raya

{saudioplayer}/documents/audio/books-saed/tawhid/tawhid-21.mp3{/saudioplayer}

تجلي الألوهية في الخلق للخلق

الألوهية كالربوبية ([1])، فإذا كان معنى الرب هو المربي فالإله هو الذي يؤله إليه في سد النقص وتحصيل الكمال ، وكما أن الرب يمكن أن يصدق على الأب بالنسبة لأبنائه فيقال رب الأسرة إذا كان المنظور من علاقته مع أبنائه هو وما يفيضه عليهم ، كذا يمكن أن تصدق صفة الإله على الأب إذا كان المنظور من علاقة أبنائه به هم وما يطلبونه منه ، فصورة اللاهوت يمكن أن تصدق على خاصة من أنبياء الله ورسله الذين كانوا بحق صورة الله سبحانه وتعالى في الخلق .

قال تعالى : ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ ([2])، السجود في الأصل إنما هو لحقيقته وكنهه سبحانه وهو الرد الواجب على تجلي الحقيقة وظهورها للعابد ، فالسجود نتيجة حتمية للمعرفة كما فعل رسـول الله (صلى الله عليه وآله) في المعراج ، قـال الصادق (عليه السلام) : ( ... فلما رفع رأسه تجلت له العظمة فخر ساجداً من تلقاء نفسه لا لأمر أمر به ... ) ([3]).

وسجود مخلوق لمخلوق يعني تجلي حقيقته سبحانه وتعالى في المسجود له ، والحقيقة إنما تتجلى باللاهوت كما بينت سابقا . إذن فالمسجود له إنما سُجِدَ له لتجلي اللاهوت فيه ، إذن فالآية تدل على أن اللاهوت قد تجلى في آدم (عليه السلام) ولهذا أمر الله الملائكة بالسجود له ، والآية أيضاً واضحة في أن اللاهوت تجلى في آدم (عليه السلام) عند نفخ روح الله فيه ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾ ، إذن فروح الله هو صورة اللاهوت ( الله خلق آدم على صورته ) فكان من الطبيعي أن يُسجد لآدم عندما نفخ روح الله فيه ، فهو في الحقيقة سجود لصورة اللاهوت التي تجلت في آدم وبالتالي فهو سجود للاهوت الحقيقي الذي مثلته هذه الصورة وخليفته في خلقه ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ .

والتجلي الأول للاهوت المطلق في الخلق وصورة الله الأوضح وخليفة الله الحقيقي والمخلوق الأول والعقل الأول والكلمة الأولى هو محمد (صلى الله عليه وآله) .

فيكون معنى الآية : ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾ ، أي إذا نفخت في آدم من نور محمد ([4])(صلى الله عليه وآله) فاسجدوا لآدم وأطيعوه ، فسمى سبحانه وتعالى محمداً (صلى الله عليه وآله) ﴿ رُوحِي ﴾ أي تجلي ألوهيتي وحيـاتي ([5]).

فمحمد (صلى الله عليه وآله) صورة الله في الخلق والمطلوب من الخلق النظر فيها ليعرفوا الله ، فإذا كانت علة الخلق هي المعرفة ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ([6])، أي ليعرفون فيجب أن نعلم أن سبيل المعرفة الحقيقي هو محمد (صلى الله عليه وآله) وبقية الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) ، كل منهم تجل وظهور لهذا السبيل ، وكل بحسبه ليُعَرِّفوا الخلق بالله ([7]) سبحانه ، فالسجود في الحقيقة لم يكن لآدم (عليه السلام) بل لمحمد (صلى الله عليه وآله)، ولهذا أُشتُرِط بتجلي حقيقة محمد (صلى الله عليه وآله) في آدم (عليه السلام) ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ ، بل إنه سجود للاهوت الحقيقي الله سبحانه وتعالى بعد أن عرفنا أنه سجود لصورة أظهرت اللاهوت في الخلق ([8]).

