـ اجعل لنا)، و (طلح بـ طلع)، فهو شبيه بالقول بالقراءات السبعة أو العشر التي لاقت القبول من جميع المسلمين اليوم، وهم لا يخطّئون من يقرأ بأي منها مع اختلاف بعض الكلمات من قراءة إلى أخرى، سواء باللفظ أو بالمعنى.
هذا والحمد لله الذي رزقنا ذكره ومنّ علينا بكتابه الكريم وقرآنه العظيم، والحمد لله وحده.
* * *
ثانياً: التشريع بدليل العقل
بعد وفاة النبي (ص) كان على المسلمين الرجوع إلى أوصيائه (ع)؛ لمعرفة الأحكام الشرعية المشتبهة عليهم أو التي تستجد مع مرور الزمن، ولكن بما أنّ جماعة من المسلمين انحرفوا عن الأوصياء (ع)، وتركوا الأخذ عنهم - وهم أهل السنة - فقد أدّى مرور الزمن بهم إلى تأليف قواعد عقلية مستندة إلى القواعد المنطقية، اعتمدوا عليها في إصدار بعض الأحكام الشرعية، وسمّوها بـ (أصول الفقه)، وأعرض بعض علمائهم عنها والتزم بالقرآن وما صح عندهم أنّه صدر عن النبي (ص).
أمّا الشيعة فكانوا دائماً يرجعون إلى الإمام المعصوم (ع) بعد النبي (ص)، ولما وقعت الغيبة الصغرى كانوا يرجعون إلى سفير الإمام (ع)، فلمّا وقعت الغيبة التامة كانوا يرجعون إلى الفقهاء الذين كانوا يروون عن المعصومين (ع)، ومع مرور الزمن رجع بعض علماء الشيعة إلى القواعد العقلية التي بدأ بكتابتها علماء السنة. وقيل: إنّ أول من كتب في القواعد العقلية من الشيعة هو العلامة الحلي (رحمه الله)، حيث قام باختصار أحد كتب السنة في أصول الفقه.
وقع بعد ذلك خلاف كبير بين علماء الشيعة حول التوقف عند محكمات القرآن والروايات الواردة عن المعصومين (ع) في تحصيل الحكم الشرعي أو تجاوز الأمر إلى دليل العقل، وزاد آخرون الإجماع. وكل استدل على صحة طريقه بأدلة هي:
1- الأدلة على أنّ دليل العقل من أدلة التشريع:
وإنّه لا يجب التوقف عند محكمات الكتاب والروايات، ومنها:
أ- إنّ المشرّع سبحانه من جملة العقلاء - حسب ما قاله بعض الأصوليين - فما اتفق عليه العقلاء أقرّه المشرّع سبحانه ([63]).
ب- إنّ الشريعة موافقة للعقل، فكل ما حسّنه العقل حثت عليه الشريعة، وكل ما قبّحه العقل نهت عنه الشريعة ([64]).
ج- إنّ التوقف عن الفتوى عند الشبهات يلزم العسر؛ لأنّ العمل بالاحتياط قد يكون فيه عسر على المكلفين، كصلاة القصر والتمام أو صيام اليوم وقضاءه.
د- إنّ التوقف عن الفتوى عند عدم وجود رواية أو آية محكمة، يلزم جمود الشريعة وعدم مواكبتها للتطور. والمستحدثات أصبحت كثيرة خصوصاً في المعاملات، كأطفال الأنابيب والتلقيح الصناعي، والمعاملات المصرفية والمالية المتنوعة وتقنية الاستنساخ البشري والحيواني وغيرها.
2- الأدلة على وجوب التوقف عند الروايات والآيات المحكمة:
والتوقف عن الفتوى عند الشبهات والمستحدثات التي لا يوجد دليل نقلي عليها والعمل فيها بالاحتياط، ومنها:
أ- إنّ العقل حجة باطنة، وهذا ورد في الروايات عنهم (ع) ([65])، فبالعقل يستدل على وجود الخالق، ثم بالعقل تعارض الروايات وتُعرف دلالة كل منها، وبالعقل تُفهم الآيات ويُعرف المتشابه والمحكم. وهذا لا اعتراض عليه، إنّما الاعتراض على وضع قاعدة عقلية غير مروية يستـنبط بواسطتها حكم شرعي ([66]).
فهذه هي عبادة العباد للعباد ([67])، وهكذا نعود إلى الحام والبحيرة والسائبة ([68])، وعدنا إلى تحريم علماء اليهود بأهوائهم وتخرّصاتهم العقلية وتحليلهم المحرّمات، وهكذا نقرّ للطواغيت تشريعاتهم الوضعية الباطلة.
ب- اتفاق العقلاء المدّعى غير موجود ([69])، ثم إنّ بعض القواعد العقلية لم يتحرّر النـزاع فيها في الأصول بين الأصوليين أنفسهم، فكيف يعتمد عليها في استنباط الأحكام الشرعية ([70]). هذا فضلاً عن إنّ اعتبار المشرّع سبحانه من جملة العقلاء غير صحيح ([71]).
ج- إنّ بعض الأشياء التي نهى عنها الشارع قبحها بيّن، فالعقل يحكم بقبحها، ولكن هناك كثير من الأشياء غير بيّنة القُبح والحُسن في الظاهر، فلابدّ من الاطلاع على حقائق الأشياء لمعرفة الحَسِن من القبيح. ولا يعرف حقائق الأشياء إلاّ خالقها أو من شاء الله اطلاعه عليها، ثم لعل بعض الأشياء نعتقد نحن بقبحها لعدم اطلاعنا على حقائقها وبواطنها، واكتفائنا بمنافاة ظاهرها لطباعنا وأحوالنا وتقاليدنا الاجتماعية التي عادة يعتبرها الناس نواميس إلهية يحرُم خرقها. قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ ([72])، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ([73]).
وبعض الأشياء فيها حسن وقبح وملائمة ومنافاة ولكن أحدهما أرجح من الآخر، قال تعالى:
﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾([74])، فنحن وإن قلنا بأنّ الحسن والقبح مفهومان عقليان، ولكن تطبيق هذين المفهومين على الموجودات في الخارج - أي المصاديق - أمرٌ متعسّر؛ لأنّ بعض الموجودات متشابهة.
د- إنّ في الشبهات حكمة إلهية، فالذي نزّل القرآن قادر على أن يجعل جميع آياته محكمة - أي بينة المعنى -، ولكنه سبحانه جعل فيه آيات متشابهات - أي مشتبهة على جاهلها وتحتمل أكثر من وجه في التفسير والتأويل – لحكمة، ولعلها- والله العالم - بيان الحاجة إلى المعصوم (ع) الذي يعلم تفسير وتأويل المتشابه.
فعن رسول الله (ص) ما معناه: (أمر بيّن رشده فيتبع، وأمر بيّن غيه فيجتنب، ومتشابهات بين ذلك يرد حكمها إلى الله وإلى الراسخين في العلم العالمين بتأويله) ([75]).
إذن، ففي الشبهات إشارة إلى حاجة الأمة إلى الراسخين في العلم وهم الأئمة (ع) بعد النبي (ص)، وفي زماننا صاحب الأمر (ع)، ولعل الذي يفتي في الشبهات يلغي هذه الإشارة، بل لعله يشير إلى الاستغناء عن المعصوم عندما يفتي فلا حاجة لنا بك، فقد أصبحنا بفضل القواعد العقلية نفتي في كل مسألة وما عدنا نتوقف وما عاد لدينا شبهات، ومع أننا فقدناك فإننا اليوم لا نواجه عسراً في تحصيل الحكم الشرعي!!
هـ- ربما يكون الفساد الذي يحصل من فتوى غير صحيحة مستندة إلى دليل العقل أكبر بكثير مما نعتقده جمود في الشريعة عند الاحتياط والتوقف عن الفتوى. ثم إنّ الدين لله فمتى أصبح هناك عسر في الدين والشريعة، فإنّه سبحانه سيفرج هذا العسر حتماً وفق حكمته وعلمه بما يصلح البلاد والعباد. ثم إنّه سبحانه وتعالى لم يكلفنا أمر التشريع، فما الذي يدفعنا للتصدّي لهذا الأمر الخطير المحصور به سبحانه؟ ولم يتصدَ له الأنبياء والمرسلون والأئمة (ع) مع تمام عقولهم، وانكشاف كثير من الحقائق لهم.
بل لعله عندما يفتي في أي مسألة وإن لم يكن عليها دليل نقلي يقول بلسان الحال للإمام المهدي (ع): ارجع يا ابن فاطمة فلا حاجة لنا بك!!
و- الروايات الدالة على وجوب التوقّف عند الأدلة النقلية:
ومنها : قال أمير المؤمنين (ع): (واعلموا عباد الله إنّ المؤمن يستحل العام ما استحل عاماً أوّل، ويحرّم العام ما حرّم عاماً أوّل، وإنّ ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئاً مما حرّم عليكم، ولكن الحلال ما أحل الله والحرام ما حرّم الله. فقد جربتم الأمور وضرستموها ووعظتم بمن كان قبلكم، وضربت الأمثال لكم ودعيتم إلى الأمر الواضح، فلا يصم عن ذلك إلاّ أصم ولا يعمى عن ذلك إلاّ أعمى. ومن لم ينفعه الله بالبلاء والتجارب لم ينتفع بشيء من العظة وأتاه التقصير من أمامه حتى يعرف ما أنكر وينكر ما عرف. وإنما الناس رجلان: متبع شرعة ومبتدع بدعة، ليس معه من الله سبحانه برهان سنة، ولا ضياء حجة، وإنّ الله سبحانه لم يعظ أحد بمثل هذا القرآن، فإنّه حبل الله المتين وسببه الأمين وفيه ربيع القلب وينابيع العلم. وما للقلب جلاء غيره، مع أنّه قد ذهب المتذكّرون، وبقي الناسون والمتناسون، فإذا رأيتم خيراً فأعينوا عليه، وإذا رأيتم شرّاً فاذهبوا عنه، فإنّ رسول الله (ص) كان يقول: يا بن آدم اعمل الخير ودع الشر، فإذا أنت جواد قاصد) ([76]).
وعن النبي (ص): (إنّ المؤمن أخذ دينه عن الله، وإن المنافق نصب رأياً واتخذ دينه منه).
وعن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: (إنّ من أبغض الخلق إلى الله عزّ وجل لرجلين: رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، قد لهج بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدي من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد موته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته. ورجل قمش جهلاً في جهّال الناس، عان بأغباش الفتنة، قد سمّاه أشباه الناس عالماً ولم يغن فيه يوماً سالماً، بكر فاستكثر، ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن، واكتنز من غير طائل جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره وإن خالف قاضياً سبقه لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده، كفعله بمن كان قبله، وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشواً من رأيه ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شيء مما أنكر، ولا يرى أنّ وراء ما بلغ فيه مذهباً، إن قاس شيئاً بشيء لم يكذب نظره وإن أظلم عليه أمر اكتتم به، لما يعلم من جهل نفسه لكيلا يقال له: لا يعلم. ثم جسر فقضى، فهو مفتاح عشوات، ركاب شبهات، خبّاط جهالات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم، تبكي منه المواريث، وتصرخ منه الدماء، يستحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرّم بقضائه الفرج الحلال، لا ملئ بإصدار ما عليه ورد، ولا هو أهل لما منه فرط من ادعائه علم الحق) ([77]).
وروي أنّه ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حلي الكعبة وكثرته، فقال قوم: لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر، وما تصنع الكعبة بالحلي؟ فهمّ عمر بذلك وسأل أمير المؤمنين، فقال (ع): (إنّ القرآن أنزل على النبي (ص) والأموال أربعة: أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض، والفيء فقسمه على مستحقيه، والخمس فوضعه الله حيث وضعه، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها، وكان حلي الكعبة فيها يومئذٍ فتركه الله على حاله. ولم يتركه نسياناً، ولم يخف عليه مكاناً فأقرّه حيث أقرّه الله ورسوله)، فقال عمر: لولاك لافتضحنا، وترك الحلي بحاله ([78]).
وعن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنّة فننظر فيها، قال: (لا، أما إنّك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله عزّ وجل)([79]). عن الصادق، عن أبيه، عن علي (ع) قال: (من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، ومن دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس) ([80]).
قال: وقال أبو جعفر (ع): (من أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضاد الله حيث أحل وحرم فيما لا يعلم) ([81]).
وعن أبي عبد الله (ع) في محاججته لأبي حنيفة في حديث طويل، قال: (يا أبا حنيفة، تعرف كتاب الله حق معرفته، وتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: نعم. قال: يا أبا حنيفة، لقد ادعيت علماً!! ويلك ما جعل الله ذلك إلاّ عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك ولا هو إلاّ عند الخاص من ذرية نبينا (ص)، ما ورثك الله من كتابه حرفاً فإن كنت كما نقـول ولست كما تقول …… ) ([82]).
وعن عبد الله بن شبرمة، قال: ما ذكرت حديثاً سمعته من جعفر بن محمد (ع) إلاّ كاد أن يتصدع له قلبي، سمعته يقول: (حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله (ص)، قال ابن شبرمة: - وأقسم بالله ما كذب أبوه على جدّه ولا جدّه على رسول الله (ص) - قال: رسول الله (ص): (من عمل بالمقاييس فقد هلك وأهلك، ومن أفتى الناس وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك) ([83]).
وعن الصادق (ع): (إيّاك وخصلتين ففيهما هلك من هلك، إيّاك أن تفتي الناس برأيك، وأن تدين بما لا تعلم) ([84]).
وعن الباقر (ع): (من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه) ([85]).
وعن النبي (ص): (من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح) ([86]).
وعن الصادق (ع): (العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلاّ بعداً)([87]).
وعن الصادق (ع): (إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس، فلم يزدهم المقاييس عن الحق إلاّ بعداً، وأنّ دين الله لا يصاب بالمقاييس) ([88]).
وعن الكاظم (ع) : (من نظر برأيه هلك، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر) ([89]).
وعن أمير المؤمنين (ع): (يا معشر شيعتنا والمنتحلين ولايتنا إياكم وأصحاب الرأي فأنهم أعداء السنن، تفلتت منهم الأحاديث أن يحفظوها، وأعيتهم السنة أن يعوها، فاتخذوا عباد الله خولاً، وماله دولاً، فذّلت لهم الرقاب وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب، ونازعوا الحق وأهله فتمثلوا بالأئمة المعصومين الصادقين، وهم من الجهّال الملاعين، فسألوا عن ما لا يعلمون، فأنفوا أن يعترفوا بأنهم لا يعلمون، فعارضوا الدين بآرائهم، وضلوا فاضلوا، أما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما) ([90]).
وقال الصادق (ع): (أيتها العصابة المرحومة المفلحة، إن الله أتم لكم ما أتاكم من الخير، واعلموا أنّه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقاييس، قد أنزل الله القرآن، وجعل فيه تبيان كل شيء، وجعل للقرآن ولتعلم القرآن أهلاً، لا يسع أهل علم القرآن - أي آل محمد (ع) - الذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى ولا رأي ولا مقاييس. أغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه، وخصّهم به، ووضعه عندهم كرامة من الله أكرمهم بها، وهم أهل الذكر) ([91])، ([92]).
* * *
ثالثاً: الـعقـائــد
والخلاف فيها كبير بين علماء الإسلام السنّة والشيعة وغيرهم. كما أنّ السنة افترقوا فيها إلى معتزلة وأشاعرة ([93])، واختلف علماء كل فرقة فيما بينهم، ولعل الخلاف الرئيسي بين فرق المسلمين يدور حول الإمامة والقيادة الدينية والدنيوية بعد النبي (ص) لهذه الأمّة.
ثم جرّ هذا الخلاف خلافات عقائدية أخرى كان سببها أنّ الشيعة يرجعون في عقائدهم إلى أوصياء النبي (ص) المعصومين (ع)، والسنة يرجعون إلى استدلالات عقلية كما يدّعون والتي تعارضها عقول قوم آخرين .
كما حصل في مسألة الجبر والتفويض، التي وقع الخلاف فيها بين الأشاعرة والمعتزلة فجاء جواب آل النبي (ص) بأنّه: (لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين) ([94]).
أو كقضية خلق القرآن، التي استغلها كفار بني العباس للخوض في دماء المسلمين وأعانهم على ذلك بعض أئمة الضلال السامريين ([95]).
فجاء ردّ أهل القرآن آل النبي المصطفى بأنّ القران كلام الله لا غير ([96])، ليدع الناس السفسطة والجدل الشيطاني الذي لا طائل وراءه إلاّ حب الظهور والعلو على الناس بلقب العالم.
كما وقع خلاف واسع في توحيد الخالق سبحانه وصفاته، أو ما سمّي بـ (علم الكلام).
والحقيقة إنّ علم الكلام ما هو إلاّ شكل آخر من الفلسفة اليونانية المشائية أو الاستدلالية، فمن تتبع الفلسفة اليونانية القديمة يعلم أن فيها طريقين رئيسيين، وإنّ كليهما يبحث في الوجود:
الأول: الاستدلالي. أو ما يسمى بـ (المشائي)، ويعتمد على الأدلة العقلية.
والثاني: الإشراقي. ويعتمد على تصفية النفس من رذائل الأخلاق، وبالتالي يكون الإنسان أهلا لإشراق الحقائق في نفسه.
وقد تأثر علماء المسلمين بالفلسفة اليونانية المشائية بعد ترجمتها، وأعادوا كتابتها كل بحسب ما يعتقد. وبدأ يظهر ما يسمى بـ (الفلسفة الإسلامية المشائية) أو(الاستدلالية) التي اشتق منها علم الكلام، الذي يبحث في وجود الخالق وتوحيده وصفاته. وربما يلحق به مباحث العدل والمعاد والنبوة والإمامة وغيرها.
وإنّ ما سمي بـ (علم الكلام) كونه يبحث حول أشرف موجود سبحانه، فالألف واللام لاستغراق الصفات، فلعلهم أرادوا القول إنّ هذا العلم فيه أشرف كلام، والله اعلم.
وكان لعلم الكلام أو لخوض علماء المسلمين في الفلسفة اليونانية دور كبير في تناحر فرق المسلمين، حتى وصل الأمر إلى تكفير بعضهم بعضاً، وأصبح علماء كل فرقة يتأولون آيات القرآن وفق أهوائهم لتوافق القواعد الفلسفية أو العقلية التي يعتقدونها. فجعلوا أنفسهم أئمة الكتاب لا أنّ الكتاب إمامهم، وتقدّموا الكتاب بعد أن تقدموا العترة ([97])، فضلوا .
وأي ضلال بعد أن أعرضوا عن وصية رسول الله (ص) في حديث الثقلين المشهور بأن لا ئيتقدّموهما ([98]).
لقد ضيع المسلمون الحق المبين واتبعوا من لم يزده علمه إلاّ خساراً بعدم رجوعهم إلى آل النبي (ص) واعتمادهم على الأدلة العقلية والفلسفية اليونانية، أو علم الكلام المستند إليها والمشتق منها، مع أنّ في الفلسفة كثيراً من السفسطة والمغالطات والمجادلات، وقالوا وقلنا التي لا تنتهي، والتي لا يعدو كثير منها اللغو، وليس وراءه طائل ولا ثمرة علمية أو عملية.
والحق أنه ليس لنا - ونحن المغروسين في المادة، وليس لكثير منا حظ من العقل إلاّ ظلة - أن نتكلم عن الحي القيوم جل شأنه، إلاّ بحدود ما ورد في القرآن وحديث النبي (ص) وآله الأطهار(ع)، وهو عن الله سبحانه وتعالى وما هو إلاّ وحي يوحى، وقد صرح بهذا المعنى الملا صدرا (رحمه الله) في الشواهد الربوبية.
وليعلم أولئك الذين يدعون الحجج العقلية وهم مختلفون، أنهم لو كانوا عقلاء بالمعنى الحقيقي
لما اختلفوا؛ لأنّ العقل واحد، وهو الحق المطلوب من ابن آدم الوصول إليه، ليعقل نفسه ويعرف ربه، وهو عالم كلي لا تنافي فيه. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ([99]).
أمّا الذي يشترك فيه جميع بني آدم فهو ظل لذلك العقل، أو النفس الإنسانية لا العقل الحقيقي. وهذه النفس موجودة في عالم الملكوت وهو عالم متـنافيات تماماً كعالم الشهادة، إلاّ أنه مجرّد من المادة.
قال المصطفى (ص) ما معناه: (لولا إنّ الشياطين يحومون حول قلب ابن آدم لنظر إلى ملكوت السماوات) ([100])، أي إنّ ابن آدم لو أخلص لله لنظر إلى ملكوت السماوات.
وبما أنّ اللّب الذي بين جنبينا هو ظل للعقل، فيكون الإنسان قادراً على إدراك كثير من قوانين عالم المادة، وربما شيئاً من عالم الملكوت ولكنه غير قادر على معرفة عالم العقل؛ لأنّه فوقه إلاّ بالوصول إليه. ولا يصل إلاّ العبد المخلص لله المجيب لدعاء (أقبِل) بعد أن أدبر وغرس في عالم المادة ([101])، فإذا عرفنا هذا عرفنا خطأ من ادعى العقل ابتداءً لكل بني آدم، ثم جعل المشرّع سبحانه من جملة العقلاء جل شأنه خالقنا وخالق عالم العقل الذي لا يصله إلاّ المقرّبون، ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ ([102])، مع أنّ ما ادعاه عقلاً ما هو إلاّ ظل له وصورة له تختلف باختلاف المرآة التي انعكست عليها والنفس التي انطبعت فيها، ففي النفوس المنكوسة تنطبع الصورة معكوسة، قال أمير المؤمنين علي (ع): (وسأجهد في أن أطهر الأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس حتى تخرج الدرة من بين حب الحصيد) ([103]).
ومن هنا فإن اتفق عشرة على أمرٍ معين خالفهم عشرة آخرون، ولو رجعوا إلى كنـز التوحيد محمد وعلي وآلهما (ع) وتدبروا كلامهم لأراحوا واستراحوا، فالصواب أن يكون علم الكلام في الإسلام مستنداً إلى القرآن والسنّة الصحيحة عن النبي وآله الأطهار (ص). ولا بأس بالاستدلالات العقلية كسند ثانوي للعقائد الإسلامية المستقاة من القرآن والسنّة الصحيحة.
روي أنّ الإمام الصادق (ع) قال ليونس بن يعقوب: (وددت أنك يا يونس تحسن الكلام. فقال له يونس: جعلت فداك، سمعتك تنهى عن الكلام وتقول ويل لأهل الكلام، يقول هذا ينقاد وهذا لا ينقاد وهذا ينساق وهذا لا ينساق وهذا نعقله وهذا لا نعقله. فقال أبو عبد الله (ع): إنما قلت ويل لهم إذا تركوا قولي وصاروا إلى خلافه … ) ([104]).
وقال الإمام الصادق (ع): (حاجوا الناس بكلامي، فإن حجوكم فأنا المحجوج) ([105]).
وقال الصادق (ع): (من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنّة زالت الجبال ولم يزل) ([106]).
وقال (ع): (إياكم والتقليد، فإنّه من قلّد في دينه هلك، إنّ الله تعالى يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ([107])، فلا والله ما صلوا لهم ولا صاموا ولكنهم أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً، وقلدوهم في ذلك فعبدوهم وهم لا يشعرون) ([108]).
وقال (ع): (من أجاب ناطقاً فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله تعالى فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان) ([109]).
أمّا العرفان في الإسلام، فقد أرجعه بعضهم إلى الفلسفة اليونانية الإشراقية، والعرفان عند الشيعة إلى السنة.
وقالوا: إنّ أول من بحث في العرفان هو (ابن عربي) أو غيره من علماء السنة.
والحقيقة إنّ هذا خطأ ومغالطة، لا تنطلي على من تفحّص الأديان الإلهية والشرائع السماوية، حيث إنّ السلوك العرفاني أو العمل لمعرفة الله هو الذي جاء به الأنبياء، بل هو الفطرة التي فطر عليها الإنسان، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾([110]). وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾([111]).
فالآيات في الأنفس لمن زكّاها، وفي الآفاق لمن أراد الاستدلال بالعقل ولمن زكّى نفسه. كما أنّ النبي (ص) والأوصياء (ع) نبهوا المؤمنين في أحاديث كثيرة إلى هذا الطريق وضرورة سلوكه وعدم التواني في تطبيق الشريعة، واجبها و مستحبها و محرّمها و مكروهها. والتي هي وهي فقط الطريق الموصل إلى الله لا الألفاظ ولا المصطلحات و تخرّصات بعض الذين كتبوا في العرفان وما يسمونه بمجاهدات ما أنزل الله بها من سلطان.
فمعرفة الله إنما تتم بتزكية النفس، وتزكية النفس لا تتم إلاّ بتطبيق الشريعة والزهد في الدنيا، والإنفاق في سبيل الله، والتحلّي بمكارم الأخلاق، والحب في الله والبغض في الله، والشدّة في ذات الله والغلظة مع الكافرين والمنافقين، والرحمة مع المؤمنين. قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ([112]).
والحمد لله وحده، ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ([113]).
رابعاً: الإعراض عن أوصياء النبي (ص)
وهذا بيّن، فقد أعرض السنّة عن الأئمة (ع)، وتركوا الأخذ منهم والرجوع إليهم في المتشابهات.
أمّا بالنسبة للإمام المهدي (ع) فالأعراض عنه حاصل سواء في زمن الغيبة الصغرى أم في زمن الغيبة الكبرى، ويكاد الشيعة فضلاً عن غيرهم لا يذكرونه.
وسيأتي البحث في إعراض الأمة عن قائدها خاتم أوصياء النبي (ص) المهدي (ع) .
* * *
خامساً: الإعراض عن القرآن والسنة
والإعراض، إمّا بقلة دراسة القرآن وتفسيره وتدبّر معانيه والبحث في القرآن وسنة النبي وآله المعصومين (ص).
وأمّا بتفسير القرآن بعيداً عن روايات المعصومين (ع) واعتماد القواعد النحوية والفلسفية في التفسير، والتي معظمها استقرائية وخلافية لم يتحرّر النزاع فيها، ولن يتحرّر.
وأمّا بتفسير القرآن وفق الأهواء الشخصية، فكل يحاول أن يحمل القرآن على هواه، فلأنّ نفسه انطوت على جبن وخضوع للطاغوت لا يجد في القرآن دعوة لجهاد الطواغيت المتسلطين على هذه الأمة، بل يجد أنّ طاعتهم واجبة وإنّ التقية بلا حدود. فالمهم أن يبقى هو حيّاً، وإن لم يبقَ من الإسلام إلاّ اسمه!! ولأنّه عبد لشهوته لا يجد في القرآن دعوة للزهد في هذه الدنيا، بل يجد فيه دعوة لإشباع شهواته من أموال المسلمين التي ائتمنوه عليها، ويقول من حرّم زينة الله ولا يقول إنّ كثيراً من الأحبار والرهبان أو العلماء غير العاملين وأعوانهم ليأكلون أموال الناس بالباطل.
ولأنّه تابع لإبليس إمام المتكبّرين لا يجد في القرآن دعوة للتواضع، بل يجد فيه دعوة للتكبر على ضعفاء المؤمنين، واحتقارهم والاستخفاف بهم.
وهكذا فهم يحملون القرآن على أهوائهم، والهدى على الهوى، والقرآن على الرأي: (كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه) ([114]) كما روي عنهم (ع).
قال أمير المؤمنين (ع) في وصف حال القائم مع هذه الأمة وعلمائها عند ظهوره: (يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القران إذا عطفوا القرآن على الرأي) ([115]).
وقال الصادق (ع): (ليس أبعد من عقول الرجال من القرآن) ([116]).
وقال (ع): (من فسر برأيه آية من كتاب الله فقد كفر) ([117]).
وقال (ع): (ما من رجل ضرب القرآن بعضه ببعض إلاّ وكفر) ([118]).
وقال (ع): (المتشابه ما اشتبه على جاهله) ([119]).
وقال أبو جعفر (ع): (نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله) ([120]).
وقال أبو عبد الله (ع): (من فسر القرآن برأيه فأصاب لم يؤجر، فإن أخطأ كان إثمه عليه)([121]).
وقال أبو جعفر الباقر (ع) في حديث مع قتادة، وقد أخطأ قتادة في تفسير آية فقال (ع): (ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به) ([122]).
وقال أمير المؤمنين (ع): (إياك أن تفسر القرآن برأيك حتى تفقهه عن العلماء - أي الأئمة (ع) - فإنّه رب تنزيل يشبّه بكلام البشر وهو كلام الله وتأويله لا يشبه كلام البشر، كما ليس شيئاً من خلقه يشبهه كذلك، لا يشبه فعله تبارك وتعالى شيئاً من أفعال البشر، ولا يشبه شيء من كلامه لكلام البشر، وكلام الله تبارك وتعالى صفته، وكلام البشر أفعالهم، فلا تشبّه كلام الله بكلام البشر فتهلك وتضل) ([123]).
وعن الإمام الحسين (ع) في كتابه لأهل البصرة، قال: (بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فلا تخوضوا في القرآن ولا تجادلوا فيه بغير علم، فقد سمعت جدي رسول الله (ص) يقول من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) ([124]).
والمقصود بالعلم من الله كما هو للمعصومين (ع) أو ما أخذ منهم .
وعن الإمام الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (ع)، قال: (قال رسول الله (ص): قال الله جل جلاله: ما آمن بي من فسر برأيه كلامي، وما عرفني من شبهني بخلقي، وما على ديني من استعمل القياس في ديني) ([125]).
وقال رسول الله (ص): (إنما أتخوف على أمتي بعدي ثلاث خصال؛ أن يتأول القرآن على غير تأويله، أو يتبعوا زلّة العالم، أو يظهر فيهم المال حتى يطغوا وبطروا، وسأنبئكم المخرج من ذلك، أمّا القرآن فأعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وأمّا العالم فانظروا فيه ولا تتبعوا زلته، وأمّا المال فإنّ المخرج شكر النعمة وأداء حقه) ([126]).
وتأويل القرآن أو تفسيره لا يعلمه إلاّ الله والراسخون في العلم، وهم محمد وآل محمد (ص). وقد صرّح القرآن بذلك، فالآيات المتشابهة تحكم بحديثهم ويعرف المراد بها منهم، وقد ورد عنهم (ع) تفسير للقرآن الكريم فيجب الرجوع إلى حديثهم. وقد رسموا (ع) جادة وصراطاً مستقيماً لمن تدبر آيات الكتاب الكريم. فعلى المفسّر أو المتدبر أن لا يتجاوز هذا الصراط فتزل قدمه ويهوي في الجحيم، بل عليه أن لا يتعرّض للتفسير ما لم يطهر نفسه. قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ([127]).
أمّا زلّة العالم؛ فلأنه إذا ضل يضل أمة تتبعه كما أضل السامري بني إسرائيل.
وأمّا المال؛ فلأن الإنسان الغني مادياً عادة يقل توجهه إلى الله لطلب الحوائج، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ ([128]). فالفقر والبلاء عادة داعي إلى التوجّه إلى الله والرجوع إليه.
أمّا العلاج المصفّى الذي أرشد إليه المصطفى (ص)، فهو بالنسبة لمتشابه القرآن الإيمان به، وإنه نزل من الله ويجب الرجوع في تأويله إلى آل محمد (ص). فمتشابه الكتاب من أعظم الأدلة الدالة على إمامتهم وحاجة الأمة إليهم، ولعل اشتباه كثير من الأحكام اليوم وعدم معرفة الحلال من الحرام؛ لبيان الحاجة إلى خاتم الأوصياء المهدي (ع).
وبالنسبة إلى العلماء، فالنظر فيهم وفي أحوالهم فهم غير معصومين، وربما كان فيهم سامريون وأئمة ضلال. وإياك أن تكون مقلداً أعمى فتتبع من يحل لك الحرام ويحرّم عليك الحلال، فتكون عابداً له لا لله.
وقد حذّروا (ع) من علماء غير عاملين يحطمون رواياتهم (ع) ويذرونها ذرو الريح للهشيم([129]).
وبالنسبة للمال فبشكر النعمة، وأداء حقه، أي: بالتوجه إلى الله بالعبادة والطاعة، وباستعمال هذا المال لنصرة الدين، وإعلاء كلمة لا إله إلاّ الله، ومواساة الفقراء.
هذه هي أهم الانحرافات في الأمة الإسلامية وبشكل مجمل. ومن الطبيعي أن يكون بعضها بل ربما جميعها بفعل فاعل قاصد أن يضل الناس. ومن الطبيعي أن يكون من شياطين الأنس وعبد من عبيد إبليس، وربما كان بعض هؤلاء الأئمة الذين يدعون إلى النار يظن أنّه يحسن صنعاً.
* * *
المحرّفــون
وهم الحكام والمتظاهرون بالإسلام، وعلماء السوء غير العاملين.
أمّا الحكام، فداعيهم إلى تحريف الشريعة هـو الملك لا غير. فكل معتقد أو حكم شرعي يتعارض وبقاءهم على كرسي الحكم يجب أن يحرّف بحسب نظرهم الفاسد، بأيّ صورة كانت سواء بوضع أحاديث وإلصاقها بالرسول (ص)، أم بحذف آيات أو سور من القرآن لو أمكن، أو بمنع رواية الأحاديث الصحيحة عن الرسول (ص)، أو بمنع قراءة القرآن كما أُنزل وتأويله كما يريد الله، أو بشراء مرتزقة يسمونهم علماء يحرّفون القرآن ويؤولونه ويفسّرونه على هوى الحكّام الظلمة.
وطبعاً لو أمكنهم وضع تشريعات وقوانين مخالفة لشريعة الله، ولكنها تساعد على بقائهم في السلطة مدّة أطول لسارعوا إلى وضعها، خصوصاً إذا أعانتهم ظروف الجهل الديني في المجتمع الإسلامي ووجود علماء سوء غير عاملين، كما هو حال البلاد الإسلامية اليوم.
وأمّا علماء السوء، فهم أخطر من الحكّام الظلمة؛ لأنّ الحاكم الجائر يدلك كثير من تصرفاته وأعماله العلنية في محاربة أولياء الله على خروجه عن الشريعة ومحاربتها، أمّا العالم غير العامل فربما يتسربل بلباس العابد الناسك، فتجده مثلاً متماوتاً في مشيته، خاضعاً في كلمته، ولعله يظهر التذلل والخضوع ليصطاد الأتباع. ولكنّك إذا سبرت غوره وجدّته فاسداً متكبّراً، يتصنّع الصلاح والتواضع، بل إنّ ظاهره يدلك على باطنه، فتصدر منه كثير من الفلتات التي تفضح باطنه الأسود، فـ (الإناء ينضح بالذي فيه).
وخطر علماء السوء يمتد حتى بعد موتهم، فتبقى مذاهبهم ومعتقداتهم الفاسدة وفتواهم غير الصحيحة، ويبقى لهم أتباع كما أنهم يمتازون بالنفاق وإخفاء بواطنهم الفاسدة، ودواعي هؤلاء للتحريف كثيرة، منها: طلب القيادة الدينية، وإرضاء الأهواء النفسية.
ومنها: إنهم يأنفون من قول (لا أعلم)، ولهذا يدّعون معرفة كتاب الله والعلم بالتنزيل والتأويل والمحكم والمتشابه، وإنّ لديهم فتوى لكل مسألة شرعية، وحل لكل معضلة عقائدية. وربما يأخذ التكبر منهم كل مأخذ، فيرون أنفسهم علماء وسواهم جهلاء. وإنهم خير من الجميع وأعلم من الجميع.
وربما كان من دواعيهم إلى التحريف الخوف من الطاغوت الحاكم، فيفتون إرضاء له وتجنباً للاصطدام معه مثلاً بجواز الانخراط في صفوف قواته المسلحة، التي مهمتها الأساسية هي ضرب الشعوب الإسلامية، وإضعاف دين الله في أرضه والقضاء عليه إذا أمكن.
وربما كان بعضهم أخس من ذلك، فيكون داعيهم للتحريف إضافة إلى الجبن الدنيا والمال، فيداهنون الطاغوت، ويضلون المسلمين ويحرّفون الشريعة.
قال الإمام الصادق (ع): (إذا رأيتم العالم محبّاً للدنيا فاتهموه على دينكم، فإنّ كل محب يحوط ما أحب) ([130]).
وقال (ع): (أوحى الله تعالى إلى داود (ع)، لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيضلك عن طريق محبتي، فإنّ أولئك قطّاع طريق عبادي المريدين، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم إن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم) ([131]).
ومن كلام عيسى (ع): (إنّكم علماء السوء، الأجر تأخذون والعمل تضيعون، يوشك رب العمل إن يطلب عمله، وتوشكون إن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه) ([132]).
وكلاهما - أي علماء السوء غير العاملين، والحكّام الطواغيت الذين يحكمون البلاد الإسلامية اليوم - أخطر من الكافر الحربي كالصهاينة على الإسلام؛ وذلك لأنّ بقاء علماء السوء يعني بقاء الحكّام الظلمة متسلطين على المسلمين، وبقاء الحكّام الظلمة يعني بقاء الصهاينة يحتلون أرض المسلمين، وبقاء الأمريكان متسلطين على المسلمين يجرعونهم الويل والثبور؛ لأنّ هؤلاء الحكّام هم خدم للطاغوت الأمريكي سواء بعلمهم أم برعونتهم وتخبطهم الأهوج، كما أنّ الصهاينة وطيلة أشهر من الانتفاضة المباركة في أرض فلسطين لا يقتلون إلاّ مائة شخص أو أكثر بقليل. أمّا هؤلاء الحكّام الطواغيت فهم يقتلون في يوم واحد المئات، بل وآلاف المسلمين. كما أنّ الصهاينة يقتلون المسلمين ليحتفظوا بالأرض التي اغتصبوها، أمّا هؤلاء الحكّام الظلمة وأعوانهم فيقتلون المؤمنين؛ لأنهم يتلذذون بسفك الدماء. فهؤلاء الطواغيت وأعوانهم مسوخ شيطانية منكوسون لا يعرفون شيئاً من الخير، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ([133]).
ومعركة الإصلاح يجب إن تبدأ مع علماء السوء غير العاملين، ثم تنتقل إلى الطواغيت المتسلطين على البلاد الإسلامية، ثم من يليهم من الطواغيت المتسلطين على العالم، بل وقبل كل ذلك يجب أن نبدأ مع أنفسنا ونطهّرها من جنود الشيطان. فرسول الله (ص) بدأ حركته الإصلاحية في أم القرى في مكة، المدينة التي تمثل المرجعية الدينية للأحناف والمدينة التي يحج إليها الأحناف، ثم انتقل إلى ما حولها من القرى في الجزيرة العربية، ثم انتقل إلى الإمبراطوريات المحيطة به صلوات الله عليه وعلى آله.
ومن الطبيعي أنّ مواجهة التيارات الجاهلية جميعها ومواجهة قادتها صعبة تحتاج إلى شدّة في ذات الله، وعزم وصبر على الملمات.
وربما لن يقوى على القيام بها إلاّ معصوم مؤيد من الله سبحانه وتعالى وهو المهدي (ع)، فواجبنا اليوم هو التهيئة لدولته (ع)، إصلاح الانحرافات الموجودة ما أمكن أو على الأقل تعريفها للناس، لا أن نقف مكتوفي الأيدي ونقول لا حول ولا وقوّة إلاّ بالله.
نعم، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وإنّا لله وإنا إليه راجعون، ولكن الله خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً. وأسألوا الله إن يعجل فرج مولانا المهدي (ع) ويمن علينا بفضله وعطائه الابتداء وجوده وكرمه بظهوره و قيامه، ليأخذ بأيدينا إلى الصراط المستقيم، ويخرجنا من الظلمات إلى النور، ويرينا مناسكنا والأحكام الشرعية الصحيحة.
* * *
المصلح المنتظر (ع)
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ([134]).
الإمام المهدي (ع) الوصي الثاني عشر من أوصياء النبي الخاتم (ص)، الإمام خامل الذكر لسنين طويلة حتى بين شيعته الذين يقولون بإمامته وخلافته لله في أرضه. هو المصلح الذي تنتظره البشرية جمعاء، المسلمون وغيرهم، شيعته وأعداؤه. أناس ينتظرون ظهوره لنصرته، وآخرون يتربّصون به الدوائر للقضاء عليه حال ظهوره وقيامه، ويظنون أنهم قادرون على تغيير سنة الله.
مؤمنون يهيئون لظهوره وآخرون يتهيئون لظهوره، وبعض المسلمين غافلين لا يكادون يعرفون عنه شيئاً، وبعض شيعته أو من يسميهم الناس بشيعته لا يعرفونه إلاّ كرمز، يئسوا من ظهوره وقيامه وهذا اليأس ظاهر من أعمالهم، وإن لم يصرحوا به بأقوالهم.
وفي هذه اللحظات الحاسمة التي نقترب فيها من ساعة الصفر، نلاحظ أناساً بعيدين عن الحق بدؤوا يقتربون منه شيئاً فشيئاً حتى كأنهم دخلوا فيه، وآخرون في قلب دائرة الحق بدؤوا يبتعدون عنه شيئاً فشيئاً حتى كأنهم خرجوا منه. وهكذا أناساً في هوة الوادي بدؤوا يرتقون الجبل شيئاً فشيئاً، وآخرون وجدوا أنفسهم في القمّة بدؤوا ينحدرون عنها حتى كأنهم قد سقطوا في الهاوية.
وبعبارة أخرى: دنيا وآخرة، ولكل أبناؤها، فمن أختار الحق احتضن الموت وسار إلى الآخرة، فلا يبالي سواء وقع على الموت أو وقع الموت عليه. ومن اختار الباطل حرص على الحياة وعبد الدنيا. وبين الفريقين قوم يترنحون كالسكارى، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فهم يعرفون الحق ولا ينصرونه، ويكرهون الباطل ولا يعادونه. خسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ([135]).
* * *
المهدي (ع) في الأديان الإلهية
الإمام المهدي (ع) كمصلح منتظر، وكمنقذ لشريعة الله في أرضه موجود تقريباً في جميع الأديان الإلهية السابقة للإسلام، كاليهودية والنصرانية.
ففي التوراة، مرّة تجده في (سفر دانيال في رؤيا بختنصر)، التي يُعبرها دانيال (ع) بعد أن يراها. ومرّة تجده في (رؤيا دانيال للممالك والإمبراطوريات الكبرى) التي تقوم على الأرض من بعده(ع)، وتجده كذلك في غير هذا السفر من التوراة المتداولة اليوم.
أمّا في الإنجيل، فهو (قديم الأيام) المصلح المنتظر الذي ينزل معه عيسى (ع) من السماء، فتجده في الإنجيل وفي (رؤيا يوحنا اللاهوتي). كما أنّك تجد عيسى (ع) يذكر في الإنجيل علامات لعودته إلى الأرض، هي بعينها العلامات التي ذكرها النبي (ص) والأئمة الأطهار (ع) لظهور المهدي (ع) وقيامه، كخسوف القمر وكسوف الشمس، والحروب وأخبار الحروب. وذلك؛ لأنّ عيسى (ع) ينزل من السماء في زمن ظهور المهدي (ع)، وزيراً له ومؤيداً لحقّه.
أمّا عند المسلمين، فالمهدي (ع) من ضروريات الدين ومنكره منكر لنبوة محمد (ص)، فقد جاء ذكره متواتراً عن النبي (ص)، سواء عن طريق السنة أو الشيعة. ولكن السنة لما أعرضوا عن أوصياء النبي (ص) وتركوا حديثهم وقعوا في شبهة، أنّه سيولد في آخر الزمان، وإن اعترفوا أنّه من ولد علي وفاطمة (ع).
ثم جاء من علماء السنة في الغيبة الكبرى من اعترف بأنّ الإمام المهدي (ع) هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (ع)، وإنّه حي وغائب عن الأبصار كالخضر (ع).
ومن هؤلاء، الشافعي في كتابه (مطالب السؤول)، حيث عقد فصلاً في نهاية كتابه المشار إليه للدفاع عن اعتقاده، إنّ الإمام المهدي هو محمد بن الحسن العسكري (ع).
أمّا الشيعة الإمامية الإثنا عشرية، فقد كانوا يرجعون إلى أوصياء النبي (ص) من بعده وتابعوهم إمام تلو إمام، حتى وصلت الإمامة وخلافة النبي وخلافة الله في أرضه إلى خاتم الأوصياء الإمام محمد بن الحسن المهدي (ع)، ومع أنّه كان غائباً عن أنظار العامة ويتصل مع شيعته عن طريق أحد خلّص المؤمنين، إلاّ إنّ الشيعة تقبلوا هذا الوضع؛ لأنّ النبي (ص) والأئمة (ع) من بعده مهدوا لغيبته (ع) وذكروها في أحاديثهم.
وحياة الإمام المهدي (ع) قبل الغيبة تقريباً بخمس سنوات قضاها مع والده الإمام الحسن العسكري (ع)، فهو (ع) ولد يوم 15 شعبان سنة 255 هـ . ق على بعض الروايات، وبدأت غيبته مع أول يوم من إمامته، وهو يوم تسعة ربيع الأول 260 هـ . ق.
وفي هذه السنوات الخمس لم يعرف ولادته ولم يره إلاّ الخلّص من الشيعة. ربما أربعون أو أقل أو أكثر، فهو (ع) محجوب عن الناس منذ ولادته للحفاظ على حياته، وهذا لأنّ أئمة الجور والضلال من العباسيين (لعنهم الله) كانوا يترقبون ولادته للقضاء عليه وقتله، كما كان فرعون (لعنه الله) يترقب ولادة موسى (ع) لقتله، وكما أراد الحاكم الروماني قتل عيسى (ع) عندما علم بولادته، وكانوا يريدون إن يطفئوا نور الله بأفواههم العفنة، ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الأمويون والعباسيون وأئمة الضلال والطواغيت الذين يحكمون الأمة الإسلامية.
ومن عظيم شأن هذا الإمام (ع) أنّه قد جاء في أحاديث كثيرة عن النبي (ص) في كتب السنة والشيعة، إنّ عيسى (ع) يصلي خلفه ويكون وزيراً له. ثم إنّ هذا العبد الصالح مدّخر لإقامة القسط والعدل في الأرض وحمل كلمة لا إله إلاّ الله محمد رسول الله (ص) إلى أهل الأرض جميعهم. وقد اصطفاه الله سبحانه من جميع بني آدم لهذا الأمر، كما روي إنّ أوّل من يبايعه على هذا الأمر عند قيامه جبرائيل (ع)، وإنّه عند قيامه يحفّه جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله.
عن سالم الأشل، قال: سمعت أبا جعفر يقول: (نظر موسى بن عمران في السفر الأول بما يعطى قائم آل محمد من التمكين والفضل، فقال موسى: ربي اجعلني قائم آل محمد، فقيل له: إنّّ ذاك من ذرية أحمد. ثم نظر في السفر الثاني فوجد فيه مثل ذلك، فقال مثله، فقيل له مثل ذلك. ثم نظر في السفر الثالث فرأى مثله، فقال مثله، فقيل له مثله) ([136]).
وعن محمد بن علي (ع)، قال: (كان عصا موسى (ع) لآدم (ع)، فصارت إلى شعيب، ثم صارت إلى موسى بن عمران، وإنها لعندنا، وإنّ عهدي بها آنفاً، وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرها، وإنها لتنطق إذا استنطقت، أعدّت لقائمنا، يصنع كما كان موسى يصنع بها، وإنها لتروع وتلقف ما يأفكون، وتصنع كما تؤمر، وإنها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون، لها شفتان ([137])، أحداهما في الأرض والأخرى في السقف، وبينهما أربعين ذراعاً، وتلقف ما يأفكون بلسانها) ([138]).
وعن جابر الأنصاري، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: (إنّ ذي القرنين كان عبداً صالحاً جعله الله حجة على عباده، فدعا قومه إلى الله عزّ وجل وأمرهم بتقواه، فضربوه على قرنه، فغاب عنهم زماناً حتى قيل مات أو هلك بأي وادٍ سلك؟ ثم ظهر ورجع إلى قومه فضربوه على قرنه، ألا وفيكم من هو على سنته، وإنّ الله عزّ وجل مكن له في الأرض وآتاه من كل شيء سبباً، وبلغ المشرق والمغرب، وإنّ الله تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم من ولدي ويبلغه شرق الأرض وغربها، حتى لا يبقى سهل ولا موضع من سهل ولا جبل وطئه ذي القرنين إلاّ وطئه، ويظهر الله له كنوز الأرض ومعادنه، و ينصره بالرعب، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً) ([139]).
وسئل أبو عبد الله (ع): هل ولد القائم؟ فقال: (لا، ولو أدركته لخدمته أيام حياتي) ([140]).
فصلوات الله على من يقول فيه إمام معصوم: لو أدركته لخدمته أيام حياتي.
* * *
الغيبة
عن أبي عبد الله (ع): قال رسول الله (ص): (لابد للغلام من غيبة. فقيل: ولم يا رسول الله؟ قال: يخاف القتل) ([141]).
وقال أبو جعفر (ع): (إنّ الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم) ([142]).
وقال أبو عبد الله (ع): (للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصة مواليه) ([143]).
الإمام المهدي (ع)ليس بدعاً من الرسل والأنبياء الذين سبقوه، فقد غاب موسى (ع) عن قومه عشر سنين قضاها في مدين يرعى الأغنام لنبي الله شعيب (ع)، وغاب يوسف (ع) وغيرهم من الأنبياء. فغيبة الإمام (ع) عن أبصار الناس والطواغيت أمر طبيعي حصل للأنبياء السابقين (ع).
أمّا حول عمره الشريف ، فهو ليس بأطول من عمر الخضر (ع).
وفي بداية غيبة الإمام (ع) كان له نواب أو سفراء أو أبواب سمّهم ما شئت، المهم أنهم جماعة من خلّص المؤمنين، كانت مهمتهم إيصال كتب المؤمنين ومسائلهم الشرعية للإمام (ع)، وإيصال أجوبة الإمام (ع) عليها، وإيصال توجيهاته إلى المؤمنين. وسفراؤه هم:
- عثمان بن سعيد ([144]).
- ومحمد بن عثمان ([145]).
- والحسين بن روح ([146]).
- وعلي بن محمد ([147]).
وانقطعت السفارة واتصال المؤمنين بالإمام (ع) بموت علي بن محمد السمري(رحمه الله)، ووقعت الغيبة التامة.
* * *
أسباب الغيبة
الإمام (ع) لطف إلهي بالمؤمنين، ووجوده ظاهراً بينهم فيه حثّ كبير لهم على الالتزام الديني، فإذا امتنع ظهوره لخوف القتل مثلاً، فإنّ وجود سفير له (ع) أفضل بكثير من غيبته التامة؛ لأنّ السفير هو القائد البديل للإمام (ع) الذي ينقل أوامره (ع)، فوجوده - أي السفير - كذلك لطف إلهي؛ لأنّ وجوده شبه وجود المعصوم، حيث بوجود السفير يمكن الاتصال بالإمام ومعرفة الأحكام الشرعية الصحيحة، وخصوصاً ما يستجد منها مع مرور الزمن، وإذا كان الأمر كذلك فما هو سبب الغيبة التامة؟!
وللإجابة هناك عدّة فروض منها:
1- الخوف من اغتياله من قبل الطواغيت:
وهذا يمكن أن يكون صحيحاً إذا كان الإمام ظاهراً للجميع، أمّا إذا كان غائباً غيبة غير تامة، أي بوجود سفير فيكون الإمام (ع) بعيد عن أعين الطواغيت ومكرهم السيئ، خصوصاً أنّه (ع) مؤيد من الله. وفي نفس الوقت يتصل بالمؤمنين ويوصل إليهم الأحكام الشرعية والتوجيهات التي يحتاجونها، إذن للتخلّص من خطر الطواغيت يكفي الغيبة غير التامة مع السفارة، فلا داعي للغيبة التامة، والله أعلم.
2- عدم وجود شخص مؤهل للسفارة والنيابة الخاصة عن الإمام (ع):
حيث إنّ السفير عند الإمام يجب أن يتمتع بكثير من صفات الإمام (ع)، فلا أقل من درجة عالية من الزهد والتقوى والورع ومخافة الله والمقدرة على إدارة شؤون الأمة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وأن يكون فقيهاً، أي: إنّه على دراية بحديث المعصومين (ع)، لا أن يكون فقيهاً بالمعنى المتعارف اليوم.
فالسفير لا يقوم باستنباط الأحكام الشرعية، بل هو مؤمن مخلص يقوم بنقل الأحكام الشرعية من الإمام (ع) إلى الأمة، كما أنّه مع وجود سفير للإمام (ع) لا يجوز لأحد استنباط حكم فقهي برأيه، وإن كان فقيهاً جامعاً للشرائط المتعارفة اليوم.
وهذا يمكن أن يكون سبباً للغيبة التامة، ولكن عدم وجود شخص واحد مؤهل للسفارة أمر بعيد، هذا وقد ورد في حديثهم (ع) ما معناه: إنّ الإمام لا يستوحش من وحدته (ع) في زمن الغيبة مع وجود ثلاثين مؤمن من الصالحين ([148]).
3- إعراض الأمة عن الإمام (ع):
وعدم الاستفادة منه استفادة حقيقية، وعدم التفاعل معه كقائد للأمة، فتكون الغيبة التامة عقوبة للأمة، وربما يكون من أهدافها إصلاح الأمة بعد تعرضها لنكبات ومآسي بسبب غياب القائد المعصوم. فتكون الغيبة الكبرى شبيهة بتيه بني إسرائيل في صحراء سيناء، أي: إنها عقوبة إصلاحية، الهدف منها خروج جيل من هذه الأمة مؤهل لحمل الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض، جيل لا يرضى إلاّ بالمعصوم قائداً، ولا يرضى إلاّ بالقرآن دستوراً وشعاراً ومنهاجاً للحياة.
قال أمير المؤمنين (ع) في وصف إعراض هذه الأمة عن الإمام والقرآن: (وإنّه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله!! وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه، ولا في البلاد شيءٌ أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر، فقد نبذ الكتاب حُملته، وتناساه حفظته، فالكتاب يومئذٍ وأهله منفيان طريدان وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما مؤو!! فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم، ومعهم وليسا معهم؛ لأنّ الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا، فاجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم! فلم يبق عندهم منه إلاّ اسمه، ولا يعرفون إلاّ خطه وزبره!! ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثله، وسمّوا صدقهم على الله فرية، وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة) ([149]).
والدال على أنّ سبب الغيبة التامة هو إعراض الأمة عدّة أمور، منها:
أ- التوقيعات الصادرة عنه (ع) عن طريق سفرائه قليلة جدّاً، مما يدل على أنّ الأسئلة الموجهة إليه قليلة أيضاً.
ولعل قائل يقول: إنّ التوقيعات كثيرة، ولكن لم يصل لنا منها إلاّ هذا العدد الضئيل.
والحق: إنّ هذا الاعتراض لا ينطلي على من تدبر قليلاً، فلو كانت التوقيعات كثيرة لوصل لنا منها الكثير وإن ضاع منها شيء، فحتماً أنّ أحاديث الرسول (ص) والإمام الصادق والإمام الرضا (عليهما السلام) لم تصل لنا جميعها، ولكن وصل لنا منها الكثير، وأحاديث الإمام (ع) ليست ببدع من أحاديث الأئمة (ع)، والظروف التي أحاطت بها ليست بأعظم من الظروف التي أحاطت بخطب الإمام أمير المؤمنين (ع) حتى وصل لنا منها كتاب نهج البلاغة.
كما أنّ علماء الشيعة في زمن الغيبة الصغرى كانوا يهتمون في كتابة أحاديث الأئمة (ع)، وعرض كتبهم على الإمام (ع) عن طريق السفراء، ومن هذه الكتب الكافي للكليني (رحمه الله)، فلماذا لم يهتم أحد منهم بكتابة التوقيعات الصادرة منه (ع) ؟!
والحقيقة أنهم اهتموا بكتابتها، ولكنها قليلة.