فمحمد (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) والأئمة (عليهم السلام) وعيسى (عليه السلام) فقراء إليه سبحانه وتعالى ، ويحملون صفة اللاهوت أي إنهم يؤله إليهم في قضاء الحوائج وسد النقص وتحصيل الكمال ، وهم يقضون الحوائج ويسدون النقص ويكملون الخلق ولكن بحول وقوة وبإذن الله فلا حول ولا قوة لهم إلا بالله ، كما لا يقدرون على تحريك ساكن إلا بإذن الله ، فاتصافهم بصفة اللاهوت كما تبين ليست من نوع ألوهيته المطلقة سبحانه بلى هم صورته سبحانه وأسماؤه الحسنى ووجهه الذي واجه به خلقه ، فبصفة اللاهوت التي اتصفوا بها تعرف ألوهيته الحقيقية سبحانه ، فهم ليسوا آلهة تعبد من دونه ولا آلهة تعبد معه سبحانه كما تبين بل هم عباد مخلوقون يسدون النقص ويهبون الكمال بالله وبإذن الله سبحانه وهذا معنى اتصافهم بصفة الألوهية ، فهم ليسوا آلهة من دونه وليسوا شيئاً من دون الله فهم خلق من خلقه قائمون به سبحانه وليسوا آلهة معه ، أي إنهم ليسوا في مرتبة الألوهية الحقيقية بل هم في مرتبة الخلق فهم تجلي الألوهية الحقيقية في الخلق وهذا هو معنى أنهم الله في الخلق ومعنى أنهم صورة الله ومعنى أنهم وجه الله وأسماؤه الحسنى وأيضا معنى أن الله معنا ، وهذا يبين أيضاً أن من عرفهم عرف الله ومن جهلهم جهل الله ؛ لأن الله سبحانه واجه سواهم من الخلق بهم (عليهم السلام) ؛ ولأنهم الصورة التي تحاكي اللاهوت الحقيقي .

﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾ ([9])، أي من محاكاة اللاهوت وبالتالي تعريف الخلق به سبحانه .

﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ ([10])، أي يكاد أن يكون نوراً لا ظلمة فيه ويكاد أن ينير من نفسه ولكنه في الحقيقة ليس كذلك ؛ لأن نوره من الله وليس من نفسه (صلى الله عليه وآله) ، ولذا اشتبه إبراهيم الخليل (عليه السلام) ([11])، وكذا الملائكة في المعراج ([12]) بمحمد (صلى الله عليه وآله) ، فمحمد وآل محمد (عليهم السلام) بهذه المرتبة ، وغاية الخلق الوصول إلى هذه المرتبة ، وهم (عليهم السلام) نهاية الكمال الممكن للإنسان ولذا ختم الدين بمحمد وآل محمد وتختم الدنيا بمحمد وآل محمد .

 

[1]- كلاهما تحكيان العلاقة بين الغني والفقير بين الكامل والناقص من حيث سد فقر الفقير وتكميل الناقص ، ولكن الفرق أن الربوبية ناظرة من الأعلى إلى الأدنى أي من الغني الكامل إلى الفقير الناقص من المُربي ( الرب ) إلى المُربى ( المربوب ) ، أما الألوهية فبالعكس أي من الأدنى إلى الأعلى ، من الفقير الناقص إلى الغني الكامل من الذي يتأله إلى الإله الذي يؤله إليه ، فالربوبية تشير إلى غنى وكمال الغني الكامل ، بينما الألوهية تشير إلى فقر ونقص الفقير الناقص ولذا واجه سبحانه وتعالى وتجلت حقيقته سبحانه بالألوهية للعباد ليُعرف ، فيَعرِف الخلق غناه وكماله وهم يتألهون إليه ليسد فقرهم ويكمل نقصهم .

[2]- ص : 72.

[3]- الكافي : ج3 ص482 ، أنظر الرواية في الملحق رقم (5) .