ويدل على إعراض الناس عن العلم والإمام ما قدّم الكليني في كتابه الكافي. هذا والكليني عاش
في زمن الغيبة الصغرى، ومات في نهاية أيامها على الأصح، فقد مات في شعبان سنة 329 هـ ق، أي في نفس الشهر والسنة التي مات بها علي بن محمد السمري، آخر السفراء الأربعة.
قال الكليني(رحمه الله): (أمّا بعد، فقد فهمت ما شكوت اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة، وتوازرهم وسعيهم في عمارة طرقها، ومباينتهم العلم وأصوله، حتى كاد العلم معهم إن يأزر كلّه، وينقطع مواده، لِما قد رضوا إن يستندوا إلى الجهل، ويضيعوا العلم وأهله) ([150]).
وقال: (فمن أراد الله توفيقه وأن يكون إيمانه ثابتاً مستقراً سبّب له الأسباب التي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه (ص) بعلم يقين وبصيرة، فذاك أثبت في دينه من الجبال الرواسي، ومن أراد الله خذلانه وأن يكون دينه معاراً مستودعاً - نعوذ بالله منه - سبّب له الأسباب للاستحسان والتقليد والتأويل من غير علم وبصيرة، فذاك في مشيئة الله إن شاء الله تبارك وتعالى أتم إيمانه وإن شاء سلبه إياه، ولا يؤمن عليه إن يصبح مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً؛ لأنّه كلما رأى كبيراً من الكبراء مال معه، وكلما رأى شيئاً استحسن ظاهره قبله. وقد قال العالم (ع) ([151]): (إنّ الله عزّ وجل خلق النبيين على النبوة فلا يكونون إلاّ أنبياء، وخلق الأوصياء على الوصية فلا يكونون إلاّ أوصياء، وأعار قوماً الإيمان فإن شاء أتمه لهم، وإن شاء سلبهم إياه، قال: وفيهم جرى قوله: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾) ([152]).
فاعلم يا أخي أرشدك الله أنّه لا يسع أحد تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء (ع) برأيه، إلاّ على ما أطلقه العالم بقوله: (اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عزّ وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه)، وقوله (ع): (دعوا ما وافق القوم، فإنّ الرشد في خلافهم)، وقوله (ع): (خذوا بالمجمع عليه فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه). ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلاّ قلة، ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم (ع) ([153])، وقبول ما أوسع من الأمر فيه بقوله: (بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم) ([154]).
ب- ورد عنهم (ع) إنه مظلوم، وإنه أخملهم ذكراً:
قال الباقر (ع): (الأمر في أصغرنا سناً، وأخملنا ذكراً) ([155]).
فخمول ذكره بين الشيعة دال على أعراضهم عنه (ع).
ج - خرج منه (ع) توقيع إلى سفيره العمري، جاء فيه: ( … وأمّا علة ما وقع من الغيبة، فإنّ الله عزّ وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ([156])) ([157]).
وربما يفهم من هذا الحديث أنكم سبب من أسباب الغيبة، والحر تكفيه الإشارة.
وبعد جوابه على مسائل الحميري التي سألها، قال (ع): (بسم الله الرحمن الرحيم، لا لأمره تعقلون ولا من أوليائه تقبلون، ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ ([158])، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ([159]).
ولا يخفى ما في كلامه (ع) من ألم سببه إعراض هذه الأمة عن الحق وعنه (ع)، ونحن أيّها الأحبة لو كنا موقنين أنّه حجة الله علينا لعملنا ليلاً ونهاراً لتعجيل فرجه، ولقدّمناه على النفس والمال والولد.
د- ركون الأمة للطاغوت وإعانته بأي شكل كان ولو بالأعمال المدنية التي يعتقد الناس إباحتها، وهذا بيّنٌ لمن تصفّّح التاريخ وخصوصاً في زمن الغيبة الكبرى. فقد أعان الطاغوت كثير من العلماء والجهلاء على السواء، مع أنّ الإمام الكاظم (ع) اعترض على صفوان (رضي الله عنه)؛ لأنّه أَجّر جماله للطاغوت العباسي هارون ليذهب بها إلى الحج.
قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ([160]).
قال الشيخ محمد رضا المظفر (رحمه الله): (هذا هو أدب القرآن الكريم وهو أدب آل البيت (ع)، وقد ورد عنهم ما يبلغ الغاية من التنفير عن الركون إلى الظالمين الاتصال بهم ومشاركتهم في أي عمل كان ومعاونتهم ولو بشق تمرة، ولا شك أن أعظم ما مني به الإسلام والمسلمون هو التساهل مع أهل الجور والتغاضي عن مساوئهم والتعامل معهم، فضلاً عن ممالئتهم ومناصرتهم وإعانتهم على ظلمهم، وما جر الويلات على الجامعة الإسلامية إلا ذلك الانحراف عن جدد الصواب والحق، حتى ضعف الدين بمرور الأيام فتلاشت قوته ووصل إلى ما عليه اليوم فعاد غريباً وأصبح المسلمون أو ما يسمون أنفسهم بالمسلمين وما لهم من دون الله أولياء، ثم لا ينصرون حتى على أضعف أعدائهم وأرذل المجترئين عليهم كاليهود الأذلاء فضلاً عن الصليبيين الأقوياء.
لقد جاهد الأئمة (ع) في إبعاد من يتصل بهم عن التعاون مع الظالمين، وشددوا على أوليائهم في مسايرة أهل الظلم والجور وممالئتهم، ولا يحصى ما ورد عنهم في هذا الباب ومن ذلك ما كتبه الإمام زين العابدين إلى محمد بن مسلم الزهري بعد أن حذره عن إعانة الظلمة على ظلمهم: (أو ليس بدعائهم إياك حين دعوك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلماً إلى ضلالتهم، داعياً إلى غيهم سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دونما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم، فما أقل ما أعطوك في قدر ما اخذوا منك، وما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر إليها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول) ([161]).
وقال: (وأبلغ من ذلك في تصوير حرمة معاونة الظالمين حديث صفوان الجمال مع الإمام موسى الكاظم (ع)، وقد كان من شيعته ورواة حديثه الموثوقين، قال - حسب رواية الكشي في رجاله - بترجمة صفوان، دخلت عليه فقال لي: (يا صفوان كل شيء منك حسن جميل خلا شيئاً واحداً، قلت: جعلت فداك أي شيء؟ قال (ع): إكراك جمالك من هذا الرجل –يعني هارون –قلت: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا للصيد ولا للهو، ولكن أكريته لهذا الطريق – يعني مكة – ولا أتولاه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني، قال: يا صفوان أيقع كراك عليهم؟ قلت: نعم، جعلت فداك. قال (ع): أتحب بقاءهم حتى يخرج كراك؟ قلت: نعم، قال (ع): فمن أحب بقائهم فهو منهم، ومن كان منهم فهو كان ورد النار، قال صفوان: فذهبت وبعت جمالي عن أخرها) ([162]).
فإذا كان نفس حب حياة الظالمين وبقائهم بهذه المنـزلة! فكيف حال من يدخل في زمرتهم أو يعمل بأعمالهم أو يواكب قافلتهم أو يأتمر بأمرهم. إذا كان معاونة الظالمين لو بشق تمرة بل حب بقائهم من أشد ما حذر عنه الأئمة (ع)، فما حال الاشتراك معهم في الحكم والدخول في وظائفهم وولايتهم، بل ما حال من يكون من جملة المؤسسين لدولتهم، أو من كان من أركان سلطانهم والمنغمسين في تشييد حكمهم (وذلك إن ولاية الجائر دروس الحق كله وإحياء الباطل كله وإظهار الظلم والجور والفساد كما جاء في حديث تحف العقول) ([163]).
إنّ العمل في الدوائر المدنية فضلاً عن الحربية في دولة الطاغوت إعانة للطاغوت على البقاء في الحكم، وبالتالي فهي إعانة لأعداء الإمام المهدي (ع)، ولا تستهينوا بهذا الأمر ففي الدول التي تتمتع شعوبها بشيء من الحرية إذا أراد جماعة معينة الضغط على حكومة ذلك البلد لتحقيق مطالب معينة أعلنوا إضراباً عن العمل.
فالحكومات الطاغوتية متقومة بكم أيها العمّال والمهندسون والموظفون، أنتم العمود الرئيسي الذي يرتكز عليه الطاغوت.
ولعل بعضكم يقول: ماذا نفعل؟ والحال اليوم أنهم متسلطون على رقابنا.
أقول: إنهم متسلطون على رقابنا منذ وفاة رسول الله (ص) لا لعيب في الأوصياء – الإمام علي وولده (ع)- ، ولكن العيب فينا نحن إننا دائماً متخاذلون عن نصرة الحق، وربما عند ظهور الإمام المهدي (ع) سيقول كثيرون هذا ليس المهدي (ع)؛ ليعطوا أنفسهم عذراً لتركهم نصرة الإمام المهدي (ع) كما فعل أهل مكة واليهود مع رسول الله (ص)، مع أنّهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم في خلقه العظيم وأمانته وصدقه وتنـزهه عن الكذب في أمور الدنيا، فكيف يكذب على الله سبحانه؟! كما أنّهم عرفوه بالآيات والمعجزات التي أيده الله بها، ولكنهم وجدوه يمثل جبهة الحق التي تصطدم بمصالحهم، ووجدوه يدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله مما يعرض حياتهم للخطر، فخذلوه ونصره الله سبحانه. وسيخذل كثيرون الإمام المهدي (ع) وسينصره الله سبحانه.
فعن الإمام الصادق (ع): (لينصرن الله هذا الأمر بمن لا خلاق له، ولو قد جاء أمرنا لقد خرج منه من هو اليوم مقيم على عبادة الأوثان) ([164]).
وعبادة الأوثان، أي طاعة الطواغيت ومسايرتهم، بل واتباع الهوى.
وعن الإمام الصادق (ع): (إذا خرج القائم، خرج من هذا الأمر من كان يُرى أنّه من أهله، ودخل فيه شبه عبدة الشمس والقمر) ([165])، أي: يخرج من نصرة الإمام (ع) بعض الذين يدّعون التشيع ويرون أنهم من أنصار الإمام المهدي (ع)، ويدخل في صفوف أنصاره قوم من غير الشيعة، بل لعلهم من غير المسلمين بعد أن يعرفوا الحق ويشايعوا آل محمد (ع). قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ([166]).
وفي واقعة كربلاء وقف عمر بن سعد (لعنه الله) بين يدي الإمام الحسين (ع) يعتذر عن بقائه مع الطاغوت، بأنّه يخاف القتل ويخاف أن تهدم داره ويخاف أن تسبى نساؤه ويخاف … ويخاف … ويخاف.
فلنحذر جميعاً أن نكون اليوم وغداً كعمر بن سعد (لعنه الله)، نخذل الحق ونعتذر بأعذار قبيحة وحجج واهية.
وأكتفي بهذا القدر، على أن سبب الغيبة هو: تقصير الأمة، وإلاّ فالأدلة أكثر مما ذكرت. فإذا عرفنا أنّ أهم أسباب الغيبة التامة هو إعراض الأمة عن الإمام (ع) أصبح واجبنا جميعاً العمل لظهوره ورفع أسباب غيبته التامة، بإعلاء ذكره وإظهار حقّه وتهيئة الأمة للاستعداد لنصرته عند ظهوره وقيامه، ونشر الدين وطمس معالم الضلال والشرك، والقضاء على الطواغيت وأعوانهم، الذين يمثلون أهم أعداء الأمام المهدي (ع) ([167]).
* * *
العمل لتعجيل فرج الإمام المهدي (ع)
قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ ([168]).
عن الفضل بن قرّة، عن أبي عبد الله (ع)، قال: (أوحى الله إلى إبراهيم (ع) أنّه سيولد لكَ، فقال لسارة، فقالت: ألد وأنا عجوز؟ فأوحى الله إليه أنها ستلد ويعذب أولادها أربعمائة سنة بردها الكلام عليّ. قال: فلما طال على بني إسرائيل العذاب ضجوا وبكوا إلى الله أربعين صباحاً، فأوحى الله إلى موسى وهارون يخلصهم من فرعون فحط عنهم سبعين ومائة سنة. قال: فقال أبو عبد الله (ع): هكذا أنتم لو فعلتم لفرج الله عنا، فأمّا إذ لم تكونوا فإنّ الأمر ينتهي إلى منتهاه) ([169]).
وهذا العمل مسؤولية الجميع، علماء الدين والشعوب الإسلامية المستضعفة، فعلماء الدين قدّموا أنفسهم في موضع قيادة الأمة سواء صرّحوا بذلك أم لا؛ لأنّهم تصدّوا أمام الله سبحانه وتعالى ووقفوا في باب ملكوته متمثلين بالأنبياء والمرسلين. فعليهم إن يسيروا بسيرتهم ويعملوا، فمن لم يكن منهم أهلاً لذلك كان عليه إن لا يضع نفسه في هذا الموضع الخطير فيكون من قطَّاع طريق الله سبحانه وتعالى، فيؤول به الأمر إلى خسران الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، إذن فعالم الدين قائد للأمة ومصلح الأمة ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ ([170])، وهو سائر في طريق الله سبحانه وداع ٍ إلى الله بأذنه فلا يطلب الدعة والراحة في هذا الطريق، وإذا وجدها في يوم من الأيام قبل دولة الحق فليتهم نفسه وليراجع مسيرته.
قال الإمام علي (ع): (لو أحبني جبل لتهافت) ([171])، فعالم الدين يجب إن يفكر ويعمل ليلاً ونهاراً للتهيئة لإقامة دولة الحق، وللنصح لقائد هذه الدولة الوصي الخاتم (ع).
أمّا الشعوب الإسلامية المستضعفة فعليها العودة إلى الإسلام والقرآن بعد أن انسلخت منه ولم يبقَ فيها من الإسلام إلاّ اسمه، ومن القرآن إلاّ رسمه. فهي مكلفة بعملية التهيئة لدولة الحق أفراداً وجماعات وخصوصاً النخبة المؤمنة المثقفة فيها، حيث يقع على عاتقهم جزء كبير من عملية إصلاح الأمة وتهيئتها لنصرة الحق وأهله، ومقارعة الباطل ورموزه الشيطانية من الأنس والجن.
والحمد لله الذي منَّ علينا بمحمد وآل محمد (ص) قادة نقتفي أثرهم. فهم (ع) نصروا الحق وقارعوا الباطل، وكانوا يعملون ليلاً ونهاراً لنشر كلمة لا إله إلاّ الله، مرّة بالإعلام وبسيوف من الكلام كان لها أثرها الواضح في القضاء على دولتي بني أمية وبني العباس، ولا تزال إلى اليوم تأخذ أثرها في النفوس كسلاح قوي لهدم دولة الطاغوت والقضاء عليه، كما فعل الإمام الحسن (ع).
ومرّة أخرى عندما تتوفر الظروف الملائمة يجاهد آل محمد (ع) بالثورة المسلحة، وبالسيف وإراقة الدماء في سبيل الدين، كما فعل الإمام الحسين (ع). وهكذا كانوا (ع) أعلاماً للجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتدي بهم الثائرون، فلم يهنوا ولم ينكلوا في مقارعة الطواغيت حتى قضوا بين مسموم ومقطّع بالسيوف، فعلينا جميعا اليوم أن نقتفي أثرهم (ع) في نشر الدين ومقارعة الظالمين والقضاء عليهم والتهيئة لدولة الحق، وإعلاء كلمة لا إله إلاّ الله في الأرض، ونشر عبادة العباد لخالقهم، والقضاء على عبادة العباد للعباد وما يرافقها من الفساد.
كما يجب فضح أئمة الفساد الذين يسمون أنفسهم علماء، الذين يحاولون فصل الحسن عن الحسين (عليهما السلام)، ويقولون إنّ الإمام الحسن (ع) صامت ويدّعون أنهم يتابعون سيرته، فتعساً لهم. ولو كان آل محمد (ع) صامتين لما قطعت السموم أحشاءهم!! إنّ آل محمد (ع) قوم القتل لهم عادة وكرامتهم من الله الشهادة، وما منهم إلاّ مقتول كما ورد عنهم (ع) ([172])، فلا ألفين خسيساً يحمل جبنه عليهم ليعتذر عن خذلانه للحق، و والله إني لأستعظم تقريع الجبناء.
* * *
أهم الأعمال لتعجيل فرج الإمام (ع)
أمّا أهم الأعمال لتعجيل فرج الإمام فهي:
1- التفقه في الدين:
ويشمل:
أ- قراءة القرآن وتفسيره:
قال رسول الله (ص): (أيها الناس إنكم في زمان هدنة، وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع، فقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فأعدّوا الجهاز لبعد المفاز. فقام المقداد، فقال: يا رسول الله ما دار الهدنة؟ قال: دار بلاء وانقطاع، فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفع وماحل ([173]) مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، له ظهر وبطن ، فظاهره حكمة، وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له تخوم وعلى تخومه تخوم ([174])، لا تحصى عجائبه، ولا يبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعروف لمن عرفه) ([175]).
وعن أمير المؤمنين (ع)، قال: (سمعت رسول الله (ص) يقول: أتاني جبرائيل فقال: يا محمد سيكون في أمتك فتنة. فقلت: فما المخرج منها؟ فقال: كتاب الله، فيه بيان ما قبلكم من خبر وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من وليه من جبار فعمل بغيره قصمه الله، ومن التمس الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، لا تزيغه ([176]) الأهوية، ولا تلبسه الألسنة، ولا يخلق على الرد ([177])، ولا ينقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء، وهو الذي لم تكنه ([178]) الجن إذ سمعه إذ قالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد. من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم، هو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) ([179]).
وورد في الحديث أنّ ثلاثة يشتكون إلى الله يوم القيام للحساب، فعن النبي (ص) قال: (يجيء يوم القيامة ثلاثة يشتكون: المصحف والمسجد والعترة. يقول المصحف: يا رب حرّفوني ومزقوني. ويقول المسجد: يا رب عطلوني وضيعوني. وتقول العترة: يا رب قتلونا وطردونا وشردونا. فأجثوا للركبتين في الخصومة، فيقول الله Y لي: أنا أولى بذل) ([180]).
القرآن والعترة والمسجد. فهل أنتم أيها الأخوة مستعدون لمواجهة هؤلاء الخصوم الثلاثة بين يدي الله (عز وجل)؟.
والأول: هو كتاب الله الماحل المصدَّق. والثاني: هو خليفة الله في أرضه. والثالث: هو بيت الله.
والحق أنّ أهل الأرض جميعاً لا يقوون على هذه المواجهة، فإذا كان الأمر كذلك فلنعمل جميعاً للنصح لهؤلاء الثلاثة، لنلتقي بهم يوم القيامة وهم راضون عنّا، فلنعيد للمسجد مكانته الحقيقية ونبث فيه ومنه علوم القرآن وحديث أهل البيت (ع)، ولنتذكر الإمام صاحب الزمان (ع) في كل الأحوال، وهو الذي يمثل العترة اليوم، ولنقدّم قضيته على جميع القضايا، ولنقرأ القرآن ولا أعني الألفاظ فحسب، بل تدّبر معانيها واستقراء مداليلها والعمل بها، والتخلق بأخلاق القرآن، ونشرها في المجتمع بعد العمل بها، فالذي يأمر الناس بمكارم الأخلاق ولا يطبقها لا يكون له أي تأثير فيهم، بل ربما تكون النتيجة عكسية. وقد ورد عنهم (ع) ما معناه: (كونوا لنا دعاة صامتين) ([181])، أي: بالعلم والعمل والسيرة الحسنة بين الناس لا بالقول فقط الذي هو أداة التعبير والدعوة الأساسية، وجاء في الكتاب الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ([182]).
وأخلاق القرآن تؤخذ من القرآن ومن أهل القرآن محمد وآل محمد (ص). والحمد لله ورد عنهم في الحديث والدعاء والتفسير كثير جدّاً، وهو ثروة أخلاقية لا تنضب، ومع الأسف القرآن اليوم مهجور وميت في الحوزة العلمية في النجف الأشرف فضلاً عن غيرها، فالبحث يدور في المساجد التي أنشأها القرآن حول الكتب المنطقية والفلسفية والكلامية والنحوية، التي يدّعون دراستها وتدريسها لفهم القرآن والسنة، في حين أنّك لا تجد من يهتم بدراسة كتاب الله والبحث في تفسيره، وإذا وجد مثل هذا الاهتمام من قبل بعض المؤمنين فهو قليل يكاد لا يذكر!
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ ([183]). وقال رسول الله (ص) في وصف حالنا اليوم: (مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى) ([184])، أي عامرة بالناس ولكنهم ليسوا على الطريق الذي رسمه القرآن ومحمد وآل محمد (ص).
وقال أمير المؤمنين (ع) في وصف معظم أهل العلم في زماننا هذا: (نبذ الكتاب حملته وتناساه حفظته) ([185])، أي المفروض أنّهم حملته وحفظته، وهم طلبة العلوم الدينية والعلماء.
هذا، وإن وُجِدَ بحث في الكتاب الكريم فهو يدور حول آراء المفسرين التي لا يعدو كثير منها محاولات لصب آيات القرآن ضمن مجال القواعد النحوية والفلسفية وغيرها، مع أنّ كثيراً منها استقرائية تحتمل الخطأ وكثيراً منها خلافية لم يتحرّر النزاع فيها. ولو أنّهم فسّروا الكتاب على ما ورد في روايات أهل بيت العصمة ولم يتعدّوا الصراط المستقيم الذي رسمه أهل البيت (ع) لتدبر القرآن وتفسير آياته لكان خيراً لهم وأقرب للتقوى. ولكن أنّى لهم ذلك.
قال أمير المؤمنين (ع) في وصف حال أهل هذا الزمان مع القرآن: (وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه) ([186]).
ويجب الالتفات إلى أنّ معرفة تفسير كتاب الله غير مقتصرة على طلبة الحوزة العلمية فقط، بل على كل مسلم معرفة تفسير كتاب الله ما أمكن. ومهمة طلبة الحوزة هي تعلم التفسير الصحيح وتعليمه للناس في المساجد وفي غيرها، ويجب أن تفتح دورات لتعليم تفسير كتاب الله في كل مكان.
فالعقائد الإسلامية الصحيحة كلّها في كتاب الله وبمعرفة تفسيره وتأويله الصحيح وبمباحثة كتاب الله باستمرار، وإدراك معانيه ومفرداته ينكشف للمجتمع الإسلامي كله مغالطات أئمة الضلال، أمثال ابن تيميه، وابن عبد الوهاب، واتهاماتهم الباطلة للمسلمين بالشرك،كما وينكشف الطواغيت وأعوانهم وخططهم الشيطانية التي يهدفون من ورائها تضليل المجتمع الإسلامي.
ب - العقائد الإسلامية الصحيحة تعلمها وتعليمها:
وهي العقائد المستقاة من الآيات القرآنية المحكمة والسنّة. أمّا الآيات القرآنية المتشابهة فيجب إحكامها ومعرفة تفسيرها وتأويلها من الروايات التي وردت عن النبي وآله الأطهار (ع)، لا أن يؤولها كل بهواه ويعتقد ما يشاء.
ونصيحتي لإخواني المؤمنين:
تحصيل العقائد من القرآن المفسّر بروايات أهل البيت (ع) وبثها في المجتمع الإسلامي؛ ليكون مجتمعاً دينياً عقائدياً تزول الجبال ولا يزول عن عقائده القرآنية الصحيحة؛ ليكون بذلك المجتمع الإسلامي مستعداً لاستقبال ونصرة الإمام المهدي (ع).
ج- الأحكام الشرعية:
وتعلّمها واجب على كل مسلم؛ لأنّه مبتلى بها في حياته كمعاملات ومكلّف بأدائها كعبادات، بل إنّ واجب كل مسلم بعد أن يتعلّمها أو يتعلّم بعضها أن يعلم إخوانه المسلمين.
والحقيقة أنّ الموجود في معظم كتب الفقه اليوم هو فتاوى وأحكام شرعية كلية تنطبق على مصاديق كثيرة في الخارج، أي: في مجتمعنا الإسلامي وتطبيقها على مصاديقها ليس بأقل أهمية منها، بل دون تطبيقها على مصاديقها لا تكون لها أي فائدة عملية، فواجب طلبة الحوزة العلمية العاملين حفظهم الله من كل سوء هو تطبيق هذه الأحكام الكلية على مصاديقها في مجتمعهم الإسلامي، وتنبيه الناس إلى المحرّمات الكثيرة التي استهانوا بها، بل على بعض طلبة الحوزة العاملين أن يتصدّوا لكتابة تطبيق الأحكام الشرعية على مصاديقها في المجتمع الإسلامي، وهذا واجب كفائي ربما يأثم بتركه الجميع.
2- العمل بالشريعة الإسلامية المقدسة:
وطبعاً المهم من الشريعة هو العمل بها، حيث بدونه تكون معطّلة. والعمل مرّة يختص بالفرد، ومرّة يختص بعلاقته بالمجتمع. فعلى كل مسلم بعد أن يعرف ما له وما عليه بالشريعة المقدّسة أن يؤدي ما عليه ويطالب بما له دون زيادة. وله أن يعف ويتسامح مع الناس في حقوقه، طلباً لرضا الله سبحانه.
والعاقل لا يضيّع حظّه من هذه الدنيا وفرصته فيها من السير إلى الله، ولا أعني فقط بأداء الواجبات، بل المستحبات وأهمّها الدعاء وصلاة الليل، بل النوافل اليومية جميعها، والصيام وزيارة الأنبياء والأئمة (ع) والصالحين والشهداء والاعتبار بأعمالهم واقتفاء آثارهم، وقضاء حوائج المؤمنين والنصح لهم وإرشادهم والرحمة والرأفة بهم، وبغض الطواغيت وأعوانهم ومزايلتهم، فهم ينصبون العداء لآل محمد (ع) وخصوصاً لخاتمهم المهدي (ع). وأفعال هؤلاء الطواغيت وأعوانهم دالة على أنّهم نواصب فيجب إجراء أحكام النواصب عليهم، فليس العمل بالشريعة هو العبادة فقط، بل المعاملة الحسنة مع الناس وليست المعاملة الحسنة باللين والرحمة فقط، بل وبالشدّة والغلظة أحياناً ولكل أهل، فمع المؤمنين يتعامل المؤمن بالرحمة واللين، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ([187]). ومع الطواغيت وأعوانهم يتعامل بالشدّة والغلظة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَأغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ([188]).
وفي الكافي عن أبي عبد الله (ع)، قال: (قال رسول الله (ص) لأصحابه: أي عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، وقال بعضهم: الصلاة، وقال بعضهم: الزكاة، وقال بعضهم: الصيام، وقال بعضهم: الحج والعمرة، وقال بعضهم: الجهاد، فقال رسول الله (ص): لكل ما قلتم فضل، ولكن ليس به. ولكن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وتولي أولياء الله، والتبري من أعداء الله) ([189]).
وعن علي بن الحسين قال: (إذا جمع الله (عز وجل) الأولين والآخرين قام مناد فنادي ليسمع الناس، فيقول: أين المتحابّون في الله، يقوم عنق من الناس. فيقال لهم: اذهبوا إلى الجنة بغير حساب، فيقول الملائكة: فأي ضرب أنتم من الناس؟ فيقولون: نحن المتحابون في الله.
قال: فيقولون: وأي شيء كانت أعمالكم؟ قالوا: كنا نحب في الله ونبغض في الله. فيقولون: نِعم أجر العاملين) ([190]).
وعن أبى جعفر(ع)، قال: (قال رسول الله (ص): ودُّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان، ألا ومن أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله، فهو من أصفياء الله)([191]).
وليست الشريعة الإلهية داعية للتميّع أو دافعة للتخنّث. فباسم الدين تجد من يتماوت في مشيته ويخفض صوته حتى لا يكاد يُسمع. وباسم العرفان والأخلاق تجد من يسمي نفسه عالماً أو يسميه الجهَّال عالماً وهو تارك لأهم واجب في الإسلام الذي به تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعجيب أمر هؤلاء!! والأعجب أمر من يحترم هذه النماذج السلبية ويقدّسها!! والحال إنّ رسول الله (ص) كان رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين شديداً مع الكافرين، حتى ورد عن أمير المؤمنين (ع) ما معناه أنهم يحتمون به في المعارك ([192]).
ثم إنّ أمير المؤمنين (ع) كان يصفه بأنّه كالطبيب الدوار بأدويته ([193])، أي: إنّه شديد الاهتمام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبتبليغ الناس. فأي عرفان هذا، وأي أخلاق هذه التي تأمر صاحبها أن يسير عكس مسيرة رسول الله (ص) ؟
أيّها المؤمنون والمؤمنات: إنّ إبراهيم (ع) حمل فأساً وكسّر الأصنام فتابعوا هذه المسيرة المشرفة، مسيرة الأنبياء والمرسلين التي تقرؤونها في القرآن. وإياكم ومسيرة أمثال السامري وبلعم بن باعوراء.
احملوا الفؤوس وحطّموا الأصنام والعجول ([194])، وليبدأ كلٌ منّا بنفسه، وبالناس المحيطين به. ولا تخافوا فأنتم الأعلون أن كنتم مؤمنين: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ * قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ([195]).
وعلى طلبة الحوزة أن يعوا أنّ تكليف العالِم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص وأكبر من غيره؛ لأسباب كثيرة، منها: إنّه وضع نفسه في مكان الأنبياء والمرسلين، ووقف في باب الملكوت، وادعى أنّه من إدلاء الطريق إلى الله بلسان الحال، وإن لم يصرّح بالمقال.
فالعالم يجب أن ينهى عن المنكر الذي يحاول الطواغيت وأتباعهم نشره في المجتمع الإسلامي، وبكل الوسائل المتاحة له. ويجب عليه مراقبة المجتمع الإسلامي وتقويم الانحرافات فيه، وإلاّ فهو يصبح قاطعاً لطريق الله سبحانه وتعالى وجندياً من جنود إبليس. فالطواغيت ينشرون المنكر بأيديهم وألسنتهم، والأئمة والعلماء غير العاملين ينشرون المنكر بترك النهي عنه بإهمالهم توجيه المجتمع الإسلامي وإصلاحه. فمثلهم كمثل الذي تصدّى لعمل معين ولم يؤدّه فلا هو قائم به ولم يترك غيره يقوم به.
كما يجب الالتفات إلى أنّ هناك تقصيراً كبيراً في المجتمعات الإسلامية، وخصوصاً النخبة المؤمنة المثقفة فيها. فهؤلاء يجب أن يتصدّوا للنهي عن المنكر كل حسب علمه وتكليفه، كما يجب الالتفاف حول العلماء العاملين المخلصين لله الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر والمجاهدين في سبيل الله والدفاع عنهم. فليس من المعقول أن ينهض هؤلاء العلماء العاملون بعبء المسؤولية، والمجتمعات الإسلامية لاهية في متابعة الطواغيت وعلماء السوء غير العاملين.
وليحذر أفراد المجتمع الإسلامي، فإنّهم يوم القيامة مسؤولون عن العالم العامل ومدى تجاوبهم معه، فعن أبي عبد الله (ع)، قال: (ثلاثة يشكون إلى الله عزّ وجل، مسجد خراب لا يصلّى فيه، وعالم بين جهّال، ومصحف معّلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه) ([196]).
نعم أيها الأحبة، أيّها المؤمنون والمؤمنات إنّ واجبكم نصرة العالم العامل المخلص لله المجاهد في سبيل إعلاء كلمة لا إله إلاّ الله، لا الابتعاد عنه وخذلانه وتركه في النهاية يذهب إلى ربّه مقهوراً
مظلوماً متشحطاً بدمه يشكو إلى الله خذلان الناصر بعد أن كان دليلاً إلى صراط الله المستقيم.
قال أمير المؤمنين (ع): (إنّ الله سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاءً للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح لله عزّت آلاؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات عباد ناجاهم في فكرهم وكلمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة، يذكّرون بأيام الله ويُخوفون مقامه، بمنزلة الأدلة في الفلوات، من أخذ القصد حمدوا إليه الطريق وبشّروه بالنجاة، ومن أخذ يميناً وشمالاً ذمّوا إليه الطريق وحذّروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات، وأدلّة تلك الشبهات، وإنّ للذكر لأهلاً أخذوه من الدنيا بدلاً، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه يقطعون به أيام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط و يأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحققت القيامة عليهم عِداتها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا، حتى إنهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون … ) ([197]).
ومع الأسف هناك من يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا الواجب العظيم بحجة التقية، فلم أجد بدّاً من توضيحها قليلاً.
التـقية:
التقية هي: تجنب الضرر المادي. والحيوانات تتجنب الضرر عادةً فضلاً عن الإنسان، وعادةً معظم بني آدم يميلون عن الحق إلى الباطل إذا كانت متابعة الحق تسبب لهم ضرراً اقتصادياً أو بدنياً ولو كان يسيراً، وهذه مسيرة الإنسانية بين يديك في كتب التاريخ تصفّحها ستجد أنّ قلّة هم الذين تحملوا تلف أموالهم وأنفسهم في سبيل إعلاء كلمة الحق.
إذاً فمعظم الناس يمارسون التقية، بل وبإفراط وبشكل دائم، فإذا انتقلنا إلى المسلمين وجدناهم فرقتين، فرقة صامتة وموافقة أو مداهنة للطواغيت الذين يحكمون البلاد الإسلامية، مع أنّهم يحكمون بالقوّة الغاشمة ويستخفون بالشريعة والقرآن وجميع النواميس الإلهية ويحكمون بغير ما أنزل الله ويستحلون دماء المؤمنين، فضلاً عن اغتصابهم قيادة الأمة من المعصومين (ع).
وهذه الفرقة هي معظم أهل السنّة، إذاً فهؤلاء يمارسون التقية وبشكل مفرط، إلا أن يقولوا إنّ مذاهبهم توجّب طاعة الحاكم الجائر وإن عطّل الشريعة وسفك الدم الحرام، وقام بحركة إعلامية عظيمة لطمس الإسلام، ونشر الخمور والفجور والملاهي والأغاني وما يعرضه تلفزيون الدول الإسلامية من فساد وإفساد للمجتمع ([198]).
ولا أظن أنّ من علماء السنة اليوم من يقول هذا، وإلاّ لكان بهذا القول محارباً لمحمد (ص) وشريعته وناصراً لكفار قريش وأشياعهم اليوم.
إذن، فبما أنهم لا يقولون بوجوب طاعة الحاكم الجائر، بل ما أظنه أنّ كل مسلم يحرّم طاعة الحاكم الجائر؛ لأنّه محارب لله ولرسوله، وبما أنّهم لا يثورون على الحكّام الظلمة، بل ويداهنونهم في الغالب، فبماذا نصف حالهم هذا غير أنّهم يمارسون التقية وبشكل مفرط وليسمونها ما يشاؤون، فالمهم المعنى لا اللفظ.
وطبعاً هناك قلّة من علماء السنّة لا يمارسون التقية بشكل مفرط، بل وقفوا يقارعون الطواغيت والحكّام الظلمة، ومن هؤلاء سيد قطب. ولا بأس أن نستعرض بعض كلامه في قصة أصحاب الأخدود، يقول: (إنّها قصة فئة آمنت بربها واستعلنت حقيقة إيمانها، ثم تعرّضت للفتنة من أعداء جبارين بطاشين مستهترين لحق الإنسان في حرية الاعتقاد بالحق والإيمان بالله العزيز الحميد، وبكرامة الإنسان عند الله عن أن يكون لعبة يتسلّى الطغاة بآلام تعذيبها ويتلهون بمنظرها في أثناء التعذيب بالحريق! وقد ارتفع الإيمان بهذه القلوب على الفتنة وانتصرت فيها العقيدة على الحياة، فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة ولم تفتن عن دينها وهي تحرق بالنار حتى الموت … ثم يقول: إنّ الناس جميعاً يموتون وتختلف الأسباب ولكن الناس جميعاً لا ينتصرون هذا الانتصار ولا يرتفعون هذا الارتفاع ولا يتحرّرون هذا التحرّر ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى هذه الآفاق، إنّما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده؛ لتشارك الناس في الموت، وتنّفرد دون الناس في المجد، المجد في الملأ الأعلى وفي دنيا الناس أيضاً. إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الأجيال بعد الأجيال، لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجو بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم، وكم كانت البشرية كلها تخسر، كم كانوا يخسرون وهم يقتلون؟ هذا المعنى الكبير، معنى زهادة الحياة بلا عقيدة وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد، إنّه معنى كريم جدّاً ومعنى كبير جدّاً، هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض، ربحوه وهم يجدون مس النار فتحترق أجسادهم الفانية، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار!) ([199]).
ويقول : (وتتبدّل الأحوال، ويقف المسلم موقف المغلوب المجرّد من القوة المادية، فلا يفارقه شعوره بأنّه الأعلى، وينظر إلى غالبه من علٍ مادام مؤمناً، ويستيقن أنها فترة وتمضي، وإنّ للإيمان كرّة لا مفر منها، وهبها كانت القاضية فإنّه لا يحني له رأساً. إنّ الناس كلهم يموتون، أمّا هو فيستشهد وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة وغالبه يغادرها إلى النار، وشتان شتان، وهو يسمع نداء ربّه الكريم: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ ([200]).
ثم يقول: وقديماً قص علينا القرآن الكريم قول الكافرين للمؤمنين: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ ([201]). أي الفريقين؟ الكبراء الذي لا يؤمنون بمحمد، أم الفقراء الذين يلتفون حوله؟ أي الفريقين، النظر بن الحارث وعمرو بن هشام والوليد ابن المغيرة وأبو سفيان بن حر، أم بلال وعمار وصهيب وخباب؟ أ فلو كان ما يدعو إليه محمد خيراً أفكان أتباعه يكونون هم هؤلاء النفر الذين لا سلطان لهم في قريش ولا خطر؟ وهم يجتمعون في بيت متواضع كدار الأرقم، ويكون معارضوه هم أولئك أصحاب الندوة الفخمة الضخمة و المجد والجاه والسلطان؟!
إنّه منطق الأرض، منطق المحجوبين عن الآفاق العليا في كل زمان ومكان، وإنّها لحكمة الله أن تقف العقيدة مجرّدة من الزينة والطلاء، عاطلة من عوامل الإغراء، لا قربى من حاكم ولا اعتزاز بسلطان، ولا هتاف بلذّة، ولا دغدغة لغريزة، إنّما هو الجهد والمشقة والجهاد والاستشهاد … ليقبل عليها من يقبل وهو على يقين من نفسه إنّه يريدها لذاتها خالصة لله من دون الناس، ومن دون ما تواضعوا عليه من قيم ومغريات، ولينصرف عنها من يبتغي المطامع والمنافع، ومن يشتهي الزينة والأُبّهة، ومن يطلب المال والمتاع، ومن يقيم لاعتبارات الناس وزناً حين تخف في ميزان الله.
إنّ المؤمن لا يستمد قيمه وتصوراته وموازينه من الناس حتى يأسى على تقدير الناس. إنّما يستمدّها من ربّ الناس وهو حسبه وكافيه. إنّه لا يستمدّها من شهوات الخلق حتى لا يتأرجح مع شهوات الخلق، إنّه يستمدّها من ميزان الحق الثابت الذي لا يتأرجح ولا يميل. إنّه لا يتلقاها من هذا العالم الفاني المحدود، إنّما تنبثق في ضميره من ينابيع الوجود. فأنّى يجد في نفسه وهناً أو يجد في قلبه حزناً، وهو موصول بربّ الناس وميزان الحق وينابيع الوجود؟
إنّه على الحق، فماذا بعد الحق إلاّ الضلال. وليكن للضلال سلطانه، وليكن له هيله وهيلمانه، ولتكن معه جموعه وجماهيره، إنّ هذا لا يغيّر من الحق شيئاً، إنّه على الحق وليس بعد الحق إلاّ الضلال، ولن يختار مؤمن الضلال على الحق - وهو مؤمن -، ولن يعدل بالحق الضلال كائنة ما كانت الملابسات والأحوال … ) ([202]).
أمّا الفرقة الأخرى من المسلمين، فمنهم الذين رفضوا حكم الطواغيت ولم يقبلوا تسلطهم على الحكم واستيلائهم على دفّة القيادة، ورفضوا حكمهم بغير ما أنزل الله وإفسادهم في الأرض، حتى سمّاهم الناس رافضة وهذا الاسم فخر لهم ووسام شرف يميّزهم، وهم معظم الشيعة.
ومن الطبيعي أنّ هؤلاء وهم الثلّة المؤمنة التي تمثّل دين الله في أرضه، إذا لم يضع لهم أئمتهم(ع) قوانين تضمن بقاءهم وبقاء مذهبهم الحق فإنهم سيُستأصلون ويُستأصل دين الله في أرضه، ويكون مصيرهم كمصير أصحاب الأخدود وهو مصير مشرِّف. ولكن المسألة إنّ هذه الأمة أراد الله بقاءها حتى آخر الزمان؛ لتحمل كلمة التوحيد لأهل الأرض جميعاً، ولهذا أكد أهل البيت (ع) على ممارسة التقية وتجنب الضرر لكن ليس بشكل سلبي وترك العمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل العمل وتجنب الضرر معاً، كمن يحترق بيته فهو لا يتركه يحترق و لا يلقي نفسه في النار، ولكن يطفئ النار ويتجنّب ضررها ما أمكن، هذه هي التقية التي أرادها أهل البيت وتدل عليه سيرتهم وحديثهم وتوجيههم لأصحابهم، وهذه هي التقية في القرآن في سورة غافر، رجل مؤمن من آل فرعون يكتم أيمانه عن فرعون تقية، وفي نفس الوقت يدعو إلى دين الله والإيمان بموسى والكفر بفرعون وحزبه الشيطاني.
أمّا خضوع بعض العلماء غير العاملين ومن يتبعهم للطاغوت وصمتهم وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو تصرّف شخصي وليس من التقية في شيء. وإنّما هو جبن انطوت عليه نفوسهم، وحب للحياة والدنيا اكتظّت به صدورهم، حتى أصبحوا يسيرون في طريق معاكس لطريق الأنبياء والأوصياء (ع)، ومخالف للصراط المستقيم الذي يرسمه القرآن، وأمسوا أئمة ضلال يعلمون الناس الخضوع والمداهنة والركون للطاغوت حتى ظهرت غلبة الجهّال ودول الضلال، ولولا رحمة الله ووجود بعض العلماء العاملين لما أبقى الطاغوت من الدين اسماً ولا رسماً.
* * *
3- معرفة الإمام المهدي (ع):
وهي إضافة إلى معرفة اسمه وولادته وغيبته الصغرى وسفرائه فيها وغيبته الكبرى إلى يومنا هذا، أو أحاديثه وأحاديث آبائه التي وردت فيه وفي غيبته وظهوره وقيامه، تشمل معرفة علامات ظهوره وسيرته بعد ظهوره. فبمعرفة علامات ظهوره نعرف قرب زمان ظهوره فنستعد لنصرته.
وبمعرفة سيرته بعد ظهوره (ع) نستعد لتقبلها، فلا نكون - والعياذ بالله - ممن يلتوون عليه ويعترضون على سياسته وقراراته، وقد روي عن الإمام الصادق (ع)، أنّه قال: (إذا خرج القائم خرج من هذا الأمر من كان يرى أنّه من أهله) ([203]).
فعلى المؤمنين الالتفاف حول العلماء العاملين السائرين على نهج الأنبياء والمرسلين والأئمة (ع). والحذر من متابعة علماء السوء غير العاملين، الذين لا يغضبون لغضب الله عندما يهان كتابه القرآن الكريم ([204])، والذين سيقف كثير منهم ضد الإمام المهدي (ع)، وربما سيقاتلونه.
روي عن رسول الله (ص)، قال: (سيأتي زمان على أمتي لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه، ولا من الإسلام إلاّ اسمه، يسمّون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شرّ فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة واليهم تعود) ([205]).
وعن رسول الله (ص) في المعراج، قال: (… قلت إلهي فمتى يكون ذلك ؟ فأوحى إلّي (عز وجل): يكون ذلك إذا رفع العلم وظهر الجهل، وكثر القرّاء وقل العمل وكثر الفتك، وقل الفقهاء الهادون وكثر فقهاء الضلالة الخونة وكثر الشعراء، واتخذ أمتك قبورهم مساجد، وحليت المصاحف، وزخرفت المساجد، وكثر الجور …) ([206]) .
وعن الباقر (ع): (إذا قام القائم (ع) سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة ألف نفس يدعون البترية عليهم السلاح، فيقولون له: إرجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة!! فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة فيقتل بها كل منافق مرتاب ويهدم
قصورها ويقتل مقاتليها حتى يرضى الله عزّ وعلا) ([207]).
وعن الباقر (ع): (يدخل الكوفة وبها ثلاث رايات قد اضطربت فتصفو له، ويدخل حتى يأتي المنبر ويخطب …) ([208]).
وعن أمير المؤمنين (ع): (يا مالك بن ضمرة، كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا؟ وشبك أصابعه وادخل بعضها في بعض، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما عند ذلك من خير. قال (ع): الخير كله عند ذلك، يقوم قائمنا فيقدم عليه سبعون، فيقدّم سبعين رجلاً يكذبون على الله ورسوله فيقتلهم، فيجمع الله الناس على أمر واحد) ([209]).
ويقدّم سبعين رجلاً يكذبون على الله ورسوله، أي: علماء غير عاملين. وربما يفتون الناس بغير ما أنزل الله على رسوله وفق تخرّصاتهم العقلية وأهوائهم الشخصية.
وعن أبي جعفر (ع)، أنّه قال: (لتمخضن يا معشر الشيعة، شيعة آل محمد كمخيض الكحل في العين؛ لأنّ صاحب الكحل يعلم متى يقع في العين ولا يعلم متى يذهب، فيصبح أحدكم وهو يرى أنّه على شريعة من أمرنا فيمسي وقد خرج منها، ويمسي وهو على شريعة من أمرنا فيصبح وقد خرج منها) ([210]).
وعن أبي عبد الله (ع): (كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا علم يرى، يبرأ بعضكم من بعض، فعند ذلك تميزون وتمحصون وتغربلون، وعند ذلك اختلاف السنين ([211])، وأمارة من أول النهار وقتل وقطع في آخر النهار) ([212]).
وعن البيزنطي، قال: سألت الرضا (ع) عن مسألة الرؤيا، فأمسك ثم قال (ع): (إنا لو أعطيناكم ما تريدون لكان شرّاً لكم، وأخذ برقبة صاحب هذا الأمر. وقال: وأنتم في العراق تروون أعمال هؤلاء الفراعنة وما أمهل لهم بتقوى الله، ولا تغرّنكم الدنيا ولا تغتروا بمن أمهل له، فكأن الأمر قد وصل إليكم) ([213]).
أ-علامات ظهوره وقيامه (ع):
نظراً لتحقق معظم العلامات التي ذكرها النبي (ص) والأئمة (ع)، ولم يبقَ منها إلاّ العلامات القريبة جدّاً من سنة ظهوره وقيامه أو العلامات الدالة عليه بعد ظهوره (ع).
ومراعاة للاختصار؛ ولأنّه لا توجد فائدة كبيرة من ذكر العلامات التي تحققت، فسأقتصر على العلامات القريبة من ظهوره المبارك (ع) :
ومنها: أن تمنع السماء قطرها، وحرّ شديد، واختلاف الشيعة، فعن الإمام الحسن بن علي(ع): (لا يكون هذا الأمر الذي تنتظرون حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويلعن بعضكم بعضاً، و يتفل بعضكم في وجه بعض، وحتى يشهد بعضكم بالكفر على بعض. قلت: ما في ذلك خير، قال: الخير كله في ذلك، يقوم قائمنا فيرفع ذلك كلّه) ([214]).
ومنها: موت كثير من الفقهاء، وانتشار الفساد بشكل علني والتجاهر بالمعاصي، كالزنا وشرب الخمور وسماع الأغاني، وغلبت وسائل الفساد كالتلفزيون في الوقت الحاضر. والاستخفاف بالمساجد وبحرمتها، فبدل أن تبقى وسيلة للانقطاع إلى الله ببساطتها وخلوها من المظاهر الدنيوية يحوّلها الناس إلى قاعات مليئة بالزخرفة والألوان والمظاهر التي تشد الداخل فيها إلى الدنيا، وهكذا تعطّل، ويجعلونها مكان للأكل في بعض المناسبات كالمحرّم ورمضان.
ومنها: انتشار وسائل التجميل كالملابس الجميلة المظهر، ولكنها تغلف أناساً قلوبهم قلوب الشياطين.
ومنها: الاستخفاف بحرمة العلماء العاملين المجاهدين، وربما الاستهزاء بهم واتهامهم باتهامات باطلة. ويكثر سفك دمائهم؛ وذلك لأنّهم يتبعون سيرة أئمتهم (ع) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيلاقون من الطواغيت المتسلطين على الأمة اليوم ما لاقاه الأئمة (ع) من طواغيت بني أمية وبني العباس لعنهم الله.
عن أمير المؤمنين (ع)، فقال (ع): (إذا وقع الموت في الفقهاء، وضيعت أمة محمد المصطفى (ص) الصلاة واتبعت الشهوات، وقلت الأمانات، وكثرت الخيانات، وشربوا القهوات ([215])، وأشعروا شتم الآباء والأمهات، ورفعوا الصلاة من المساجد بالخصومات وجعلوها مجالس للطعامات، وأكثروا من السيئات وقللوا من الحسنات، وعوصرت السماوات ([216])، فحين إذن تكون السنة كالشهر والشهر كالأسبوع والأسبوع كاليوم واليوم كالساعة. ويكون المطر قيظاً، والولد غيضاً. ويكون أهل ذلك الزمان لهم وجوه جميلة، وضمائر ردية. من رآهم أعجبوه، ومن عاملهم ظلموه. وجوههم وجوه الآدميين، وقلوبهم قلوب الشياطين … ويعار على العلماء ويكثر ما بينهم سفك الدماء … وتحج الناس ثلاث وجوه: الأغنياء للنزهة، والأوساط للتجارة، والفقراء للمسألة) ([217]).
ومنها: منع أهل العراق من الحج، فلا يذهب منهم إلى الحج إلاّ عدد قليل ، وحالهم ما تقدّم في الحديث، فعن الإمام الصادق (ع) - وعنده جماعة من أهل الكوفة فأقبل عليهم وقال لهم - : (حجوا قبل أن لا تحجوا، قبل أن تمنع البرجانية (الرومية) - أي أمريكا والغرب اليوم - حجوا قبل هدم مسجد بالعراق بين نخل وأنهار، حجوا قبل أن تقطع سدرة بالزوراء على عروق النخلة التي اجتثت ([218]) منها مريم (ع) رطباً جنياً، فعند ذلك تمنعون الحج وينقص الثمار ويجد البلاء ([219]) وتبتلون بغلاء الأسعار وجور السلطان، ويظهر فيكم الظلم والعدوان مع البلاء والوباء والجوع، وتظلكم الفتن من جميع الآفاق) ([220]).
وعن أمير المؤمنين (ع)، قال - وأشار إلى أصحاب المهدي (ع) بقوله -: (ألا بابي وأمي هم من عدة أسماؤهم في السماء معروفة وفي الأرض مجهولة، ألا فتوقعوا من إدبار أموركم وانقطاع وصلكم (انقطاع الحج) ([221])، واستعمال صغاركم، ذاك حيث تكون ضربة السيف على المؤمن أهون من درهم من حله، ذلك حيث يكون المعطى أعظم من المعطي، حيث تسكرون من غير شراب بل من النعمة والنعيم، وتحلفون من غير اضطرار، وتكذبون من غير إحراج، ذاك أذا عضكم البلاء كما يعضّ القتب غارب البعير، ما أطول هذا العناء وأبعد هذا الرجاء) ([222]).
ومنها: ابتلاء أهل العراق بجور السلطان وغلاء الأسعار، فعن محمد بن مسلم عن الصادق(ع)، قال: (إنّه قدّام القائم (ع) بلوى من الله، قلت: وما هو جعلت فداك؟ فقرأ(ع): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ ([223])، ثم قال (ع): الخوف من ملوك بني فلان([224])، والجوع من غلاء الأسعار، ونقص من الأموال من كساد التجارات، وقلة الفضل فيها ونقص الأنفس بالموت الذريع، ونقص الثمرات بقلة ريع الزرع وقلة بركة الثمار، ثم قال (ع): ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ عند ذلك بتعجيل خروج القائم (ع)) ([225]).
ومنها: إنّ حاكم العراق معروف بأنّه يمارس الكهانة، أي: تحضير الجن والسحر الأسود، وإنّه ابن بغي، أي: زانية. قال أمير المؤمنين (ع): (وأمير الناس([226]) جبار عنيد، يقال له الكاهن الساحر) ([227]). وقال الصادق (ع): (أمّا إنّ إمارتكم يومئذٍ لا تكون إلاّ لأولاد البغايا ([228])) ([229]).
ومنها: اختلاف حكّام العراق فيما بينهم، وهلاكهم على يد جيوش السفياني التي تأتي من بلاد الشام والتي تدخل العراق للقضاء على حاكم العراق. والسفياني مجنّد من الغرب أو أمريكا حسب ما ورد في الروايات.
وفي التوراة سفر دانيال: السفياني عميل للمملكة الحديدية أو أمريكا، للقضاء على ثلاثة عملاء سابقين لأمريكا في المنطقة أحدهم حاكم العراق. ثم إنّ ما يبقى من أعوان ومرتزقة حاكم العراق تقضي عليه قوّات الخراساني بقيادة شعيب بن صالح، والتي تدخل العراق لطرد قوّات السفياني، وتطهير العراق من الأراذل والمسوخ الشيطانية.
فعن الباقر(ع) : (... ثم قال: إذا اختلف بنو فلان ([230]) فيما بينهم فعند ذلك فانتظروا الفرج، وليس فرجكم إلاّ باختلاف بني فلان … حتى يخرج عليهم الخرساني والسفياني، هذا من المشرق وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان ... آما إنّهم لا يبقون منهم أحداً) ([231]).
ومنها: خسوف القمر وكسوف الشمس في رمضان، وصيحة جبرائيل في أول النهار.
ومنها: ظهور كوكب مذنب في السماء يضيء كما يضيء القمر، ثم ينعطف حتى يكاد يلتقي طرفاه.
ومنها: السفياني، وهو أهم الفتن قبل قيام القائم (ع)، وخروجه حتمي في بلاد الشام. والأرجح في الأردن في الوادي اليابس، ثم يحتل سوريا وجزء من فلسطين، ثم يدخل إلى العراق، ويظهر في بداية ظهوره العدل حتى يتوهم الناس أنّه عادل، ويكذّب الجهّال آل محمد (ع).
عن أبي حمزة الثمالي، عن الباقر (ع)، قلت: (خروج السفياني من المحتوم؟ قال: نعم، والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من مغربها من المحتوم، واختلاف بني العباس في الدولة محتوم، وقتل النفس الزكية محتوم، وخروج القائم من آل محمد (ع) محتوم. قلت: وكيف يكون النداء؟ قال: ينادي من السماء أول النهار ألا إنّ الحق مع علي وشيعته، ثم ينادي إبليس آخر النهار من الأرض ألا إنّ الحق مع عثمان وشيعته، وعند ذلك يرتاب المبطلون) ([232]).
عن الباقر (ع): (آيتان تكونان قبل القائم، كسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، وخسوف القمر في آخره) ([233]).
وعلى الشيعة عند ظهور السفياني الذهاب إلى مكة، لنصرة الإمام المهدي (ع)؛ لأنّ ظهوره وقيامه في مكة بعد هذه العلامة أكيد وقريب جدّاً، بل يكاد يتداخل معها، وقد أمرهم أئمتهم (ع) بذلك.
عن الصادق (ع): (… لا تبرح الأرض يا فضل حتى يخرج السفياني، فإذا خرج السفياني فأجيبوا إليناً. يقولها ثلاثاً، وهو من المحتوم) ([234]).