[4] - ولعله لا يفوت المتدبر أن هناك كثيراً من الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) هم أفضل من آدم (عليه السلام) وأعلى رتبة ، فصورة الله التي خلق عليها آدم هي ليست الصورة الأولى (محمد (صلى الله عليه وآله)) وروح الله التي نفخ منها في آدم هي ليست الروح الأولى (محمد (صلى الله عليه وآله)) ، إنما هي تجل من تجيلياتها في الخلق ، حيث إن بين آدم وبينها كل الخلق الذين هم أعلى رتبة من آدم ع ولكن يمكن أن نقول إنها هي لأنها تمثلها وتظهرها ولأنها تجل من تجلياتها .

[5] - محمد (صلى الله عليه وآله) هو خليفة الله الحقيقي المراد الوصول إليه من هذا الخلق وبه يعرف الله ، لهذا نفخ في آدم من الحقيقة المراد الوصول إليها . ولهذا فمن يستحق أن يسمى حقاً بروح الله وبصورة الله وبخليفة الله وبالعقل هو محمد (صلى الله عليه وآله) ، أما آدم عندما يسمى صورة الله أو خلق على صورة الله فلأنه خلق على صورة الله محمد (صلى الله عليه وآله)؛ ولأن آدم مثل تجلياً لمحمد (صلى الله عليه وآله) وعيسى (عليه السلام) عندما يسمى روح الله ؛ فلأنه تجل لروح الله الحقيقي محمد (صلى الله عليه وآله) ( وتجد تفصيل ذلك في كتاب النبوة الخاتمة ) .

[6]- الذاريات : 56.

[7]- الله سبحانه وتعالى فطر كل إنسان ليصل إلى هذه المرتبة ( الله في الخلق ) حيث إن نفس كل إنسان مخلوقة ومفطورة على إظهار صورة اللاهوت ، وهذا هو معنى ( الله خلق آدم على صورته ) فكل إنسان مؤهل لهذا والباب مفتوح فيما مضى والآن وفيما يأتي .

[8]- الإعراض عن السجود لآدم (عليه السلام) هو إعراض عن السجود لله سبحانه وتعالى ، وإعراض عن المعرفة وركون إلى الجهل ، وهو سفه ومنافٍ للحكمة بعد أن أصبح آدم (عليه السلام) يحمل آلة التعريف بالله سبحانه وتعالى .

[9]- النجم : 9.

[10]- النور : 35.

[11]- ( لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) الأنعام : 76 – 78.

[12]- قال أبو عبد الله (عليه السلام) : ( إن الله العزيز الجبار عرج بنبيه (صلى الله عليه وآله) إلى سمائه سبعاً ، أما أولهن فبارك عليه ، والثانية علمه فيها فرضه ....... ثم عرج إلى السماء الدنيا فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء ،ثم خرت سجداً فقالت : سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح ما أشبه هذا النور بنور ربنا ، فقال جبرئيل (عليه السلام) : الله أكبر الله أكبر , فسكتت الملائكة وفتحت أبواب السماء واجتمعت الملائكة ، ثم جاءت فسلمت على النبي (صلى الله عليه وآله) ) الكافي :ج3 ص482 ، انظر الرواية كاملة في ملحق رقم (5) .

  • علي صلوات الله عليه نصر رسول الله محمد (ص) في أول بعثته فكان أول المؤمنين ثم وهو شاب صغير في العمر قدم حياته قربانا بين يدي الله سبحانه وفي كل مرة يخرج بجرح أو جروح مميتة ولكنها لا تثنيه أن يتقدم للموت مرة أخرى، قدم عبادة وإخلاصا، تصدق بكل ما يملك، بخاتمه، وبطعامه وهو صائم، وما كان ليعلم به احد لولا أن الله أنزل قرآنا يذكر فعله، كان علي صلوات الله عليه يخفي بكائه بين يدي الله سبحانه حتى على فاطمة صلوات الله عليها، علي سحق أناه ولم يطلب أن يذكر فوهبه الله حكما وعلما وفضله على العالمين.
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • 1
  • 2