وعن الصادق (ع): (يا سدير، ألزم بيتك وكن حلساً من أحلاسه، وأسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغ أن السفياني قد خرج فادخل إلينا ولو على رجلك. قلت: جعلت فداك هل قبل ذلك شيء ؟ قال: نعم، وأشار بيده بثلاث أصابعه إلى الشام، وقال: ثلاث رايات، راية حسنية، وراية أموية، وراية قيسية. فبينما هم إذ خرج السفياني فيحصدهم حصد الزرع ما رأيت مثله قط) ([235]).
وعن الباقر (ع) : (… مع أنّ الفاسق ([236]) لو قد خرج لمكثتم شهراً أو شهرين لم يكن عليكم بأس حتى يقتل خلقاً كثيراَ دونكم، قال بعض أصحابه: فكيف نصنع بالعيال إذا كان ذلك؟ قال: يتغيب الرجل منكم عنه فأن حنقه وشرّهه فإنما هي على شيعتنا، وأمّا النساء فليس عليهن بأس إن شاء الله تعالى، قيل: فإلى أين يخرج الرجال ويهربون منه، من أراد منهم أن يخرج إلى المدينة أم إلى مكة أو إلى بعض البلدان؟ قال: ما تصنعون بالمدينة، وإنما يقصد جيش الفاسق إليها، ولكن عليكم بمكة فأنها مجمعكم، فإنما فتنته حمل امرأة تسعة أشهر لا يجوزها إن شاء الله)([237]).
ولكن للأسف لن ينفر إلى مكة لنصرة المهدي (ع) إلاّ عشرة آلاف كما ورد في الروايات، وهم أول أنصاره مع أصحابه الثلاثمائة وثلاثة عشر ([238]).
هذه هي بعض علامات ظهوره وقيامه القريبة.
وربما كانت له (ع) فترة ظهور تسبق قيامه في مكة، ربما عن طريق سفراء كما في الغيبة الصغرى. وهذا الاحتمال تقويه بعض الروايات عنهم (ع) ([239])، وربما كانت بداية بعثه وظهوره في أم القرى في هذا الزمان وهي النجف الأشرف اقتفاء بسيرة جدّه المصطفى (ص) الذي بعث في أم القرى في زمانه، وهي مكة، والله أعلم وأحكم وما أوتينا من العلم إلاّ قليلاً.
ب -أعماله بعد ظهوره وقيامه (ع):
قبل أن نتعّرض لإعماله بعد ظهوره (ع)، لابد لنا من الاطلاع على بعض الأحاديث التي تكشف واقعاً مريراً نلمسه نحن اليوم، سواء في بعض العلماء غير العاملين أم من بعض من يسمّون أنفسهم شيعة لأهل البيت (ع)، أو موالين لهم (ع). وهم في نفس الوقت لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ويداهنون الطواغيت ويخضعون لهم ويتحاكمون عندهم، بل ومع الأسف الشديد يساعدونهم في كثير من الأحيان خوفاً أو طمعاً، دون أن يلتفتوا إلى حرمة هذا العمل وبشاعته، بل أصبحوا يرونه مباحاً بعد أن نكسوا ومسخوا وأمسوا يرون المقاييس مقلوبة والمنكر معروفاً، واعتادوا عبادة العجول والأصنام والأوثان ضلالة وخوفاً وطمعاً.
ولم أجد كلاماً أصف به حال الإمام المهدي (ع) مع هؤلاء أفضل من القرآن الكريم وحديث المعصومين (ع):
قال تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي* قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً * إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ([240]).
وأرجع وأعيد حديثين مرّا في البحث للتذكير والتأكيد.
قال الإمام الصادق (ع): (لينصرن الله هذا الأمر بمن لا خلاق له، ولو قد جاء أمرنا لقد خرج منه من هو اليوم مقيم على عبادة الأوثان) ([241]).
أي: إنّ الله ينصر القائم بقوم من غير الشيعة، بل لعلهم من غير المسلمين بعد أن يؤمنوا بحركته الإسلامية الإصلاحية المحمدية الأصيلة ويشايعوه، في حين أنّ قوماً من الشيعة لا ينصرونه (ع)!!
ويؤيد هذا المعنى ما روي عن الصادق (ع) أنّه قال: (إذا خرج القائم خرج من هذا الأمر من كان يرى أنّه من أهله، ودخل فيه شبه عبدة الشمس والقمر) ([242]).
أيّها الأخوة: إذا كنّا شيعة فعلينا أن نتمسك بسيرتهم وحديثهم ونهجهم (ع)، لا أن نحمل أوزاراً من زينة القوم ونصنع منها عجلاً ونعبده، ونقول نحن شيعة.
فعن الباقر (ع): (… انظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فأن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردّوه، وإن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده وردّوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا. وإذا كنتم كما أوصيناكملم تعدوا إلى غيره، فمات منكم ميت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيداً، ومن أدرك منكم قائمنا فقتل معه كان له أجر شهيدين، ومن قتل بين يديه عدواً لنا كان له أجر عشرين شهيداً) ([243]).
وقال أمير المؤمنين (ع) في خطبة على منبر الكوفة يصف الإمام المهدي (ع) وقلّة ممن يتمسّكون بالحق قبل قيامه (ع): (اللهم وإني لأعلم أنّ العلم لا يأزر كلّه، ولا ينقطع موارده، وأنّك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك ظاهر ليس بمطاع أو خائفاً مغمور، كيلا تبطل حجتك ولا يضل أولياؤك بعد إذ هديتهم بل أين هم وكم ؟ أولئك الأقلون عدداً والأعظمون عند الله جل ذكره قدراً) ([244]).
وعن أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله (ص): طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتدٍ به قبل قيامه، يتولى وليه ويتبرأ من عدوه، ويتولى الأئمة الهادية من قبله، أولئك رفاقي وذوو ودي ومودتي وأكرم أمتي عليّ. قال رفاعة: وأكرم خلق الله عليّ ) ([245]).
وعن الصادق (ع) قال: (قال رسول الله (ص) لأصحابه: سيأتي قوم من بعدكم، الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم . قالوا: يا رسول الله نحن كنا معك ببدر وأحد وحنين، ونزل فينا القرآن!! فقال (ص): إنّكم لو تحملوا لما حملوا لم تصبروا صبرهم) ([246]).
وعلينا أن لا نميل مع كل ناعق، بل نعرف صاحب هذا الأمر بما وصفه أهل بيت النبوة (ع).
عن الحارث بن المغيرة النصري، قلت لأبي عبد الله (ع): (بأيّ شيء يعرف الإمام القائم(ع)، قال (ع): بالسكينة والوقار. قلت: وبأي شيء؟ قال: وتعرفه بالحلال والحرام، وبحاجة الناس إليه ولا يحتاج إلى أحد، ويكون عنده سلاح رسول الله (ص). قلت: أيكون وصياً ابن وصي؟ قال: لا يكون إلاّ وصياً وابن وصي) ([247]).
وعن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (لصاحب هذا الأمر غيبتان أحدهما يرجع منها إلى أهله، والأخرى يقال هلك في أي واد سلك. قلت: كيف نصنع إذا كان كذلك؟ قال: إذا ادعاها مدّع فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله) ([248]).
* * *
أعمال القائم (ع) بعد قيامه
أمّا بعض أعماله بعد ظهوره وقيامه (ع) فهي:
عن أبي عبد الله (ع): (ما تستعجلون بخروج القائم، فو الله ما لباسه إلاّ الغليظ، ولا طعامه إلاّ الجشب، وما هو إلاّ السيف والموت تحت ظل السيف) ([249]) .
وقال أبو جعفر (ع): (يقوم القائم بأمر جديد وكتاب جديد وقضاء جديد على العرب شديد. ليس شأنه إلاّ السيف، لا يستتيب أحداً ولا يأخذه في الله لَوْمة لائم) ([250]).
والسيف إشارة إلى السلاح الموجود في زمانه (ع).
روي عن الصادق (ع) قال: (كأني أنظر إلى القائم على ظهر النجف، فإذا استوى على ظهر النجف ركب فرساً أدهم أبلق) ([251]).
والأبلق: المبقع. الشمراخ: العمود الطويل. فيكون معنى الحديث: أنّه يركب دبابة، والله أعلم.
وكيف كان فإنّ الأحاديث تشير إلى أنّه يخوض حروباً طاحنة مع أعداء الدين وأعدائه (ع)، يستشهد فيها كثير من أنصاره ([252])، بل ربما يستفاد من بعض الروايات أنّ الإمام (ع) يتعرّض للإصابة والجرح في هذه الحروب ([253])، والله أعلم.
عن الباقر (ع)، قال: (إّن قائمنا إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا رسول الله (ص)، وإنَّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) ([254]).
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع)، قال: (الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، فقلت: اشرح لي هذا أصلحك الله. فقال (ع): يستأنف الداعي منّا دعاء جديداً كما دعا رسول الله (ص))([255]).
عن أبي عبد الله (ع)، قال: (يصنع ما صنع رسول الله (ص)، يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله (ص) أمر الجاهلية، ويستأنف الإسلام جديداً)([256]).
وعن ابن عطا، قال: سألت أبا جعفر الباقر (ع)، فقلت: (إذا قام القائم (ع) بأي سيرة يسير في الناس؟ فقال (ع): يهدم ما قبله كما صنع رسول الله (ص)، ويستأنف الإسلام جديداً)([257]).
وقد مرّ الحديث عن رسول الله (ص) إنّ في آخر الزمان لا يبقى من الإسلام إلاّ اسمه، ومن القرآن إلاّ رسمه، والمساجد عامرة بالناس ولكنها خالية من الهدى - أي هدى آل محمد (ع)-، وهذا هو حالنا اليوم فالمساجد مزخرفة والمصاحف محلاّة وملونة، والمسلمون أبعد ما يكونوا عن الإسلام.
عن أبي عبد الله (ع)، قال: (أما إنّ قائمنا لو قد قام لقد أخذ بني شيبه وقطع أيديهم، وطاف بهم وقال هؤلاء سرّاق الله) ([258]).
وعن أبي عبد الله (ع)، قال: ( .. وقطع أيدي بني شيبة السرّاق وعلقها على الكعبة) ([259]).
وعنه (ع): (… وقطع أيدي بني شيبة وعلقها على الكعبة وكتب عليها هؤلاء سرّاق الكعبة) ([260]).
وبنو شيبة هم خدم الكعبة في زمن الإمام الباقر (ع)، فالحديث يشير إلى خدم العتبات المقدّسة جميعها اليوم، وإنّ الإمام يقطع أيديهم ويشهّر بهم؛ لأنهم يقومون بسرقة العتبات المقدّسة، فهم في الغالب عبيد للطاغوت ولكن ليس جميعهم، فمنهم من يرجى إصلاحه ولعل منهم بعض الأفراد المؤمنين.
عن الصادق (ع)، قال: (دمّان في الإسلام حلال من الله (عز وجل) لا يقضي فيهما أحد بحكم الله (عز وجل) حتى يبعث الله القائم من أهل البيت، فيحكم فيهما بحكم الله (عز وجل) ، لا يريد فيه بينة، الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب رقبته) ([261]).
عن الصادق (ع)، قال: (لن تذهب الدنيا حتى يخرج رجل منّا أهل البيت، يحكم بحكم داود وآل داود، لا يسأل الناس بينة) ([262]).
وهذا يعني أنّ الله سبحانه يُطلع الإمام المهدي (ع) على بواطن الأمور، ويأذن له أن يحكم على الباطن، كما فعل الخضر عندما خرق السفينة وقتل الغلام، وكما روى عن داود (ع) أبو حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (ع)، قال: (إنّ داود (ع) سأل ربّه أن يريه قضية من قضايا الآخرة، فأتاه جبريل (ع) فقال: لقد سألت ربّك شيئاً ما سأله غيرك نبي من أنبيائه (صلوات الله عليهم)، يا داود إنّ الذي سألت لم يُطلع الله عليه أحداً من خلقه ولا ينبغي لأحد أن يقضي به غيره، فقد أجاب الله دعوتك وأعطاك ما سألت، إنّ أول خصمين يردان عليك غداً القضية فيهما من قضايا الآخرة.
فلما أصبح داود وجلس في مجلس القضاء أتى شيخ متعلّق بشاب ومع الشاب عنقود من عنب. فقال الشيخ: إنّ هذا الشاب دخل بستاني، وخرب كرمي وأكل منه بغير أذني. قال: فقال داود للشاب: ما تقول؟ قال: فأقر الشاب أنّه قد فعل ذلك، فأوحى الله تعالى إليه: يا داود إن كشفت لك من قضايا الآخرة فقضيت بها بين الشيخ والغلام لم يحتملها قلبك، ولا يرضى بها قومك يا داود. إنّ هذا الشيخ أقتحم على والد هذا الشاب في بستانه فقتله وغصبه بستانه وأخذ منه أربعين ألف درهم فدفنها في جانب بستانه، فادفع إلى الشاب سيفاً ومره أن يضرب عنق الشيخ، وأدفع إليه البستان ومره أن يحفر في موضع كذا من البستان فيأخذ ماله. قال: ففزع داود (ع) من ذلك، وجمع علماء أصحابه وأخبرهم بالخبر، وأمضى القضية على ما أوحى الله إليه) ([263]).
عن الإمام الصادق (ع)، قال: (أوّل ما يظهر القائم من العدل، أن ينادي مناديه أن يسلم صاحب النافلة لصاحب الفريضة الحجر والطواف) ([264]).
وهذا يعني إنّ الذي يحج الحج الواجب في زمن الإمام يمنع من الحج المستحب، حتى يحج المسلمون الذين لم يحجوا الحج الواجب، وظاهرة الحج المستحب اليوم منتشرة بين الأغنياء في حين أنّ الفقراء يكاد ييأسون من الوصول إلى بيت الله الحرام ليحجوا حجة واجبة.
فهؤلاء الأغنياء لو كانوا يريدون وجه الله سبحانه لأنفقوا هذه الأموال على الفقراء الذين يتضورون جوعاً ويموت كثير منهم؛ لأنّهم لا يجدون الدواء. ولو كانوا يريدون وجه الله لأرسلوا فقيراً يحج بيت الله بهذه الأموال.
والحقيقة التي يحاولون تدليسها إنّهم يذهبون للنزهة، كما قال أمير المؤمنين (ع) ([265])، والطامّة الكبرى أنّ بعضهم يدّعون أنّهم علماء! ولو كانوا كذلك لكانوا أسوة لمتأسي.
فعن أبي عبد الله (ع)، قال: (سيد الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك حتى لا ترضى بشيء إلاّ رضيت لهم مثله، ومواساتك الأخ في المال، وذكر الله على كل حال) ([266]).
عن الصادق (ع)، عن آبائه، عن النبي (ص)، قال: (لما أسري بي أوحى ألي ربي جل جلاله … إلى أن قال: فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة بن الحسن (القائم) في وسطهم كأنه كوكب درّي. قلت: يا ربِ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الأئمة، وهذا القائم يحلل حلالي ويحرم حرامي، وبه انتقم من أعدائي، وهو راحة لأوليائي، وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللات والعزّى طريين فيحرقهما. فلفتنة الناس بهما يومئذٍ أشدّ من فتنة العجل و السامري) ([267]).
عن بشر النبّال، عن الإمام الصادق (ع)، قال: (هل تدري أوّل ما يبدأ به القائم (ع) ؟ قلت: لا. قال: يخرج هذين رطبين غضين فيحرقهما ويذرّهما في الريح، ويكسر المسجد. ثم قال(ع): إنّ رسول الله (ص) قال: عريش كعريش موسى (ع)، وذكر إنّ مقدّم مسجد رسول الله (ص)كان طيناّ، وجانبه جريد النخل) ([268]).
وعن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا قدم القائم (ع) وثب أن يكسر الحائط الذي على القبر فيبعث الله ريحاً شديدة وصواعق ورعوداً، حتى يقول الناس إنما ذا لذا. فيتفرق أصحابه عنه حتى لا يبقى معه أحد فيأخذ المعول بيده فيكون أول من يضرب بالمعول، ثم يرجع إليه أصحابه إذا رأوه يضرب بالمعول بيده، فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم على بعض بقدر سبقهم إليه. فيهدمون الحائط ثم يخرجهما غضين رطبين، فيلعنهما ويتبرأ منهما ويصلبهما، ثم ينزلهما ويحرقهما ثم يذرهما في الريح) ([269]).
قال رجل عن دور العباسين: أراناها الله خراباً أو خربها بأيدينا، فقال أبو عبد الله (ع): (لا تقل هكذا، بل يكون مساكن القائم وأصحابه، آما سمعت الله يقول: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ([270]).
عن ابن بكير، قال: سألت أبا الحسن (ع) عن قوله: (﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ([271])، قال (ع): أنزلت في القائم (ع) إذا خرج باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردّة والكفار في شرق الأرض وغربها، فعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم طوعاً أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم، ويجب لله عليه. ومن لم يسلم ضرب عنقه، حتى لا يبقى في المشارق والمغارب أحد إلاّ وحد الله. قلت له: جعلت فداك إنّ الخلق أكثر من ذلك؟ فقال: إنّ الله إذا أراد أمراً قلل الكثير وكثر القليل) ([272]).
عن الصادق (ع)، قال: (العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين. فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً، فبثها في الناس وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبع وعشرين حرفاً) ([273]).
أي إنّ الإمام المهدي (ع) يبث علوماً إلهيةً جديدة بين الناس، ولعل منها أسرار القرآن التي لا نكاد نعرف منها شيئاً. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ ([274]).
وروي أنّ أصحاب الإمام (ع) يمشون على الماء ([275])، وإنّ أحدهم لو قاتل الجبال بإيمانه لهدّها.
وروي أنّه (ع) يرقى في أسباب السماوات ([276])، والله أعلم.
وربما يرافق هذا التقدّم في العلوم الإلهية والروحية تقدّم في العلوم المادية، بل ما أظنه إنّ التقدّم المادي يرافق التوجه والتقدم الروحي حتماً، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ([277]). وقال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ ([278]).
وروي أنّ العالم الفيزياوي اينشتاين اليهودي الديانة استقى نظريته النسبية، والعلاقة بين الطاقة والمادة، وتحول كل منهما إلى الأخرى من نظرية وحدة الوجود الدينية الفلسفية.
قال أمير المؤمنين(ع) : (كأني أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة قد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما أنزل، أما أن قائمنا إذا قام كسره وسوّى قبلته) ([279]).
وعن الصادق (ع)، قال: (كأني بشيعة علي في أيديهم المثاني يعلمون الناس المستأنف) ([280]).
عن الأصبغ بن نباته: سمعت علياً (ع) يقول: (كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة، يعلمون الناس القرآن كما أنزل. قلت: يا أمير المؤمنين أو ليس هو كما أنزل؟ فقال: لا، محي منه سبعون، من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبو لهب إلاّ إزراء على رسول الله (ص)؛لأنّه عمه) ([281]).
وعن الصادق (ع)، قال: (كيف أنتم لو ضرب أصحاب القائم الفساطيط في مسجد كوفان، ثم يخرجوا إليهم المثال المستأنف أمر جديد على العرب شديد) ([282]).
وعن أبي جعفر، قال: (إذا قام قائم آل محمد (ع) ضرب فساطيط لمن يعلم القرآن على ما أنزل الله جل جلاله فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم؛ لأنّه يخالف فيه التأليف) ([283]).
وعن الصادق (ع): (كأني أنظر إلى القائم على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، عدّة أهل بدر وهم أصحاب الألوية، وهم حكّام الله في أرضه على خلقه، حتى يستخرج من قبائه كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب عهد معهود من رسول الله (ص)، فيجفلون عنة إجفال الغنم البكم، فلا يبقى منهم إلاّ الوزير وأحد عشر نقيباً، كما بقوا مع موسى بن عمران(ع)، فيجولون في الأرض فلا يجدون عنه مذهباً فيرجعون إليه. وإني لأعرف الكلام الذي يقوله لهم فيكفرون به) ([284]).
وعن بن أبي يعفور، قال: (دخلت على أبي عبد الله (ع) وعند نفر من أصحابه، فقال لي: يابن أبي يعفور هل قرأت القرآن؟ قال: قلت: نعم هذه القراءة. قال (ع): عنها سألتك ليس عن غيرها. قال: فقلت: نعم، جعلت فداك، ولم؟ قال (ع): لأنّ موسى (ع) حدث قومه بحديث لم يحتملوه عنه فخرجوا عليه بمصر فقاتلوه فقاتلهم فقتلهم، ولأنّ عيسى (ع) حدث قومه بحديث فلم يحتملوه عنه فخرجوا عليه بتكريت فقاتلوه فقاتلهم وقتلهم، وهو قول الله (عز وجل): ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ([285]). وإن أول قائم يقوم منا أهل البيت يحدثكم بحديث لا تحتملونه، فتخرجون عليه برميلة الدسكرة، فتقاتلونه فيقاتلكم فيقتلكم. وهي آخر خارجه تكون … الخبر) ([286]).
بيان من المجلسي(رحمه الله): (قوله - ولم - أي ولِمَ لمْ تسألني غير تلك القراءة، وهي المنزلة التي ينبغي أن يعلم، فأجاب (ع): بأنّ القوم لا يحتملون تغير القرآن ولا يقبلونه، وأستشهد بما ذكر) ([287]).
وعن أمير المؤمنين (ع)، قال: (يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى. ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي) ([288]).
وعن الصادق (ع): (إنّ أصحاب موسى ابتلوا بنهر، وهو قول الله (عز وجل): ﴿إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾ وإنّ أصحاب القائم يبتلون بمثل ذلك) ([289]).
عن الصادق (ع) قال: (القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، ومسجد الرسول (ع) إلى أساسه، ويرد البيت إلى موضعه، وأقامه إلى أساسه وقطع أيدي بني شيبة السرّاق وعلقها على الكعبة) ([290]).
وعن أبي بصير في حديث اختصره الشيخ الطوسي، قال: (إذا قام القائم (ع) دخل الكوفة وأمر بهدم المساجد الأربعة، حتى يبلغ أساسها ويصيرها عريش كعريش موسى (ع)، وتكون المساجد كلها جماء لا شرف لها كما كانت على عهد رسول الله (ص) … ) ([291]).
وعن أبي محمد العسكري (ع)، قال: (إذا قام القائم أمر بهدم المنار والمقاصير([292]) التي في المساجد. فقلت في نفسي: لأي معنى هذا ؟ فاقبل عليّ فقال (ع): معنى هذا أنها محدثة مبتدعة،
لم يبنها نبي ولا حجة) ([293]).
وعن الصادق (ع): (إذا قام القائم هدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، وحوّل المقام إلى الموضع الذي كان فيه، وقطع أيدي بني شيبه وعلقها على الكعبة وكتب عليها: هؤلاء سرّاق الكعبة) ([294]).
عن الأصبغ قال: قال أمير المؤمنين (ع) في حديث له حتى انتهى إلى مسجد الكوفة وكان مبنياً بخزف ودنان وطين، فقال: (ويل لمن هدمك، وويل لمن سهل هدمك، وويل لبانيك بالمطبوخ المغير قبلة نوح. طوبى لمن شهد هدمك مع قائم أهل بيتي، أولئك خيار الأمة مع أبرار العترة) ([295]).
وسئل أبو عبد الله (ع) عن المساجد المظللة: أيكره الصلاة فيها ؟ فقال: (نعم، ولكن لا يضركم اليوم، ولو قد كان العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك) ([296]).
وعن عمرو بن جميع، قال: سألت أبا جعفر (ع) عن الصلاة في المساجد المصورة. فقال(ع): (أكره ذلك، ولكن لا يضركم اليوم، ولو قد قام العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك) ([297]).
والأحاديث تشير إلى أنّ الإمام المهدي (ع) يعيد المساجد إلى بساطتها في عهد رسول الله (ص)، لتشد الناس إلى الانقطاع إلى الله. فيرفع الزخرفة والصور منها، وربما يفتح سقوفها إلى السماء. فالذي يهم أهل الدنيا الزخرفة والزينة والراحة والتبريد والتدفئة والترف، والذي يهم الأنبياء والأوصياء (ع)التوجه إلى الله والانقطاع إلى الله لا إلى الدنيا وزخرفها مع اهتمام الأنبياء والأوصياء بإعمار الأرض وترفيه الناس اقتصادياً.
عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إنّ قائمنا إذا قام استقبل من جهلة الناس أشد مما استقبل رسول الله (ص) من جهّال الجاهلية. فقلت: وكيف ذلك؟ قال: إنّ رسول الله (ص) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وإنّ قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم يتأول عليه كتاب الله ويحتج عليه به. ثم قال (ع): أما والله ليدخلن عليهم عدله، أما والله ليدخلن عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقر) ([298]).
الذين يتأولون علية القرآن ليس عامّة الناس قطعاً ولكن هؤلاء علماء غير عاملين يظنون أنّهم بتحصيلهم للقواعد الاستقرائية والعقلية قد أحاطوا بالعلم كلّه، فهم لا يرون شيئاً من العلم عند من سواهم. وهذا التكبّر يمنعهم من الانقياد للإمام المعصوم (ع) وقبول علومه الإلهية، فيردون عليه ويتأولون القرآن عليه، ويتهمونه بالجهل وربما بالسحر والجنون. التهمتان اللتان لا تكادان تفارقان نبياً من الأنبياء (ع).
ومن هنا فإنّ علم الإمام (ع) وحده لا يعالج فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين؛ لأنّهم لا يسلّمون له ولا يقبلون علومه، كما هو واضح في الرواية. فيكون العلاج هو فضح هؤلاء العلماء غير العاملين على رؤوس الأشهاد وبين عامّة الناس كما فعل رسول الله (ص) وعيسى (ع) مع علماء اليهود. وعندما يرى الناس عدالة الإمام (ع) سواء في الأمور المالية كقسمة أموال الصدقات بين الفقراء بالسوية وزهده (ع) في ملبسه ومأكله ومشربه، أم باهتمامه بأحوال المجتمع الإسلامي وإخلاصه في العمل لله سبحانه، ثم يقارن الناس سيرة هذا الإمام العادل المهدي (ع) بسيرة أولئك العلماء غير العاملين، فهم على سبيل المثال يأتيهم مسكين أطفاله جياع ثيابهم مقطعة يطلب منهم دراهم ليسد رمقه فيقولون له: ائتنا بمعرِّف لكي نعطيك! بربكم هل سمعتم أو قرأتم أنّ محمداً (ع) أو علياً (ع) أو أحد الأئمة قال لفقير ائتني بمعرف لكي أعطيك ؟!
ثم أين هم هؤلاء المعرّفون ؟ وكم هم ؟ ومن أين لهذا المسكين بأحدهم ؟! والحال أنّ طلبة الحوزة العلمية يحتاجون إلى سلسلة معرفين، بل إنّ المتقي من طلبة الحوزة لا يهتدي إلى سبيل ليعرف نفسه عنده؛ لأنّ معظم المعرفين متكبرون وفسقة ومستأثرون، ومن اتصل بهم بأموال الصدقات. والضلالة لا تجتمع مع الهدى، فلا يهتدي في الغالب إلى هؤلاء المعرفين إلاّ متملق أو خسيس طالب دنيا، والطيور على أشكالها تقع. فبربكم كيف أمسى الخسيس الوضيع يعرف التقي الشريف؟ وكيف أمسى الذئب راعياً للغنم؟ وكيف أمسى ابن آوى المؤتمن؟ وكيف أمسى الجاهل السفيه يعرف العالم الفقيه ؟! أ الله أذن لكم بهذا أم على الله تفترون ؟!
بربكم هذه هي سيرة السجاد (ع)، الذي كان يحمل الطعام في ظلام الليل ويدسه تحت رأس المؤالف والمخالف، أم هي سيرة محمد (ص) والأئمة (ع) الذين كانوا يعطون حتى المؤلفة قلوبهم وكانوا يرحمون الفقراء واليتامى، وربما سقطت الدمعة من عيني علي (ع) قبل أن تسقط من عين أرملة أو يتيم، وربما خرجت الزفرة والحسرة من صدر محمد (ص) قبل صدر الفقير.كان محمد (ص) وعلي (ع) والأئمة يجوعون ليشبع الفقراء، ويعطون البعيد قبل القريب.  
لقد انتشر الإسلام بأخلاق هؤلاء القادة العظام لا بالمصطلحات الفلسفية. عندما جاءت الخلافة للإمام علي (ع) أول ما قام به هو التسوية في العطاء، وإلقاء دواوين التمييز التي أجراها من كان قبله، ولهذا ثارت ثائرة القوم عليه وانتفض طلحة والزبير وأشباههما.
أمّا أنتم اليوم فقد أعدتم دواوين التمييز، وأعدتموها عثمانية تغدقون على من يعبدكم من دون الله، وآثرتم هذا بزعمكم لعلمه وفضلتم فلان بادعائكم لفضله، وهذا وفلان لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر. ومن جهة أخرى تمنعون الأرملة؛ لأنها مجهولة الحال، واليتيم لأنّه بلا معرّف وتقتّرون على معظم طلبة الحوزة، بل وتمنعون من لا يواكب مسيرتكم المخزية سواء العلمية أم العملية التي من أجلى مظاهر انحرافها هو الابتعاد عن كتاب الله ودراسته ومدارسته. وإهمالكم إرشاد الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واستسلامكم للدعة والراحة حتى أمسيتم قوماً مترفين لا تتحملون حرارة الشمس فضلاً عن شظف العيش، وأذى الطواغيت في سبيل إعلاء كلمة لا اله إلاّ الله.
ورد في بعض الروايات التي تصف معركة يخوضها المهدي (ع) لفتح مدينة النجف وتطهيرها من المنافقين الذين سيقفون ضده ويقاتلونه، أنّ أصحاب الإمام المهدي (ع) يحوطون به وثيابهم ممزقة ! نعم ممزقة؛ لأنّهم لا يشترون ثياباً بأموال الأرملة واليتيم والمريض.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع)، قال في قول الله (عز وجل): ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ   وَالْغَاوُونَ﴾ ([299]). قال (ع): (هم قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره) ([300]).    
وعن خيثمة، قال: قال لي أبو جعفر (ع): (أبلغ شيعتنا أن لن ينال ما عند الله إلاّ بعمل، وأبلغ شيعتنا إنّ أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثم يخالفه إلى غيره) ([301]).
وعن أبي عبد الله (ع)، قال: (أتقو الله واعدلوا فأنكم تعيبون على قوم لا يعدلون) ([302]).
وعن أمير المؤمنين (ع)، قال: (ألا إنّه من ينصف الناس من نفسه لم يزده الله إلاّ عزّاً)([303]).
بربكم بقي شيء نميزكم به عن الطواغيت المتسلطين على الأمة الإسلامية؟ أنتم وهم تغدقون على من يعبدكم من دون الله ويبيع آخرته بدنياكم وتتركون الفقراء والمساكين يتضورون جوعاً، والمرضى يعانون الآلام حتى الموت. أنتم وهم تأمرون بالمنكر فهم المطرقة وأنتم السندان، هم يهينون كتاب الله وأنتم تستقبلون فعلتهم الشنيعة بصمت وهدوء خبيث ([304]).
فالويل لكم، تدّعون أنكم شيعة علي (ع) وتخالفونه، كلا ثم كلا. أنتم شيعة عثمان؛ لأنكم توافقونه، وعلي يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين، ويكفيكم هذا التفاوت، وكل أناء بالذي فيه ينضح.
أنتم قادة عميان، أجل أنتم قادة عميان، وأعمى منكم من يسير خلفكم، وحسبنا الله ونعم الوكيل وإلى الله المشتكى. فليس كلما يعرف يقال، وليس كل ما يقال حان وقته، وليس كل ما حان وقته حضر أهله.
قال أبي الحسن الثالث (ع): (إذا رفع علمكم من بين أظهركم فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم) ([305]).
فالفرج قريب إنّ شاء الله، والحمد لله الذي يؤمن الخائفين، وينجي الصالحين، ويرفع المستضعفين، ويضع المستكبرين، ويهلك ملوكاً ويستخلف آخرين.
والحمد لله قاصم الجبارين، مبير الظالمين، مدرك الهاربين، نكال الظالمين، صريخ المستصرخين، موضع حاجات الطالبين، معتمد المؤمنين.
الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها، وترجف الأرض وعمارها، وتموج الجبال ومن يسبح في غمراتها.

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ([306]).
* * *
والحمد لله رب العالمين

الهوامش
[1]- البقرة :256.
[2]- الشعراء :10 ـ 15.
[3]- الكافي: ج1 ص338.
[4]- الكهف : 18.
[5]- أمالي الصدوق: ص93.
[6]- فاطر : 22 - 25.
[7]- آل عمران : 159.
[8]- شجرة جمرها شديد الحرارة ويبقى فترة طويلة لا ينطفئ.
[9]- بصائر الدرجات: ص104، بحار الأنوار: ج52 ص124، مكيال المكارم : ج1 ص346.
[10]- الكهف : 18.
[11]- القمر : 10.
[12]- قارب ورد: يقال لطالب الماء ليلاً، ولا يقال لمن طلبه بالنهار.
[13]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج3 ص21.
[14]- يشير (ع) إلى ما فعله الطاغية صدام حسين حاكم العراق لعنه الله وأخزاه، حيث إنّه نجس القرآن الكريم، وذلك حينما كتب القرآن بدّمه النجس القذر. فلم يدافع المسلمون عن حرمة قرآنهم، كما لم يدافع العلماء عن حرمة القرآن الكريم الذي جعله الله تعالى هادياً للأمة ويمثل هويتهم الإسلامية، فانسلخوا عن مسؤوليتهم خوفاً من شوكة الطاغية الملعون، سواء في ذلك علماء السنة أم علماء الشيعة، فلم يعترض أحد منهم على هذه الجناية العظيمة بحق القرآن، بل أصبحوا لا يرغبون فيمن يعترض على ذلك!! فلم يقف أحد يدافع عن القرآن إلاّ السيد أحمد الحسن (ع) .... وأنزل بياناً في ذلك، وكان بتاريخ:20 / جمادي الأول / 1425هـ . ق، مما جعل علماء السوء الذين يلهثون خلف الدنيا يبتعدون عنه أبعدهم الله عن رضوانه، بل طرده بعضهم كما ذكر (ع) ذلك في كتاب الجواب المنير الجزء الثاني في جواب السؤال الثالث والعشرين من قسم الأسئلة العقائدية.
[15]- روى ابن شهر آشوب في المناقب: عن مقاتل، عن زين العابدين (ع)، عن أبيه الحسين (ع): (إنّ امرأة ملك بني إسرائيل كبرت وأرادت أن تزوج بنتها للملك فاستشار الملك يحيى بن زكريا فنهاه عن ذلك، فعرفت المرأة ذلك وزينت بنتها وبعثتها إلى الملك فذهبت ولعبت بين يديه، فقال لها الملك: ما حاجتك؟ قالت: رأس يحيى بن زكريا، فقال الملك: يا بنية حاجة غير هذه، قالت: ما أريد غيره، وكان الملك إذا كذب فيهم عزل عن ملكه فخير بين ملكه وبين قتل يحيى فقتله، ثم بعث برأسه إليها في طشت من ذهب فأمرت الأرض فأخذتها، وسلط الله عليهم بخت نصر فجعل يرمي عليهم بالمجانيق ولا تعمل شيئاً، فخرجت عليه عجوز من المدينة فقالت: أيها الملك إنّ هذه مدينة الأنبياء لا ننفتح إلاّ بما أدلك عليه، قال: لك ما سألت، قالت: ارمها بالخبث والعذرة، ففعل فتقطعت فدخلها فقال: عليّ بالعجوز، فقال لها: ما حاجتك؟ قالت: في المدينة دم يغلي فاقتل عليه حتى يسكن، فقتل عليه سبعين ألفاً حتى سكن، يا ولدي يا علي والله لا يسكن دمي حتى يبعث المهدي الله فيقتل على دمي من المنافقين الكفرة الفسقة سبعين ألفاً) مناقب آل أبي طالب: ج3 ص237.
[16]- النساء : 77 - 78.
[17] - بحار الأنوار: ج2 ص39، منية المريد: ص141، سنن الدارمي: ج1 ص103، الدر المنثور: ج2 ص29.
[18]- الفرقان :30.
[19]- الرعد : 1.
[20]- المائدة :100.
[21]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده : ج1 ص36.
[22]- قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): (أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها، واصطلحوا على حبها، ومن عشق شيئاً أعشى بصره وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة ويسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله وأماتت الدنيا قلبه، وولهت عليها نفسه، فهو عبد لها، ولمن في يده شيء منها، حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها. ولا يزدجر من الله بزاجر، ولا يتعظ منه بواعظ) نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج1 ص 211.
[23]- البقرة : 17.
[24]- العنكبوت : 1 - 6.
[25]- الفتح : 23.
[26]- الانشقاق : 19.
[27]- تفسير العياشي: ج1 ص304، تفسير الصافي: ج2 ص26، بحار الأنوار: ج13 ص180.
[28]- تفسير العياشي: ج2 ص303، غيبة النعماني: ص337، بحار الأنوار: ج52 ص 366.
[29]- غيبة النعماني: ص236 باختلاف يسير جداً، بحار الأنوار: ج52 ص353.
[30]- غيبة النعماني: ص238، بحار الأنوار: ج52 ص 354.
[31]- غيبة النعماني: ص336، بحار الأنوار: ج52 ص366.
[32]- راجع : مسند أحمد: ج1 ص47، 55، وج6 ص67، صحيح البخاري: ج8 ص25،26،113، صحيح مسلم: ج5 ص116، سنن ابن ماجة: ج2 ص853، سنن أبي داوود: ج2 ص343، عمدة القاري للعيني: ج24 ص247، البرهان للزركشي: ج2 ص36، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: ج2 ص69، سنن الدارمي: ج1 ص318، ومن مصادر الشيعة راجع : الكافي: ج2 ص634، مختصر البصائر: ص275 ،213، غيبة النعماني: ص333، دلائل الإمامة: ص 106، المسائل السروية : ص79، بحار الأنوار: ج23 ص200، وغيرها.
[33]- الحجر : 9.
[34]- فصّلت : 42.
[35]- روى أحمد بن خالد البرقي: عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (كل شيء مردود إلى كتاب الله والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف)، وعن كليب بن معاوية الأسدي، عن أبي عبد الله (ع) قال: (ما أتاكم عنا من حديث لا يصدقه كتاب الله فهو باطل)، وعن ابن أبي عمير، عن الهشامين جميعاً وغيرهما، قال: خطب النبي (ص) فقال: (أيّها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف القرآن فلم أقله)، وعن أيوب، عن أبي عبد الله (ع)قال: قال رسول الله (ص): (إذا حدثتم عنى بالحديث فأنحلوني أهنأه وأسهله و أرشده فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وان لم يوافق كتاب الله فلم أقله) المحاسن لأحمد بن محمد بن خالد البرقي: ج1 ص220.
[36]- مسند أحمد: ج1 ص7، سنن ابن ماجة: ج1 ص49، فضائل الصحابة: ص46 وفيه : رطباً بدل غضاً. المستدرك للحاكم: ج2 ص227، السنن الكبرى: ج1 ص452، مجمع الزوائد: ج9 ص287، وغيرها.
[37]- مسند أحمد: ج6 ص414، فتح الباري: ج9 ص44، تاريخ دمشق: ج33 ص138، سير أعلام النبلاء: ج1 ص486.
ومسألة تعريض ابن مسعود بالقراءة المعتمدة في جمع القران رويت حتى في صحيح البخاري: عن شقيق بن سلمة قال: (خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم، قال شقيق: فجلست في الحلق اسمع ما يقولون فما سمعت راداً يقول غير ذلك) صحيح البخاري: ج 6 ص 102 باب القرّاء ... .
[38]- مسند أبي داوود الطيالسي: ص54، تفسير ابن كثير: ج1 ص433، الطبقات الكبرى: ج2 ص342.
[39]- أخرج البخاري ومسلم بإسنادهما: عن ابن عباس، قال: خطب عمر بن الخطاب خطبته بعد مرجعه من آخر حجة حجها، قال فيها: إنّ الله بعث محمداً (ص) بالحق وانزل عليه الكتاب فكان مما انزل عليه الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فلذا رجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده . فأخشى إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة انزلها الله. مسند أحمد: ج1 ص55، صحيح البخاري: ج8 ص25، صحيح مسلم: ج5 ص116، سنن ابن ماجة: ج2 ص853، سنن أبي داوود: ج2 ص343، وغيرها.
وأخرج الصنعاني في المصنف : عن ابن عباس، قال: أمر عمر بن الخطاب منادياً، فنادى: أن الصلاة جامعة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : يا أيها الناس لا تجزعن من آية الرجم فإنها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها، ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد... المصنف: ج7 ص33، كنز العمال: ج5 ص431، الدر المنثور: ج5 ص179.
وروى البخاري : عن عمر قال: (لولا أن يقول الناس إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي) صحيح البخاري : ج8 ص113، عمدة القاري للعيني: ج24 ص247. وهذا يعني أنّ عمر يقول بنقص القرآن، لعدم وجود آية الرجم فيه، ولا يقال كلامه كان في نسخ التلاوة ؛ لأنه يريد أن يكتبها ولكن يخاف من قول الناس. ولذا قال الزركشي في كتابه البرهان أنّ ظاهر قوله: (لولا أن يقول الناس ....الخ، إنّ كتابتها جائزة، وإنما منعه قول الناس، والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه فإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة؛ لأنّ هذا شأن المكتوب) البرهان للزركشي: ج2 ص36، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: ج2 ص69. وروى أحمد والبخاري: عن عمر، قال : إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: (إن لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفربكم أن ترغبوا عن آبائكم. أو أن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم ..) مسند أحمد: ج1 ص47، صحيح البخاري: ج8 ص26.
وهذا معناه أنّ عمر يقول بنقص آيات القرآن التي أُنزلت على الحبيب محمد (ص).
وفي صحيح مسلم: ج3 ص100، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا: ... عن سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن داود، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، قال: (بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها، لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها، يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة).
صحيح مسلم: ج2 ص112، باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر : عن زيد بن أسلم، عن القعقاع، بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة، أنه قال: (أمرتني عائشة أن اكتب لها مصحفاً، وقالت : إذا بلغت هذه الآية فأذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، فلما بلغتها آذنتها فأملت عليّ : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين، قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وفي صحيح ابن حبان: ج10 ص273، والمستدرك للحاكم النيسابوري: ج2 ص415 : ( ... عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال : كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وفي صحيح ابن حبان: ج10 ص274، عن زر بن حبيش، قال: (لقيت أبي بن كعب فقلت له: إن بن مسعود كان يحك المعوذتين من المصاحف ويقول إنهما ليستا من القرآن فلا تجعلوا فيه ما ليس منه، قال: أبي قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لنا: فنحن نقول كم تعدون سورة الأحزاب من آية؟ قال: قلت: ثلاثا وسبعين، قال أبي: والذي يحلف به إن كانت لتعدل سورة البقرة ولقد قرأنا فيها آية الرجم الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم).
وفي مجمع الزوائد للهيثمي: ج7 ص28، سورة براءة: عن حذيفة قال: (التي تسمون سورة التوبة هي سورة العذاب وما يقرؤون منها مما كنا نقرأ إلا ربعها) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.
وفي المستدرك للحاكم النيسابوري: ج2 ص330 – 331، عن حذيفة رضي الله عنه، قال: (ما تقرؤن ربعها يعنى براءة وإنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب) هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وغير ذلك أحاديث كثيرة يضيق المقام عن استقصائها.
[40]- روى الصفار في بصائر الدرجات: عن سالم بن أبي سلمة، قال: قرأ رجل على أبى عبد الله (ع) وأنا اسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأها الناس، فقال أبو عبد الله(ع) : (مه مه، كف عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام فقرأ كتاب الله على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي (ع) ، وقال: أخرجه علي (ع) إلى الناس حيث فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله كما أُنزل الله على محمد، وقد جمعته بين اللوحين، قالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، قال: أمّا والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً إنما كان عليّ أن أخبركم به حين جمعته لتقرؤه) بصائر الدرجات: ص213، مستدرك الوسائل: ج4 ص226، بحار الأنوار: ج89 ص88.
[41]- جاءت هذه الكلمة في بعض نسخ المسائل السرورية.
[42]- كذا جاء في المسائل السرورية: ص79، وفي بحار الأنوار: ج89 ص47، وفي تفسير العياشي: ج1 ص13، عن داود بن فرقد عمن أخبره، عن أبي عبد الله (ع)، قال: (لو قد قرء القرآن كما أُنزل لألفيتنا فيه مسمين ـ ثم ذكر بعده حديثاً فقال: وقال سعيد بن الحسين الكندي عن أبي جعفر (ع) بعد مسمين: (كما سمى من قبلنا) وعنه : بحار الأنوار: ج89 ص55.
[43]- كذا في المسائل السرورية: ص79، وفي تفسير العياشي: ج1 ص9 : عن أبي الجارود، قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: (نزل القرآن على أربعة أرباع ربع فينا، وربع في عدونا، وربع في فرايض وأحكام، وربع سنن وأمثال، ولنا كرائم القرآن)، ورواه فرات ابن إبراهيم، عن الأصبغ بن نباته، عن أمير المؤمنين علي (ع) بهذا اللفظ: (القرآن أربعة أرباع، ربع فينا وربع في عدونا، وربع فرائض وأحكام، وربع حلال وحرام، ولنا كرائم القرآن) تفسير فرات الكوفي: ص46، كما ورواه القاضي النعمان المغربي عن أمير المؤمنين (ع) بهذا اللفظ : (نزل القرآن أرباعاً، ربعاً فينا، وربعاً في عدونا، وربعاً سيرة وأمثال، وربعاً فرائض وأحكام، لنا عزائم القرآن) شرح الأخبار: ج3 ص11.
[44]- بحار الأنوار: ج89 ص74.
[45]- مسند أحمد: ج1 ص7، سنن ابن ماجة: ج1 ص49، فضائل الصحابة: ص46، وفيه: رطباً بدل غضاً. مستدرك الحاكم: ج2 ص227، السنن الكبرى: ج1 ص452، مجمع الزوائد: ج9 ص287، وغيرها.
[46]- الانشقاق : 19.
[47]- مسند أحمد: ج5 ص340، سنن الترمذي: ج3 ص321، مستدرك الحاكم: ج4 ص445، مجمع الزوائد :ج7 ص261، تحفة الأحوذي: ج6 ص339، وغيرها، وأمّا ما رواه الخاصة، فلاحظ: اليقين لابن طاووس: ص339،علل الشرايع: ج1 ص245، كمال الدين: ص481، الاحتجاج: ج1 ص151، غاية المرام: ج2 ص120و ج6 ص179، بحار الأنوار: ج22 ص387، وغيرها.
[48]- روى الشيخ الكليني: عن زرارة، عن أبي جعفر (ع) في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ﴾، قال: (يا زرارة، أو لم تركب هذه الأمة بعد نبيها طبقاً عن طبق في أمر فلان وفلان وفلان) الكافي: ج1 ص415.
[49]- روى الكليني والصفار: عن أبي بصير، عن أبي جعفر(ع) أنّه قرأ هذه الآية: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، ثم قال: (يا أبا محمد، والله ما قال بين دفتي المصحف، قلت: من هم جعلت فداك؟ قال : من عسى أن يكونوا غيرنا؟) الكافي: ج1ص214، بصائر الدرجات: ص225، وسائل الشيعة طبعة آل البيت (ع): ج27 ص180، بحار الأنوار: ج 23 ص201. وعن جابر، قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: (ما من أحد من الناس يقول إنّه جمع القرآن كله كما أُنزل الله إلاّ كذّاب، وما جمعه وما حفظه كما أنزل الله إلاّ علي بن أبي طالب و الأئمة من بعده) بصائر الدرجات: ص213، عنه بحار الأنوار: ج89 ص88.
[50]- فصلت : 42.
[51]- ذكر السيوطي في كتاب الإتقان في علوم القرآن: عن الدير عاقولي في فوائده، حدثنا إبراهيم بن يسار، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد، عن زيد بن ثابت، قال: قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع في شيء. قال الخطابي : إنما لم يجمع صلى الله عليه وسلم القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر. ج1ص160.
وفيه أيضاً : عن ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال : أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد - وكان الناس يأتون زيد بن ثابت - فكان لا يكتب آية الا بشاهدي عدل، وان آخر سورة براءة لم يوجد إلا مع أبي خزيمة بن ثابت، فقال: اكتبوها فان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب. وان عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده. ج1ص163.
وروى البخاري: عن زيد ابن ثابت رضي الله عنه، قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، واني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله (ص)، قال عمر : هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد : قال أبو بكر : انك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله (ص) فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله(ص)؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبى بكر وعمر رضي الله عنهما فتتبعت القرآن اجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه. صحيح البخاري: ج6 ص98، وراجع : فتح الباري لابن حجر: ج9 ص13 باب جمع القرآن، البيان في تفسير القرآن للخوئي، القرآن في الإسلام وتفسير الميزان : ج12 للطباطبائي، بحوث في تاريخ القرآن وعلومه لمير محمدي زرندي، تدوين القرآن للكوراني، وغيرها.
[52]- بصائر الدرجات: ص213، مستدرك الوسائل: ج4 ص226، بحار الأنوار: ج89 ص88، أصول الكافي: ج2 ص633.
[53]- روى الشيخ الصدوق في الأمالي: عن أبي عبد الله الصادق (ع)، قال: (كان إبليس (لعنه الله) يخترق السماوات السبع، فلما ولد عيسى (ع) حجب عن ثلاث سماوات، وكان يخترق أربع سماوات، فلما ولد رسول الله (ص) حجب عن السبع كلها، ورميت الشياطين بالنجوم، وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتب يذكرونه، وقال عمرو بن أمية، وكان من أزجر أهل الجاهلية : انظروا هذه النجوم التي يهتدى بها، ويعرف بها أزمان الشتاء والصيف، فإن كان رمي بها فهو هلاك كل شيء، وإن كانت ثبتت ورمي بغيرها فهو أمر حدث. وأصبحت الأصنام كلها صبيحة مولد النبي (ص) ليس منها صنم إلا وهو منكب على وجهه، وارتجس في تلك الليلة إيوان كسرى، وسقطت منه أربعة عشر شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة، وخمدت نيران فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأي المؤبذان في تلك الليلة في المنام إبلا صعابا تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانسربت في بلادهم، وانقصم طاق الملك كسرى من وسطه، وانخرقت عليه دجلة العوراء، وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطار حتى بلغ المشرق، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوساً، والملك مخرساً لا يتكلم يومه ذلك، وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة، ولم تبق كاهنة في العرب إلا حجبت عن صاحبها، وعظمت قريش في العرب، وسموا آل الله عز وجل). قال أبو عبد الله الصادق (ع): (إنما سموا آل الله عز وجل لأنهم في بيت الله الحرام . وقالت آمنة : إن ابني والله سقط فاتقى الأرض بيده، ثم رفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج مني نور أضاء له كل شئ، وسمعت في الضوء قائلا يقول: إنك قد ولدت سيد الناس فسميه محمداً، وأتي به عبد المطلب لينظر إليه وقد بلغه ما قالت أمه، فأخذ فوضعه في حجره، ثم قال:
الحمد لله الذي أعطاني      هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان
ثم عوذه بأركان الكعبة، وقال فيه أشعارا . قال: وصاح إبليس (لعنه الله) في أبالسته، فاجتمعوا إليه، فقالوا: ما الذي أفزعك يا سيدنا؟ فقال لهم: ويلكم، لقد أنكرت السماء والأرض منذ الليلة، لقد حدث في الأرض حدث عظيم ما حدث مثله منذ رفع عيسى بن مريم، فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث، فافترقوا ثم اجتمعوا إليه، فقالوا: ما وجدنا شيئاً، فقال إبليس: أنا لهذا الامر . ثم انغمس في الدنيا، فجالها حتى انتهى إلى الحرم، فوجد الحرم محفوفاً بالملائكة فذهب ليدخل، فصاحوا به فرجع، ثم صار مثل الصر - وهو العصفور - فدخل من قبل حراء، فقال له جبرئيل: وراءك لعنك الله. فقال له : حرف أسألك عنه يا جبرئيل، ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الأرض؟ فقال له: ولد محمد (ص). فقال له: هل لي فيه نصيب؟ قال: لا. قال: ففي أمته؟ قال : نعم . قال : رضيت) أمالي الشيخ الصدوق : ص 360.
[54]- راجع الكافي للحلبي: ص76، الاقتصاد للشيخ الطوسي: ص179، بحار الأنوار: ج17 ص363 باب معجزات النبي(ص)، صحيح البخاري: ج4 ص186.
[55]- الرعد : 31.
[56]- روى الشيخ الكليني: عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) قال: (لو قرأت الحمد على ميت سبعين مرة ثم ردت فيه الروح ما كان ذلك عجباً) الكافي: ج2 ص623، الدعوات لقطب الدين الراوندي: ص188.
[57]- روى الشيخ النعماني في الغيبة: عن عبد الله بن حماد الأنصاري، عن محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه (ع)، قال: (إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كل إقليم رجلاً يقول: عهدك في كفك، فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه فانظر إلى كفك واعمل بما فيها، قال: ويبعث جندا إلى القسطنطينية، فإذا بلغوا الخليج كتبوا على أقدامهم شيئاً ومشوا على الماء، فإذا نظر إليهم الروم يمشون على الماء قالوا: هؤلاء أصحابه يمشون على الماء، فكيف هو؟! فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة، فيدخلونها فيحكمون فيها ما يريدون) كتاب الغيبة للنعماني: ص334، بحار الأنوار: ج52 ص365، إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب: ج2 ص251، مكيال المكارم: ج1 ص130.
[58]- الإسراء : 88.
[59]- البقرة : 255.
[60]- ذكر في الصراط المستقيم: قال ابن شهر آشوب: سمعت مذاكرة أنه (ع) تكلم لابن عباس في الباء من بسم الله إلى قرب الفجر وقال: (لو زادنا الليل لزدنا) الصراط المستقيم لعلي بن يونس العاملي: ج1 ص219.
[61]- المائدة : 82 - 83.
[62]- فاطر : 22.
[63]- قال الشيخ المظفر في كتابه أصول الفقه: إن تطابق آراء العقلاء بما هم عقلاء في القضايا المشهورة العملية التي نسميها (الآراء المحمودة) والتي تتعلق بحفظ النظام والنوع يستكشف به الحكم الشرعي؛ لأنّ الشارع من العقلاء ـ بل رئيسهم وهو خالق العقل ـ فلابد أن يحكم بحكمهم. أصول الفقه: ج3 ص104. وقد ناقش الشهيد محمد باقر الصدر في هذه المقولة في بحث كشف السيرة العقلائية عن الإمضاء، فقال: وعلى هذا يعرف إنّ كشف السيرة العقلائية عن إمضاء الشارع، إنما هو بملاك دلالة السكوت عنها على الإمضاء لا بملاك إن الشارع سيد العقلاء وطليعتهم، فما يصدق عليهم يصدق عليه كما يظهر من بعض الأصوليين، وذلك لانّ كونه كذلك بنفسه يوجب احتمال تميزه عنهم في بعض المواقف، وتخطئته لهم في غير ما يرجع إلى المدركات السليمة الفطرية لعقولهم كما واضح . دروس في علم الأصول: ج1 ص235. فنفس افتراض الشارع سيد العقلاء يوجب عدم تطابقه معهم ؛لاحتمال اختلافه عنهم.
[64]- وقع خلاف في مسألة الحسن والقبح، فقال الأشاعرة: بأنّ الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، فأنكروا التقبيح والتحسين العقليين، في حين أنّ المعتزلة والإمامية أثبتوا التحسين والتقبيح العقليين، وقالوا: بأنّ للأشياء قبح وحسن في ذاتها بغض النظر عن الشرع، فكل ما حسنه العقل حثت عليه الشريعة، وكل ما قبحه العقل نهت عنه الشريعة. وأنكر الأخباريون من الشيعة التلازم بين حكم العقل وحكم الشرع. لاحظ :خلاصة علم الكلام للفضلي : ص146، محاضرات في الإلهيات للسبحاني: ص155، وسيأتي منه (ع) الجواب على هذه القاعدة في النقطة (ج).
[65]- روى الشيخ الكليني: عن الإمام الكاظم (ع) في وصيته لهشام بن الحكم ، قال: (يا هشام إنّ لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (ع)، وأمّا الباطنة فالعقول) الكافي: ج1 ص16.
[66]- من بين الدروس في الحوزات العلمية الشيعية اليوم هو درس أصول الفقه، أو ما يسمى بعلم الأصول، وهو علم موروث من أهل السنة؛ لأنهم احتاجوا إليه بسبب ابتعادهم عن أهل البيت (ع) فاحتاجوا لمعرفة أحكام الشرع لهذه القواعد التي هي من نتاج الفكر البشري القاصر عن الوصول إلى علل التشريع و حِكمه، فجعلوا هذه القواعد واسطة توصلهم للحكم الشرعي. ومن ثم انتقل هذا العلم إلى الشيعة لكن بحذف بعض مباحثه كالقياس الذي عُرف به أبي حنيفة، ومن المباحث المهمة التي يبحثوها في علم الأصول هي مباحث الدليل العقلي، وعرفوا الدليل العقلي بأنّه الحكم العقلي المتوصل به إلى حكم الشرع، ويحتوي الدليل العقلي على جملة قواعد اجتهادية عقلية غير مروية عن الأمناء على شرع الله سبحانه وتعالى، وهم محمد (ص) والعترة الطاهرة (ع)، بل من المؤسف جدّاً أنّهم يقدّمون هذه القواعد العقلية على النصوص الشرعية في أكثر الأحيان، ويردّوا الروايات؛ لأنّها مخالفة للقاعدة الأصولية العقلية!! فأصبحت هذه القواعد العقلية هي الميزان في تقييم كلمات الهادين (ع)، وهذا يضاف إلى ظلامتهم (ع). ثم إنه حصل خلاف بين المدرسة الأخبارية والمدرسة الأصولية، فالأولى لا تسوغ العمل بالدليل العقلي والثانية تسوغ العمل به وتعتبر دراسته ضرورة لمن أراد الوصول لمعرفة أحكام الشريعة. وقد صرح الشهيد محمد باقر الصدر رحمه الله في مقدمة رسالته المعروفة بالفتاوى الواضحة بعدم الحاجة إلى الدليل العقلي مع إيمانه به، وذلك لأنّ نصوص الشريعة كافية في إثبات الأحكام الشرعية، فقال: (اختلف المجتهدون والمحدثون في أنه هل يسوغ العمل به أو لا فنحن وان كنا نؤمن بأنه يسوغ العمل به ولكنا لم نجد حكما واحدا يتوقف اثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى بل كل ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنة) الفتاوى الواضحة : ص 15.
[67]- قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ التوبة : 31.
روى الشيخ الكليني: عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عز وجل: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّه﴾، فقال : (أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون) .
ورى أيضاً: عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد الله (ع) قال: (من أطاع رجلاً في معصية فقد عبده) الكافي: ج2 ص 398.
[68]- قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ المائدة: 103.
روى الصدوق في معاني الأخبار: عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عزّ وجل: ﴿ مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ﴾، قال: (إنّ أهل الجاهلية كانوا إذا ولدت الناقة ولدين في بطن واحد قالوا: وصلت، فلا يستحلون ذبحها ولا أكلها، وإذا ولدت عشرا جعلوها سائبة ولا يستحلون ظهرها ولا أكلها، و "الحام" فحل الإبل لم يكونوا يستحلونه، فأنزل الله عز وجل أنه لم يكن يحرم شيئا من ذلك).
قال الصدوق: (وقد روي أن البحيرة الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن فإن كان الخامس ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها أي شقوه وكانت حراماً على النساء والرجال لحمها ولبنها، وإذا مات حلت للنساء، والسائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله عز وجل من مرض أو بلغه منزله أن يفعل ذلك، والوصيلة من الغنم كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن فإن كان السابع ذكرا ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاها فلم تذبح وكان لحومها حراما على النساء إلا أن يكون يموت منها شيء فيحل أكلها للرجال والنساء، والحام الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا : قد حمى ظهره. وقد يروى أنّ الحام هو من الإبل إذا أنتج عشرة أبطن، قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلاء ولا ماء) معاني الأخبار: ص148.
[69]- بدليل اختلافهم في القاعدة الأولية الأساسية في حالة الشك، فقد ذهب مشهور الاصوليين بأنّ القاعدة الأولية هي قبح العقاب بلا بيان، وعليه فيكون المكلف غير مسؤولاّ عن التكاليف التي لم يقم عليها البيان، وعليه فالظن أو الشك أو الاحتمال بالتكليف لا يوجب الاحتياط فيه، بينما يعتقد الشهيد محمد باقر الصدر بأنّ القاعدة الأولية هي حق الطاعة، بمعنى إنّ للمولى حق الطاعة في التكاليف المحتملة والمشكوكة، فالظن أو الشك أو الأحتمال للتكليف يوجب امتثال التكليف، وهذا هو الاحتياط العقلي. نعم إن رخص الشرع في ترك الاحتياط فيقدم الترخيص الشرعي على القاعدة. فلاحظ عبارة الشهيد محمد باقر الصدر رحمه الله في بيان ما تقدم، قال: (والذي ندركه بعقولنا أن مولانا سبحانه وتعالى له حق الطاعة في كل ما ينكشف لنا من تكاليفه بالقطع أو بالظن أو بالاحتمال ما لم يرخص هو نفسه في عدم التحفظ) دروس في علم الأصول: ج1 ص 156.
وقال: (والصحيح في رأينا هو أن الأصل في كل تكليف محتمل هو الاحتياط نتيجة لشمول حق الطاعة للتكاليف المحتملة، فإن العقل يدرك أن للمولى على الإنسان حق الطاعة لا في التكاليف المعلومة فحس، بل في التكاليف المحتملة أيضا، ما لم يثبت بدليل أن المولى لا يهتم بالتكليف المحتمل إلى الدرجة التي تدعو إلى إلزام المكلف بالاحتياط . وهذا يعني أن الأصل بصورة مبدئية كلما احتملنا حرمة أو وجوبا هو أن نحتاط، فنترك ما نحتمل حرمته ونفعل ما نحتمل وجوبه،.... ويخالف في ذلك كثير من الأصوليين إيمانا منهم بأن الأصل في المكلف أن لا يكون مسؤولاً عن التكاليف المشكوكة، ولو احتمل أهميتها بدرجة كبيرة، ويرى هؤلاء الأعلام أن العقل هو الذي يحكم بنفي المسؤولية؛ لأنه يدرك قبح العقاب من المولى على مخالفة المكلف للتكليف الذي لم يصل إليه، ولأجل هذا يطلقون على الأصل من وجهة نظرهم اسم (قاعدة قبح العقاب بلا بيان) أو (البراءة العقلية) أي إن العقل يحكم بأن عقاب المولى للمكلف على مخالفة التكليف المشكوك قبيح، وما دام المكلف مأمونا من العقاب فهو غير مسؤول ولا يجب عليه الاحتياط. ويستشهد لذلك بما استقرت عليه سيرة العقلاء من عدم إدانة الموالي للمكلفين في حالات الشك وعدم قيام الدليل ، فإن هذا يدل على قبح العقاب بلا بيان في نظر العقلاء .... ، وأمّا ما استشهد به من سيرة العقلاء فلا دلالة له في المقام لأنه إنما يثبت أن حق الطاعة في الموالي العرفيين يختص بالتكاليف المعلومة ، وهذا لا يستلزم أن يكون حق الطاعة لله تعالى كذلك أيضاً؛ إذ أي محذور في التفكيك بين الحقين والالتزام بأن أحدهما أوسع من الآخر. فالقاعدة الأولية إذن هي أصالة الاحتياط ) دروس في علم الأصول: ج1 ص 117.
[70]- وهذه حقيقة واضحة وجلية لمن تتبع أرائهم في بحوثهم العقلية، وعلى سبيل المثال اختلافهم في مسألة الشرط المتأخر، فقد اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً جداً كما يقول الشيخ محمد رضا المظفر، وإليك نص عبارته، قال: (وإنما وقع الشك في الشرط المتأخر، أي أنه هل يمكن أن يكون الشرط الشرعي متأخرا في وجوده زمانا عن المشروط أو لا يمكن؟ ومن قال بعدم إمكانه قاس الشرط الشرعي على الشرط العقلي، فإن المقدمة العقلية يستحيل فيها أن تكون متأخرة عن ذي المقدمة؛ لأنه لا يوجد الشيء إلاّ بعد فرض وجود علته التامة المشتملة على كل ما له دخل في وجوده، لاستحالة وجود المعلول بدون علته التامة، وإذا وجد الشيء فقد انتهى، فأية حاجة له تبقى إلى ما سيوجد بعد. ومنشأ هذا الشك والبحث : ورود بعض الشروط الشرعية التي ظاهرها تأخرها في الوجود عن المشروط، وذلك مثل الغسل الليلي للمستحاضة الكبرى الذي هو شرط - عند بعضهم - لصوم النهار السابق على الليل. ومن هذا الباب إجازة بيع الفضولي بناء على أنها كاشفة عن صحة البيع، لا ناقلة. ولأجل ما ذكرنا من استحالة الشرط المتأخر في العقليات اختلف العلماء في الشرط الشرعي اختلافا كثيراً جداً. فبعضهم ذهب إلى إمكان الشرط المتأخر في الشرعيات، وبعضهم ذهب إلى استحالته قياساً على الشرط العقلي كما ذكرنا آنفاً. والذاهبون إلى الاستحالة أولوا ما ورد في الشريعة بتأويلات كثيرة يطول شرحها) أصول الفقه: ج2 ص334.
[71]- سيبطل (ع) هذا القول عند تعرضه للبحث الآتي، فانتظر.
[72]- النساء : 19.
[73]- البقرة : 216.
[74]- البقرة : 219.
[75]- عن أبي عبد الله الصادق (ع)، عن آبائه (ع)، قال: قال رسول الله (ص): (... الأمور ثلاثة: أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده إلى الله عز وجل) الأمالي للصدوق: ص381 – 382، الخصال للصدوق: ص153.
وعن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): (حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم) الكافي: ج1 ص 68.
وعن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله (ص) ، يقول: (حلال بين، وحرام بين، وبينهما شبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا إن لكل ملك حمى، وإن حمى الله تعالى محارمه) مستدرك الوسائل: ج17 ص323.
وعن رسول الله (ص): (حلال بين، وحرام بين، وشبهات تتردد بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم ...) مستدرك الوسائل: ج17 ص321 - 322.
وعن موسى بن جعفر، عن أبيه (ع)، قال: قال رسول الله (ص)، عند عد شروط الاسلام وعهوده: (والوقوف عند الشبهة، والرد إلى الامام فإنه لا شبهة عنده) مستدرك الوسائل: ج17 ص322.
[76]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج2 ص94، مستدرك الوسائل: ج17 ص262، بحار الأنوار: ج2 ص312.
[77]- الكافي: ج1 ص55.
[78]- نهج البلاغة: ج4ص 65، وسائل الشيعة: ج13 ص255، بحار الأنوار: ج30 ص695.
[79]- الكافي: ج1 ص56، المجاسن: ج1 ص213، وسائل الشيعة: ج27 ص40.
[80]- قال المازندراني في شرح أصول الكافي: (والمعنى من أقام نفسه للعمل بالقياس واستخراج الأحكام به كان مدة عمره في التباس الجهالات واختلاط الشبهات، أو كانت همته وإرادته منحصرة في التباس وتخليط بين الحق والباطل وجمع شبهات؛ لأن القياس لا يفيد إلاّ جهلاً مركباً. (ومن دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس)، أي: من أطاع الله وعبده بالرأي وتقرب إليه من جهة العمل بالأحكام القياسية والاستحسانات العقلية كان مدّة عمره مرتمساً في بحار الظلمة والجهالة، ومنغمسا في آجن الشبهة والضلالة التي تحيط بها كإحاطة الماء بالغائص باعتبار استخراج الأحكام بالقياس؛ لأنه يلتبس عليه الأمور ويشبه عليه الحق والباطل، والارتماس باعتبار العمل بتلك الأحكام) شرح أصول الكافي: ج2 ص267.
[81]- الكافي: ج1 ص58، وسائل الشيعة: ج27 ص41، شرح اصول الكافي: ج2 ص267، الفصول المهمة: ج1 ص535، بحار الأنوار: ج2 ص299.
[82]- علل الشرائع: ج1 ص89، الوسائل: ج27 ص48.
[83]- أمالي الصدوق: ص507، الكافي: ج1 ص43، مستدرك الوسائل: ج17 ص257.
[84]- الكافي: ج1 ص42، الخصال: ص52، وسائل الشيعة: ج27 ص21.
[85]- الكافي: ج1 ص42، التهذيب: ج6 ص223، وسائل الشيعة: ج27 ص20.
[86]- الكافي: ج1 ص44، تحف العقول: ص47، وسائل الشيعة: ج27 ص25.
[87]- الكافي: ج1 ص34، أمالي الصدوق : ص507، من لا يحضره الفقيه: ج4 ص401.
[88]- وسائل الشيعة: ج27 ص43، الفصول المهمة للعاملي: ج1 ص531 .
[89]- الكافي: ج1 ص56، وسائل الشيعة :27 ص40، الفصول المهمة للعاملي: ج1 ص126.   
[90]- الحدائق الناضرة: ج10 ص62، مستدرك الوسائل: ج17 ص301، بحار الأنوار: ج2 ص84.
[91]- روى الشيخ الكليني وغيره: عن عبد الرحمن بن كثير قال : قلت لأبي عبد الله (ع): ﴿اسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ النحل : 43، قال: (الذكر محمد (ص) ونحن أهله المسؤولون، قال: قلت : قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ الزخرف : 44، قال : (إيانا عنى، ونحن أهل الذكر ونحن المسؤولون) الكافي: ج1 ص210.
[92]- الكافي : ج8 ص5، وسائل الشيعة : ج27 ص37، مستدرك الوسائل: ج7 ص34.
[93]- قيل أن سبب تسميتهم بهذا الاسم ـ معنزلة ـ هو: إنّ واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري، فلما ظهر الاختلاف وقالت الخوارج بتكفير مرتكب الكبائر، وقال آخرون بأنّهم مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر، فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين، وقال إنّ الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين، فطرده الحسن عن مجلسه فاعتزل عنه، وجلس إليه عمرو بن عبيد فقيل لهما ولأتباعهما معتزليون. لاحظ : أوائل المقالات للشيخ المفيد: ص146، وفيات الأعيان: ج6 ص8.
كما أنّ الأشاعرة سمّوا أشاعرة نسبة لأبي الحسن الأشعري المولود عام 260 ه‍، والمتوفى عام 324 ه‍، وهو من أحفاد أبي موسى الأشعري، فالأشاعرة هم اتباعه. ظلال التوحيد للسبحاني: ص101.
[94]- الكافي: ج1 ص160، الاعتقادات للصدوق: ص29، توحيد الصدوق: ص206، عيون أخبار الرضا(ع): ج2 ص114، بحار الأنوار: ج5 ص12. والحديث عن الإمام الصادق (ع).
[95]- من بين الأحداث المهمة التي عاصرها الإمام الرضا (ع) هي فتنة خلق القرآن، وهي مسألة عقائدية، نشأت في أواخر الدولة الأموية، وأول من أثارها هو الجعد بن درهم، معلم مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وأذاعها في دمشق فطلبته السلطة فهرب منها ثم نزل الكوفة فتعلم منه الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية.
ويقول ابن الأثير: إن هشام بن عبد الملك قبض على الجعد وأرسله مخفوراً إلى خالد القسري أمير العراق وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله فبلغ الخبر هشاماً فكتب إليه يلومه ويعزم عليه بقتله، فأخرجه خالد من الحبس في وثاقه، فلما صلى العيد يوم الأضحى قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحوا يقبل الله منكم، فاني أريد أن أضحي اليوم بالجعد، فإنه يقول : ما كلم الله موسى، ولا اتخذ الله إبراهيم خليلاً، تعالى الله عما يقول الجعد، ثم نزل وذبحه الكامل في التاريخ: ج5 ص263.
وظلت هذه الفكرة بعد مقتل الجعد تحت الخفاء وفي طي الكتمان إلى دور هارون الرشيد، وعندما ظهر أمر المعتزلة، وانتشرت أفكارهم أعلنوا القول بخلق القرآن، ولما ولي الحكم المأمون نشطت الحركة وأخذت الفكرة بالنمو والاتساع وتبنى المأمون القول بخلق القرآن، وقرّب المأمون أبا هذيل محمد بن الهذيل العلاف وهو من أئمة المعتزلة، كما وقرّب أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام وهو أيضاً أحد رؤوس المعتزلة المشهورين. وحمل المأمون الناس على القول بها فمن خالفها تعرض للنقمة والعذاب. حيث كتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب صاحب الشرطة يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، وكان ممن تعرّض للأذى من المأمون هو أحمد بن حنبل، فقد سيق مكبلاً بالأغلال للمثول بين يدي المأمون بطوس، ولكن بلغه في الطريق موت المأمون. وتولى المعتصم فسجن ابن حنبل ثمانية وعشرين شهراً لامتناعه عن القول بخلق القرآن، وأطلق سنة 220 ه‍ـ. ولم تكف الدولة عن إيذاء أحمد بن حنبل إلاّ في عهد المتوكل.
وعندما حقق المأمون بعض أهدافه السياسية البعيدة المدى، وصفّى وجود المخالفين للحكم العباسي وغيرهم بهذه الحجة، ثم عاد إلى مذهب الآباء معتبراً الروافض والمعتزلة والخوارج من أعلام جهنم، ينقل ابن حجر في لسان الميزان: إنّ المأمون قال لحاجبه يوماً: انظر من بالباب من أصحاب الكلام ؟ فخرج وعاد إليه، فقال: بالباب أبو الهذيل العلاف، وهو معتزلي، وعبد الله بن أباض الأباضي، وهشام بن الكلبي الرافضي. فقال المأمون : ما بقي من أعلام جهنم أحد إلاّ حضر. قال ابن حجر : يعني أنّ الهذيل رأس المعتزلة، وهشاماً رأس الرافضة، وابن أباض رأس الخوارج. لسان الميزان لابن حجر : ج5 ص413.
وقد بيّن الإمام الرضا (ع) القول الفصل في هذه الفتنة، فقد روى الشيخ الصدوق : عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، قال : كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا (ع) إلى بعض شيعته ببغداد : (بسم الله الرحمن الرحيم عصمنا الله وإياك من الفتنة، فإن يفعل فأعظم بها نعمة، وإن لا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له ويتكلف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلاّ الله عز وجل، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين، جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون) أمالي الصدوق : ص640، بحار الأنوار : ج89 ص118.
وعن سليمان بن جعفر الجعفري : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) : يا بن رسول الله، ما تقول في القرآن؟ فقد اختلف فيه من قبلنا، فقال قوم إنه مخلوق وقال قوم إنه غير مخلوق، فقال (ع) : (أمّا أنا لا أقول في ذلك ما يقولون، ولكني أقول إنّه كلام الله عزّ وجل) أمالي الصدوق : ص647، بحار الأنوار : ج89 ص118.
[96]- لاحظ قول الإمام الرضا (ع) في الهامش السابق .
[97]- قال أمير المؤمنين (ع) في خطبة طويلة: (... وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله. وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه، ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر. فقد نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته. فالكتاب يومئذ وأهله منفيان طريدان، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما مؤو. فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم، ومعهم وليسا معهم، لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا. فاجتمع القوم على الفرقة، وافترقوا عن الجماعة، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، فلم يبق عندهم منه إلا اسمه، ولا يعرفون إلا خطه وزبره. ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة، وسموا صدقهم على الله فرية، وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة وإنما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم وتغيب آجالهم، حتى نزل بهم الموعود الذي ترد عنه المعذرة، وترفع عنه التوبة، وتحل معه القارعة والنقمة) نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج2 ص30، الكافي: ج8 ص388.
[98]- روى الطبراني في المعجم الكبير: عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول (ص): (إني لكم فرط وإنكم واردون علي الحوض عرضه ما بين صنعاء إلى بصرى، فيه عدد الكواكب من قدحان الذهب والفضة فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين. فقام رجل فقال : يا رسول الله وما الثقلان؟ فقال رسول الله (ص): الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا، والأصغر عترتي وإنهم لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وسألت لهما ذاك ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم) المعجم الكبير: ج3ص65، ولاحظ كنز العمال: ج1 ص188.
وروى العياشي : عن أبي جميلة المفضل بن صالح عن بعض أصحابه قال : خطب رسول (ص) يوم الجمعة بعد صلاة الظهر انصرف على الناس فقال: (يا أيها الناس إني قد نبأني اللطيف الخبير انه لن يعمر من نبي إلا نصف عمر الذي يليه ممن قبله، واني لأظنني أوشك أن ادعى فأجيب، واني مسؤول وإنكم مسؤولون، فهل بلغتكم فما إذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد بأنك قد بلغت ونصحت وجاهدت، فجزاك الله عنا خيراً، قال : اللهم اشهد، ثم قال : يا أيها الناس ألم تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق من بعد الموت قالوا: [اللهم] نعم، قال: اللهم اشهد، ثم قال : يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ألا من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، ثم قال : أيها الناس إني فرطكم وأنتم واردون على الحوض وحوضي اعرض ما بين بصرى وصنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضة الأواني، سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما حتى تلقوني، قالوا : وما الثقلان يا رسول الله؟ قال : الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيدي الله وطرف في أيديكم، فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تذلوا والثقل الأصغر عترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أن لا يتفرقا حتى يلقياني، وسئلت الله لهما ذلك فأعطانيه فلا تسبقوهم فتضلوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، فلا تعلموهم فهم اعلم منكم) تفسير العياشي: ج1 ص4.
وروى الشيخ الطوسي في الأمالي: عن رافع مولى أبي ذر، قال : صعد أبو ذر (رضي الله عنه) على درجة الكعبة حتى أخذ بحلقة الباب، ثم أسند ظهره إليه، فقال : أيها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله(ص) يقول: (إنما مثل أهل بيتي في هذه الأمة كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تركها هلك)، وسمعت رسول الله(ص) يقول: (اجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، فإن الجسد لا يهتدي إلا بالرأس، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين) أمالي الشيخ الطوسي: ص482، بحار الأنوار: ج23ص121.
[99]- غافر : 67.
[100]- بحار الأنوار: ج56 ص163، مستدرك سفينة البحار: ج8 ص572، العلم في الكتاب والسنة: ص120.
[101]- يشير (ع) بهذه الكلمة لما روي عن أهل البيت (ع)، فقد روى الشيخ الكليني بسنده عن أبي جعفر (ع) قال: (لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر . ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهى وإياك أعاقب، وإياك أثيب) الكافي : ج1 ص10.
[102]- العلق : 6- 8.
[103]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج3 ص73، بحار الأنوار: ج33 ص475.
[104]- تصحيح الاعتقاد للمفيد: ص70، الكافي: ج1 ص171، وفيه : أن تركوا ما أقول وذهبوا إلى ما يريدون. وكذا في وسائل الشيعة: ج16 ص197. الإرشاد: ج2 ص194، بحار الأنوار: ج23 ص9.
[105]- تصحيح الاعتقاد للمفيد: ص70، الاعتقادات في دين الإمامية للصدوق: ص43، وفيه : فإن حاجوكم كنت أنا المحجوج لا أنتم.
[106]- تصحيح الاعتقاد للمفيد: ص72، الفصول المهمة للعاملي: ج1 ص125، وفي الكافي: ج1 ص7 باختلاف يسير.
[107]- التوبة :31.
[108]- تصحيح الاعتقاد للمفيد: ص72، تفسير البرهان: ج10 ص120.
[109]- تصحيح الاعتقاد للمفيد: ص73، الكافي: ج6 ص434 باختلاف يسير.
[110]- فصلت : 53.
[111]- الذاريات : 20 – 21.
[112]- النور : 35.
[113]- يونس :82.
[114]- مستدرك الوسائل: ج4 ص250، بحار الأنوار: ج89 ص184، وفيه: (رب تال للقرآن والقرآن يلعنه).
[115]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج2 ص21، بحار الأنوار: ج31 ص549.
[116]- تفسير العياشي: ج1 ص18، مستدرك الوسائل: ج17 ص335، بحار الأنوار: ج89 ص111.
[117]- تفسير العياشي: ج1 ص18، وسائل الشيعة: ج27 ص60، بحار الأنوار: ج89 ص111.
[118]- ثواب الأعمال: ص280، بحار الأنوار: ج89 ص390.
[119]- تفسير العياشي: ج1 ص12،بحار الأنوار: ج66 ص93، ميزان الحكمة: ج3 ص2534.
[120]- بصائر الدرجات: ص224، الكافي: ج1 ص213، ورواه عن الصادق (ع) . وكذا في وسائل الشيعة:ج27 ص179 عنه (ع)، بحار الأنوار: ج23 ص199.
[121]- تفسير العياشي: ج1 ص17، مستدرك الوسائل: ج17 ص337، بحار الأنوار: ج89 ص110.
[122]- الكافي: ج8 ص312، وسائل الشيعة: ج27 ص185، بحار الأنوار: ج24 ص238.
[123]- التوحيد للصدوق: ص265، مستدرك الوسائل: ج17 ص326، مصباح البلاغة: ج3 ص69، بحار الأنوار: ج8 ص107.
[124]- التوحيد للصدوق: 50، وسائل الشيعة: ج27 ص189، بحار الأنوار: ج3 ص223.
[125]- أمالي الصدوق: ص55، وسائل الشيعة: ج27 ص45، الاحتجاج: ج2 ص191، بحار الأنوار: ج2 ص297.
[126]- الخصال للصدوق: ص164، بحار الأنوار : ج2 ص42، معدن الجواهر للكراجكي: ص31.
[127]- الواقعة : 79.
[128]- العلق : 6 - 7.
[129]- يشير (ع) إلى ما روي عن جده أمير المؤمنين (ع)، فقد روى الشيخ الكليني : عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: (إن من أبغض الخلق إلى الله عز وجل لرجلين، رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، قد لهج بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدي من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد موته، حمال خطايا غيره، رهن بخطيئته. ورجل قمش رجلا في جهال الناس، عان بأغباش الفتنة، قد سماه أشباه الناس عالما ولم يغن فيه يوما سالما، بكر فاستكثر، ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن واكتنز من غير طائل جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، وإن خالف قاضيا سبقه، لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده، كفعله بمن كان قبله، وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا من رأيه، ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شيء مما أنكر، ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبا، إن قاس شيئا بشئ لم يكذب نظره وإن أظلم عليه أمر اكتتم به، لما يعلم من جهل نفسه، لكيلا يقال له : لا يعلم، ثم جسر فقضى، فهو مفتاح عشوات، ركاب شبهات، خباط جهالات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم تبكي منه المواريث، وتصرخ منه الدماء، يستحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم بقضائه الفرج الحلال، لا ملئ بإصدار ما عليه ورد، ولا هو أهل لما منه فرط، من ادعائه علم الحق) الكافي ج1 ص55، وقد ذكره (ع) في بحث الأدلة على وجوب التوقف في الفتوى في ص36.
[130]- علل الشرايع: ج2 ص394، مشكاة الأنوار: ص245، بحار الأنوار: ج2 ص107.
[131]- علل الشرايع: ج2 ص394 ، مشكاة الأنوار: ص245، ورواه في الكافي: ج1 ص46 عن النبي (ص).
[132]- منية المريد: ص141، بحار الأنوار: ج2 ص39، سنن الدارمي: ج1 ص103، تاريخ دمشق: ج47 ص464.
[133]- البقرة : 18.
[134]- القصص : 4 - 6.
[135]- النساء : 97.
[136]- غيبة النعماني: ص246، بحار الأنوار: ج51 ص77، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص246.
[137]- في بعض نسخ الكافي: شعبتان.
[138]- الكافي: ج1 ص231، بحار الأنوار: ج26 ص219، و: ج52 ص318، ورواه كما هو الآن في المتن عن بصائر الدرجات، بينما رواه في بصائر الدرجات: ص203، وفي الإمامة والتبصرة: ص116، وفي كمال الدين: ص674، باختلاف في آخر الرواية . وقد ذكرت الزيادة في هامش مختصر بصائر الدرجات وأنها عن نسخة البحار.
[139]- كمال الدين: ص393، بحار الأنوار: ج52 ص323، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج1 ص256.
[140]- غيبة النعماني: ص252، بحار الأنوار: ج15 ص148، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص385.
[141]- علل الشرائع: ج1 ص243، بحار الأنوار: ج52 ص90، ميزان الحكمة: ج1 ص184.
[142]- علل الشرايع: ج1 ص224، بحار الأنوار: ج52 ص90.
[143]- الكافي: ج1 ص340، بحار الأنوار: ج52 ص155.
[144]- عثمان بن سعيد العمري، يكنى أبا عمرو السمّان ويقال له الزيّات الأسدي، وهو جليل القدر، له منزلة عظيمة عند الأئمة (ع)، فحظي برضى الأئمة وتوثيقهم له عند توكيله من قبلهم (ع). والسمّان: قيل إنّه كان يتّجر بالسمن تغطية على الأمر؛ لأنّه كان ينقل الأسئلة من الشيعة ويوصلها للائمة (ع) ويأتيهم بأجوبة الرسائل توجيهات أئمتهم (ع)، فكان الشيعة يرسلون رسائلهم وغيرها عبر عثمان بن سعيد، وهو يخفيها في جراب السمن، ويحمله إلى أبي محمد (ع) تقية وخوفاً. وقد توكل للأئمة الهادي والعسكري والمهدي (ع)، وقام بدور الواسطة بينهم وبين قواعدهم الشعبية الموالية. وقبره على ما جاء في غيبة الشيخ الطوسي بالجانب الغربي من مدينة السلام - يعني بغداد - وهو يزار ويقع في منطقة الميدان في أول الموضع المعروف بدرب جبلة ببغداد. ومدة سفارته للإمام المهدي (ع) حوالي خمس سنوات، توفي سنة 266 ه‍ـ. راجع غيبة الشيخ الطوسي : ص353 وما بعدها.
[145]- محمد بن عثمان بن سعيد العمري: يكنّى أبا جعفر، له منزلة جليلة بعد أبيه عند الإمام المهدي (ع). حيث استلم الشيخ العمري السفارة بعد وفاة أبيه و قام مقامه بناءً على كتاب التعزية والتولية الصادر عن الإمام المهدي (ع). ومدة سفارته حوالي الخمسين سنة، توفي سنة 305 ه‍. وقبره عند والدته في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دوره ومنازله فيه. راجع غيبة الطوسي : ص366 .
[146]- أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي: توفي الحسين بن روح في شعبان سنة ست وعشرين وثلاثمئة ه‍، وله قبر يزار في النوبختية في الدرب الذي كانت فيه دار على بن أحمد النوبختي النافذ إلى التل، منطقة سوق الشورجة بجانب الرصافة ببغداد، الحسين بن روح النوبخت، ومدة سفارته حوالي الواحد وعشرين عاماً، توفي 326 ه‍. راجع ترجمته في غيبة الشيخ الطوسي : ص367 وما بعدها.
[147]- علي بن محمد السمري: يكنّى بأبي الحسن، تولى السفارة من حين وفاة أبي القاسم بن روح عام 326 إلى أن لحق بالرفيق الأعلى عام 329 في النصف من شعبان، فتكون مدة سفارته ثلاثة أعوام، وقبره يزار في منطقه سوق السراي في جانب الرصافة ببغداد. راجع غيبة الطوسي :ص393 وما بعدها.
[148]- روى الشيخ الكليني: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: (لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولابد له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة) الكافي: ج1 ص340، غيبة النعماني: ص 194، غيبة الطوسي: ص 162. وما في غيبة الطوسي فيه اختلاف يسير.
[149]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج2 ص 31، بحار الأنوار: ج34 ص233.
[150]- الكافي: ج1 ص5.
[151]- المقصود به الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)، فهذا أحد ألقابه .
[152]- الأنعام : 98.
[153]- أي الإمام صاحب الأمر ، منه (ع).
[154]- الكافي: ج1 ص8 .
[155]- غيبة النعماني: ص191، بحار الأنوار: ج51 ص43.
[156]- المائدة : 101.
[157]- كمال الدين: ص485، غيبة الطوسي: ص292، الاحتجاج: ج2 ص284، بحار الأنوار: ج52 ص92.
[158]- القمر : 5.
[159]- الاحتجاج: ج2 ص316، بحار الأنوار: ج91 ص2، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع) : ج4 ص349.
[160]- هود : 113.
[161]- عقائد الإمامية: ص113.
[162]- اختيار معرفة الرجال: ج2 ص470، وسائل الشيعة: ج17 ص182.
[163]- عقائد الأمامية: ص114.
[164]- غيبة الطوسي: ص450، بحار الأنوار: ج52 ص329، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص423.
[165]- غيبة النعماني: ص332، بحار الأنوار: ج52 ص364، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص501.
[166]- التوبة :42.
[167]- عن مروان الأنباري قال: خرج من أبى جعفر (ع): (إن الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم) علل الشرائع: ج1 ص244.
[168]- الأحزاب : 72.
[169]- تفسير العياشي: ج2 ص154، بحار الأنوار: ج4 ص118، مستدرك الوسائل: ج5 ص239.
[170]- قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ التوبة :122.
[171]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج4 ص26، بحار الأنوار: ج4 ص284، ميزان الحكمة: ج1 ص520.
[172]- روي عن رسول الله (ص): (ما منّا إلاّ مقتول أو مسموم) كفاية الأثر: ص163، بحار الأنوار: ج27 ص217، ميزان الحكمة: ج2 ص1518.
[173]- يقال : محل به إلى السلطان محلاً، أي : كاده بسعاية إليه. فالقرآن ماحل مصدَّق إذا سعى برجل إلى الله صدَّقه عزّ وجل.
[174]- الأنيق: هو الحسن. والتخوم جمع تخم بالفتح، وهو : منتهى الشيء.
[175]- تفسير العياشي: ج1 ص3، بحار الأنوار: ج89 ص17.
[176]- في بعض نسخ تفسير العياشي: لا تذيقه.
[177]- في بعض نسخ تفسير العياشي: عن كثرة الرد.
[178]- في بعض نسخ تفسير العياشي: تلبث . وفي بعضها : تناه.
[179]- تفسير العياشي: ج1 ص3، بحار الأنوار: ج89 ص24.
[180]- الخصال للشيخ الصدوق: ص175، بحار الأنوار: ج7 ص223، وسائل الشيعة (طبعة آل البيت): ج5 ص202 وفيه: أولى بذلك منك.
[181]- دعائم الإسلام: ج1 ص57، شرح الأخبار: ج3 ص506، مستدرك الوسائل: ج1 ص116. والحديث عن الإمام الصادق (ع).
[182]- الصف : 2 - 3.
[183]- الفرقان : 30.
[184]- الكافي: ج8 ص308، ثواب الأعمال: ص253، بحار الأنوار: ج2 ص109.
[185]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج2 ص31، الكافي: ج8 ص387، بحار الأنوار: ج34 ص233.
[186]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج2 ص30، الكافي: ج8 ص378 باختلاف يسير، بحار الأنوار: ج34 ص233.
[187]- آل عمران : 59.
[188]- التوبة : 73.
[189]- الكافي: ج2 ص125، المحاسن: ج1 ص264، وسائل الشيعة: ج16 ص177، بحار الأنوار: ج66 ص242.
[190]- الكافي: ج2 ص126، المحاسن: ج1/ص263، وسائل الشيعة: ج16 ص167، بحار الأنوار: ج66 ص245.
[191]- الكافي: ج2 ص125، المحاسن: ج1 ص263، وسائل الشيعة: ج16 ص166، بحار الأنوار: ج66 ص240.
[192]- يقول أمير المؤمنين (ع): (كنا إذا اشتد البأس لذنا برسول الله (ص)) الرسالة السعدية للعلامة الحلي: هامش ص78، وروى أحمد في مسنده : عن علي (ع) قال: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله (ص) وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا) مسند أحمد: ج1 ص86، مجمع الزوائد: ج9 ص12، وروى الطبري، قال: قال أبو جعفر: (فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فو الله لقد صدقني اليوم، وناولها على بن أبي طالب سيفه، فقال: وهذا أيضا فاغسلي عنه دمه فو الله لقد صدقني اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: لئن كنت صدقت القتال، لقد صدق سهل بن حنيف وأبو دجانة) تاريخ الطبري: ج2 ص210. وروى ابن سعد: (عن جابر عن محمد بن علي قال: كان رسول الله (ص) شديد البطش) الطبقات الكبرى: ج1ص419.
[193]- قال أمير المؤمنين (ع) واصفاً رسول الله (ص): (طبيب دوار بطبه قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه. يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي، وآذان صم، وألسنة بكم. متبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة) نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج1ص 207.
[194]- العجول التي تعبد من دون الله، كعجل السامري.
[195]- الزمر : 36 ـ 40.
[196]- الكافي: ج2 ص613، الخصال: ص142، وسائل الشيعة: ج5 ص202، بحار الأنوار: ج2 ص41.
[197]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج2 ص 211، بحار الأنوار: ج66 ص325.
[198]- وإليك كلام بعضهم: قال النووي في شرحه على صحيح مسلم باب لزوم طاعة الأمراء في غير معصية: قال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين : لا ينعزل الخليفة بالفسق والظلم وتعطيل الحدود وتضييع الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك. شرح صحيح مسلم: ج12 ص229.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إن قال قائل ما الذي يوجب خلعه الإمام عندكم قيل له: يوجب ذلك أمور، منها كفر بعد الإيمان، ومنها تركه إقامة الصلاة والدعاء إلى ذلك، ومنها عند كثير من الناس فسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود . وقال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع بهذه الأمور ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء مما يدعو إليه من معاصي الله. واحتجوا في ذلك بأخبار كثيرة متظاهرة عن النبي (ص) وعن أصحابه في وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال وأنه قال (ص): (اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع ولو لعبد حبشي، وصلوا وراء كل بر وفاجر)، وروي أنه قال: (أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك، وأطيعوهم ما أقاموا الصلاة) في أخبار كثيرة وردت في هذا الباب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل : ص 478.
والمقصود بالأخبار والروايات التي ذكرها النووي والباقلاني هو ما رواه البيهقي ومسلم وغيرهما، وإليك بعضاً مما رووه في المقام:
روى البيهقي: عن يزيد بن سلمة الجعفي أنه قال: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم، ويمنعوننا حقنا، فما تأمرنا؟ فقال (ص): (اسمعوا وأطيعوا، فإنّما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم) السنن الكبرى: ج8 ص158.
وروى مسلم : عن حذيفة بن اليمان، قال: قلت: (يا رسول الله، إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرّ؟ قال (ص): نعم. قلت: كيف؟ قال (ص): يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال حذيفة : قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع) صحيح مسلم: ج6 ص20، السنن الكبرى للبيهقي: ج8 ص157، المعجم الأوسط للطبراني: ج3 ص190. وللقارئ الكريم أن يطلع على ما ذكرناه وغيره في مظانه.
[199]- معالم في الطريق: ص232 - 236.
[200]- آل عمران :196 - 198.
[201]- مريم : 73.
[202]- معالم في الطريق : ص226 - 230 .
[203]- غيبة النعماني: ص332، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص501، ميزان الحكمة: ج1 ص186.
[204]- يشير (ع) إلى ما فعله الطاغية صدام من تنجيسه للقرآن، وتخاذل الحوزة العلمية عن نصرة القرآن والدفاع عنه، وقد تقدّم في الهامش توضيح ذلك في الجزء الأول من الكتاب فراجع.
[205]- الكافي: ج8 ص801، ثواب الأعمال: ص253، الفصول المهمة في اصول الأئمة: ج1 ص610، بحار الأنوار: ج2 ص109.
[206]- مختصر البصائر: ص248، بحار الأنوار: ج51 ص70،غاية المرام: ج2 ص73، تفسير نور الثقلين: ج3 ص124.
[207]- الارشاد: ج2 ص384، الصراط المستقيم: ج2 ص254، بحار الأنوار: ج51 ص338، معجم أحاديث الإمام المهدي(ع) : ج3 ص308.
[208]- الارشاد: ج2 ص380، غيبة الطوسي: ص468، الصراط المستقيم: ج2 ص251، بحار الأنوار: ج52 ص331.
[209]- غيبة النعماني: ص214، بحار الأنوار: ج52 ص115، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص30.
[210]- غيبة الطوسي: ص339، بحار الأنوار: ج52 ص101.
[211]- أي جدب وقحط، منه (ع).
[212]- كمال الدين: ص348، بحار الأنوار: ج52 ص 212، معجم أحاديث الإمام المهدي(ع) : ج3 ص422 .
[213]- الكافي: ج1 ص255، بصائر الدرجات: ص105، بحار الأنوار: ج52 ص110.
[214]- غيبة النعماني: ص213،غيبة الشيخ الطوسي: ص438، الخرائج والجوارح: ج3 ص1153، بحار الأنوار: ج52 ص211.
[215]- أي: الخمور، (منه (ع)).
[216]- أي قل المطر. منه (ع).
[217]- إلزام الناصب: ج2 ص161، وروي باختلاف عما في المتن في مستدرك الوسائل: ج11 ص377، جامع احاديث الشيعة: ج13 ص375.
[218]- في أمالي المفيد (اجتنت).
[219]- في أمالي المفيد (وتجدب البلاد).
[220]- بشارة الإسلام للسيد مصطفى الكاظمي: ص173.
[221]- انقطاع الحج، (منه (ع)).
[222]- شرح نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج2 ص126، بحار الأنوار: ج34 ص212، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع) : ج3 ص13.
[223]- البقرة : 155.
[224]- قال (ع) تعليقاً على لفظ بني فلان،أي بني: (العباس). وعبّر عن حكام العراق بالعباسيين؛ لأنهم يحكمون في عاصمتهم ويسيرون بسيرتهم.
[225]- الإرشاد للمفيد: ج2 ص377، كمال الدين: ص649، بحار الأنوار: ج52 ص203.
[226]- أي حاكم العراق، (منه (ع)).
[227]- مختصر بصائر الدرجات: ص199، بحار الأنوار: ج53 ص83، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج5 ص255.
-[228]أي الزانيات، ( منه (ع)).
[229]- غيبة الطوسي: ص450، بحار الأنوار: ج52 ص215، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص481.
[230]- العباس ، ( منه (ع)).
[231]- غيبة النعماني: ص264، بحار الأنوار: ج52 ص231، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص254.
[232]- الإرشاد للمفيد: ص371، كمال الدين: ص328،غيبة الطوسي: ص435، بحار الأنوار: ج52ص206، والنص للأول، وفي ما عداه اختلاف يسير.
[233]- الإرشاد للمفيد: ج2 ص374، الكافي: ج2 ص212، غيبة الطوسي: ص444، الخرائج والجرائح: ج3/ص1158، بحار الأنوار: ج52 ص214، والنص للأول، وفي غيره مما ذكر اختلاف يسير..
[234]- الكافي: ج8 ص274، بحار الأنوار: ج47 ص297، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص464.
[235]- بحار الأنوار: ج52 ص 271، عصر الظهور: ص103، ورواه في الكافي إلى قوله: رجلك، ج8 ص265، وكذا في وسائل الشيعة: ج15 ص51.
[236]- السفياني. منه (ع).
[237]- غيبة النعماني: ص 311، بحار الأنوار: ج52 ص141، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص271.
[238]- روى الطبرسي في الاحتجاج: عن عبد العظيم الحسني رضي الله عنه، عنه قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى (ع): (يا مولاي أني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فقال (ع) : ما منا إلاّ قائم بأمر الله، وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهر الله به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، هو الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله وكنيه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب، يجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر (ثلاثمائة وثلاثة عشر)، رجلاً من أقاصي الأرض وذلك قول الله : ﴿أين ما تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو (عشرة آلاف) رجل خرج بإذن الله، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى عز وجل) الاحتجاج: ج2 ص 249.
وروى المجلسي في البحار: عن أبي جعفر (ع) في حديث طويل إلى أن قال: (يقول القائم (ع) لأصحابه: يا قوم إن أهل مكة لا يريدونني، ولكني مرسل إليهم لاحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم. فيدعو رجلاً من أصحابه فيقول له: امض إلى أهل مكة فقل: يا أهل مكة أنا رسول فلان إليكم وهو يقول لكم: إنا أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة ونحن ذرية محمد وسلالة النبيين، وإنا قد ظلمنا واضطهدنا، وقهرنا وابتز منا حقنا منذ قبض نبينا إلى يومنا هذا فنحن نستنصركم فانصرونا. فإذا تكلم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهي النفس الزكية، فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه: ألا أخبرتكم أن أهل مكة لا يريدوننا، فلا يدعونه حتى يخرج فيهبط من عقبة طوى في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدّة أهل بدر حتى يأتي المسجد الحرام، فيصلي فيه عند مقام إبراهيم أربع ركعات، ويسند ظهره إلى الحجر الأسود، ثم يحمد الله ويثني عليه، ويذكر النبي (ص) ويصلي عليه ويتكلم بكلام لم يتكلم به أحد من الناس. فيكون أول من يضرب على يده ويبايعه جبرئيل وميكائيل، ويقوم معهما رسول الله وأمير المؤمنين فيدفعان إليه كتاباً جديداً هو على العرب شديد بخاتم رطب، فيقولون له : اعمل بما فيه، ويبايعه الثلاثمائة وقليل من أهل مكة . ثم يخرج من مكة حتى يكون في مثل الحلقة قلت: وما الحلقة؟ قال: عشرة آلاف رجل ...) بحار الأنوار: ج52 ص 307.
[239]- وهي الروايات التي تذكر اليماني (ع) باعتباره ممهد رئيسي للإمام محمد بن الحسن العسكري المهدي (ع)، ورسول منه (ع) إلى الناس، وكذالك الروايات التي تشير لإرسال المهدي(ع) للنفس الزكية، وقد تقدمت في الهامش السابق.
[240]- طـه : 86 - 98.
[241]- غيبة الطوسي: ص450، بحار الأنوار: ج52 ص329 .
[242]- غيبة النعماني: ص332، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص501.
[243]-أمالي الطوسي: ص232، بحار الأنوار: ج2 ص236، و: ج52 ص123، وسائل الشيعة: ج27 ص120.
[244] - الكافي: ج1 ص335، مصباح البلاغة: ج2 ص213، تفسير نور الثقلين: ج2 ص498.
[245]- غيبة الطوسي ص456، بحار الأنوار : ج52/ص130،
[246]- غيبة الطوسي : ص456، الخرائج والجرائح :ج3/ص1149،بحار الأنوار : ج52/ص130.
[247]- غيبة النعماني : ص249،بحار الأنوار : ج25/ص156.
[248]- الكافي : ج1 ص340،غيبة النعماني : ص178،بحار الأنوار : ج52 ص157.
[249]- غيبة النعماني: ص239، غيبة الطوسي: ص460.
[250]- غيبة النعماني: ص238، بحار الأنوار: ج52 ص354.
[251]- كمال الدين: ص673، غيبة النعماني: ص322 بإضافة على ما في المتن، بحار الأنوار: ج52 ص325.
[252]- تقدمت الإشارة منه (ع) إلى بعض هذه الروايات قبل قليل، فراجع.
[253]- وربما يستفاد ذلك من الروايات الآتية:
عن بشير النبال، قال: (قدمت المدينة وذكر مثل الحديث المتقدم، إلا أنه قال: لما قدمت المدينة قلت لأبي جعفر (ع): إنهم يقولون: إن المهدي لو قام لاستقامت له الأمور عفواً، ولا يهريق محجمة دم، فقال: كلا، والذي نفسي بيده لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله (ص) حين أدميت رباعيته، وشج في وجهه، كلا، والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق، ثم مسح جبهته كتاب الغيبة للنعماني: ص294 - 295.
وعن بشير بن أبي أراكة النبال، ولفظ الحديث على رواية ابن عقدة قال: (....... قلت: إنهم يقولون: إنه إذا كان ذلك استقامت له الأمور، فلا يهريق محجمة دم، فقال: كلا، والذي نفسي بيده حتى نمسح وأنتم العرق والعلق، وأومأ بيده إلى جبهته) كتاب الغيبة للنعماني: ص293 - 294.
[254]- غيبة النعماني: ص336، بحار الأنوار: ج52 ص366.
[255]- غيبة النعماني: ص336، بحار الأنوار: ج8 ص12، و: ج52 ص366 .
[256]- غيبة النعماني: ص336، بحار الأنوار: ج52 ص352 .
[257]- بحار الأنوار: ج52 ص352، غيبة النعماني رواه عن الباقر (ع): ص236.
[258]- الكافي: ج1 ص243، علل الشرائع: ج2 ص409، بحار الأنوار: ج52 ص373.
[259]- غيبة الطوسي: ص472، بحار الأنوار: ج52 ص332.
[260]- الإرشاد: ج2 ص383، إعلام الورى: ج2/ص289، بحار الأنوار: ج52 ص338 .
[261]- الكافي: ج1 ص503، كمال الدين: ص571، بحار الأنوار: ج52 ص371.
[262]- شرح الأخبار: ج3 ص561، بحار الأنوار: ج52 ص319 .
[263]- الكافي: ج7 ص421، الجواهر السنية: ص85، بحار الأنوار: ج14 ص6.
[264]- الكافي: ج4 ص427، وسائل الشيعة: ج13 ص328، بحار الأنوار: ج52 ص374.
[265]- قال أمير المؤمنين (ع) في إحدى خطبة: (... وتحج الناس ثلاث وجوه: الأغنياء للنزهة، والأوساط للتجارة، والفقراء للمسألة) إلزام الناصب: ج2 ص161، وروي باختلاف عمّا في المتن في مستدرك الوسائل: ج11 ص377، جامع أحاديث الشيعة: ج13 ص375.
[266]- الكافي: ج2/ص144، أمالي الطوسي: ص577، بحار الأنوار: ج66 ص404.
[267]- كمال الدين: ص252،عيون أخبار الرضا (ع): ج2 ص61، باختلاف يسير، بحار الأنوار: ج52 ص379 .
[268]- بحار الأنوار: ج52 ص386 .
[269]- بحار الأنوار: ج52 ص386.
[270]- تفسير العياشي: ج2 ص235، بحار الأنوار: ج52 ص347، إلزام الناصب: ج2/ص64.
[271]- آل عمران : 83.
[272]- تفسير العياشي: ج1 ص183، تفسير نور الثقلين: ج1/ص362، بحار الأنوار: ج52 ص340، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع) : ج5 ص60.
[273]- مختصر بصائر الدرجات: ص117، بحار الأنوار: ج52 ص336 ، مستدرك سفينة البحار: ج2 ص258.
[274]- الرعد : 31.
[275]- عن محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه (ع)، قال: (إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كل إقليم رجلا يقول: عهدك في كفك، فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه فانظر إلى كفك واعمل بما فيها، قال: ويبعث جندا إلى القسطنطينية، فإذا بلغوا الخليج كتبوا على أقدامهم شيئا ومشوا على الماء، فإذا نظر إليهم الروم يمشون على الماء قالوا: هؤلاء أصحابه يمشون على الماء، فكيف هو ؟! فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة، فيدخلونها فيحكمون فيها ما يريدون) كتاب الغيبة للنعماني: ص334 - 335.
[276]- قال رسول الله (ص) - في حديث المعراج عن الله جل جلاله - : ( ... وعزتي وجلالي لأظهرن بهم ديني، ولأعلين بهم كلمتي، ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأملكنه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرن له الرياح، ولأذللن له الرقاب الصعاب ولأرقينه في الأسباب، ولأنصرنه بجندي، ولأمدنه بملائكتي حتى يعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي، ثم لأديمن ملكه ولأداولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة ... ) كمال الدين وتمام النعمة: ص254 - 256.
وعن عبد الرحيم أنه قال: ابتدأني أبو جعفر (ع) فقال: (أما إن ذا القرنين قد خير السحابين فاختار الذلول وذخر لصاحبكم الصعب. قلت: وما الصعب؟ قال: ما كان من سحاب فيه رعد وبرق وصاعقة فصاحبكم يركبه، أما انه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب أسباب السماوات السبع خمسة عوامر واثنين خراب) بصائر الدرجات للصفار: ص428 - 429.
[277]- الأعراف : 96
[278]- الجـن : 16.
[279]- غيبة النعماني: ص333، بحار الأنوار: ج52 ص364، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع) : ج3 ص126.
[280]- غيبة النعماني: ص333، بحار الأنوار: ج52 ص364.
[281]- غيبة النعماني: ص333، بحار الأنوار: ج52 ص364، إلزام الناصب: ج1 ص421.
[282]- غيبة النعماني: ص334، بحار الأنوار: ج52 ص365، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع) : ج4 ص47.
[283]- الإرشاد للمفيد: ج2 ص386، بحار الأنوار: ج52 ص339، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع) : ج3 ص331.
[284]- كمال الدين: ص672، بحار الأنوار: ج52 ص326، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع) : ج4 ص20.
[285]- الصف : 14 .
[286]- بحار الأنوار: ج52 ص375 .
[287]- بحار الأنوار: ج52 ص375.
[288]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج2 ص21، بحار الأنوار: ج31 ص549، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص127.
[289]- غيبة الطوسي: ص472، بحار الأنوار: ج52 ص332، مكيال المكارم: ج1 ص185.
[290]- غيبة الطوسي: ص472، بحار الأنوار: ج52 ص332، جامع أحاديث الشيعة: ج25 ص595.
[291]- غيبة الطوسي: ص475، بحار الأنوار: ج52 ص333، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص312.
[292]- المقاصير: هي المحاريب الداخلة . قال العلامة المجلسي: تبيين المشهور بين الأصحاب كراهة تطويل المنارة أزيد من سطح المسجد لئلا يشرف المؤذنون على الجيران، والمنارات الطويلة من بدع عمر، والمراد بالمقاصير المحاريب الداخلة كما مر . بحار الأنوار: ج80 ص376.
[293]- غيبة الطوسي: ص206، الخرائج والجرائح: ص1 ص453، بحار الأنوار: ج52 ص323.
[294]- الإرشاد: ج2 ص383، إعلام الورى: ج2 ص289، بحار الأنوار: ج52 ص338 .
[295]- غيبة الطوسي: ص473، بحار الأنوار: ج52 ص332، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): ج3 ص111.
[296]- الكافي: ج3 ص 368، تهذيب الأحكام: ج3 ص253، وسائل الشيعة: ج5 ص207، بحار الأنوار: ج52 ص374.
[297]- الكافي: ج3 ص 369، وسائل الشيعة: ج5 ص215، بحار الأنوار: ج52 ص374.
[298]- غيبة النعماني: ص307، بحار الأنوار: ج52 ص362. والقر: هو البرد.
[299]- الشعراء : 94.
[300]- الكافي: ج1 ص47، بحار الأنوار: ج2 ص35.
[301]- الكافي: ج2 ص300، وسائل الشيعة: ج1 ص93.
[302]- الكافي: ج2 ص147، وسائل الشيعة: ج15 ص293.
[303]- الكافي: ج2 ص144، وسائل الشيعة: ج15 ص283.
[304]- يشير (ع) إلى ما فعله طاغية العراق صدام من تنجيسه للقرآن الكريم، وقد تقدمت الإشارة في الهامش في الجزء الأول من هذا الكتاب فراجع.
[305]- الكافي: ج1 ص341، كمال الدين: ص381،غيبة النعماني: ص193، بحار الأنوار: ج51 ص155.
[306]- الأنبياء : 59 ـ 63.

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • 1

البحث في الموقع